الوقف ” رؤية مقاصدية “

أشير ابتداء إلى أن الوقف من حيث مشروعيته لم يثبت بدليل خاص في القرآن الكريم ، وإنما ورد من جهة الأدلة الإجمالية ، من ذلك قوله تعالى : ” آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)” سورة الحديد ، الآية 7 ، وقوله تعالى في آية أخرى : ”  لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ” سورة آل عمران ، الآية 92.

الآية القرآنية الأولى تدل كما بين القرطبي رحمه وغيره من المفسرين ” على معنى الإنفاق في وجوه الطاعات وما يقرب من الله فيثيب على ذلك بالجنة ، وما كان الوقف إلا أحد وجوه الإنفاق في سبيل الله “1

أما الآية الثانية فوجه الدلالة فيها واضح لا يحتاج بيانا ، حيث تحصيل البر متوقف على الإنفاق من كل أنواع الصدقات.

أما من حيث السنة النبوية فأختار حديثين على سبيل الاستشهاد وإلا فالأمثلة كثيرة في هذا النوع من أبواب البر ، من ذلك ما رواه أبو هريرة في الحديث الذي أخرج مسلم في صحيحه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” 2  ، يذكر النووي هنا على أن وجه الدلالة من منطلق الحديث النبوي أعلاه يعزى إلى “أن الصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف ، وعمل الميت ينقطع بموته وينقطع الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة ، وفيه دليل  لصحة الوقف وعظيم ثوابه ” 3.

أما الحديث النبوي الثاني للراوي نفسه ” من احتبس فرساً في سبيل اللَّه إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة “4  .

فكل من احتبس فرسا لأجل الجهاد ،فأطعمه وسقاه تهيؤا لهذا الغرض ، وتحمل من روثه وبوله ، كان ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة .

ونقلا عن ابن قدامة والقرطبي أن الأمة أجمعت على جواز الوقف ، من زاوية تفعيل الصحابة للوقف وعدم امتناع أحدهم عليه ، كما يرى القرطبي أن ” راد الوقف مخالف للإجماع ، لا يلتفت إليه ” 5.

وبالرجوع إلى الوقف من حيث مدلوله ، فالملاحظ تعدد تعريفات الفقهاء لمفهوم الوقف ، إلا أنهم اتفقوا في كونه صدقة على سبيل البر والإحسان.

حدده أبو حنيفة بكونه ” حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة ” 6.

وعرفه السرخسي – من المالكية- بقوله : ” إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا ” 7.

بينما النووي وهو من الشافعية فيذكر أن الوقف ” حبس مال يمكن الانتفاع به ، مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح ” 8.

ومن الحنابلة أختار تعريف ابن قدامة بقوله : ” تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة ” 9.

فهذه التعريفات تضيق وتتسع بحسب نظرة الفقيه لمقاصد الوقف من حيث اللزوم أو عدمه ، وأحيانا من جهة المال الموقوف.

إن غايتي من هذه الورقة العلمية تسليط الضوء على الأهمية التي يكتسيها الوقف كنظام داخل التشريع الإسلامي عموما والمؤسسة المالية الإسلامية على وجه الخصوص ، فهو نظام ينم عن خصوصية الإسلام كدين يعود بالنفع على الإنسان في دنياه ، بمقدار النفع العائد عليه في دينه ، حيث دائرة المنفعة من خلال الوقف تكتسح مصالح الفرد والجماعة ، محققة العزة والكرامة دافعة عنهم الحاجة والسؤال .

وقد تنوعت مشارب الوقف لأجل أن تتنوع المنافع والمصالح وذلك إحدى مقاصده ، فنجد الوقف الخيري ” وهو ماخصص ريعه ابتداء لأي وجه من وجوه البر العامة كالمساجد والمستشفيات ” 10، والوقف الذري ” وهو المرتبط بمنفعة الواقف وأهله وذريته ، ويؤول إلى وقف خيري إذا ما انقرضت الذرية ، فالوقف الخيري هو خير باعتبار الحال ، والوقف الذري هو خيري باعتبار المآل، ولكن قد يتأخر هذا المآل بتأخر انقراض الذرية ” 11 .

أما الوقف المشترك  فهو ” ما كان فيه نصيب خيري ونصيب ذري ” 12.

فالظاهر من خلال أنواع الوقف أنه يعكس صورة التشريع الإسلامي التي تميزه كخاصية ، حيث مراعاة مصالح العباد والبلاد ، وذلك من خلال تعدد وجوه الإنفاق ، إلى جانب تمثيله ” الوعاء الذي يصب فيه النشاط الإنساني في مجالاته المتشعبة ، وفي نشاطاته المتجددة الجامعة بين تطور المجتمع ورقي الإنسان ، وبين النهضة وازدهار العمران تحقيقا لأحد مقاصد الشريعة الغراء ، وهو جلب المصالح والمنافع ، وخدمة البلاد والعباد ، بما يوفر الحياة الحرة الكريمة للمجتمعات الإسلامية في ظل التكافل والتضامن الإسلاميين ” 13.

فإلى جانب الدور التضامني الذي يقدمه الوقف بين أفراد المجتمع ،  نجده قد ساهم كذلك في تحصين المجتمع الإسلامي من الانحرافات الفكرية التي كانت تهدد كيانه من حين لآخر ، وذلك من خلال بناء المساجد والمعاهد الدينية ، حيث لعبت دورا وقائيا وتنشيطيا للدعوة الإسلامية .

كما أن إقامة المدارس والمعاهد التعليمية وتوفير رواتب العاملين عليها ، ضمنت للمجتمعات الإسلامية الاستقلالية في التعليم ، وتحرير العلماء من التبعية والقيود.

وعلى المستوى الاجتماعي فقد تجلى دور الوقف في تأهيل العنصر البشري من خلال تمويل النشاطات المختلفة حيث توفير المشاريع ذات المصلحة الاجتماعية المرجحة.

أما الجانب السياسي فقد برز من خلال ” سد ثغرة المجتمع الأهلي وإيجاد المجتمع المحصن زمن اختلال الدولة واهتزاز دورها ، فضلا عن دوره في محاربة الاستعمار ودوره في تمويل حركات ومؤسسات المجتمع المناهضة له ، فعرف المجتمع حيوية وفاعلية قل نظيرها في التاريخ ، فشيد الحضارة وبنى الأمجاد قرونا طويلة ” 15.

إن المتأمل في تاريخ الوقف من حيث تفعيله ، يستشف بجلاء العوائد النفعية التي حققها داخل المجتمع الإسلامي ، سواء خلال مرحلة العهد النبوي أو تلك التي ارتبطت بالعصرين الأموي والعثماني ،  فاتسع نطاق الوقف بسبب إقبال السلاطين وولاة الأمور عليه ، بحيث أصبحت له دائرة تعنى بالإشراف عليه وتنظيم شؤونه .

إن ما يمكن أن أخلص إليه ارتباطا بالموضوع ، أن الوقف اليوم يحتاج إلى وقفات لإعادة إحياء دوره كنظام من قبل الأفراد والمؤسسات داخل المجتمع المغربي على وجه الخصوص ، سيما وأن الحاجة باتت ملحة لتوسيع دائرة المساعدات حيث العديد من الذين لا يجدون حيلة ولا يستطيعون سبيلا من ذوي الاحتياجات والمعوزين في أمس الحاجة لأبسط مستلزمات الحياة اليومية.

 

  • الجامع لأحكام القرآن : للقرطبي ، م 2 ، ص 2991.
  • أخرجه مسلم كتاب الوصية ،باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ، رقم الحديث 1631، ص 1245، الطبعة 1، بيروت ، 2002م.
  • المنهاج بشرح صحيح مسلم : للنووي ، ص1245 ، لبنان ابن حزم ، 2002م.
  • أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ،باب من احتبس فرسا في سبيل الله ، بيروت لبنان ،الجزء 2 ، الحديث 216.
  • الروضة الندية شرح الدرر البهية : بيروت لبنان ، ص 169، الجزء 2 ، 1986م.
  • شرح فتح القدير : لابن همام ، ص 190، الجزء 6 ، ط 1، 2003، بيروت دار الكتب العلمية.
  • المبسوط : للسرخسي ، ص 33، الجزء 11، ط 1، 2001، لبنان دار الكتب العلمية.
  • روضة الطالبين : للنووي ، ص314، الجزء 5 ، دار الكتب العلمية.
  • المغني : لابن قدامة : ص 1412،ج1، 2004،بيروت.
  • المنهل الصافي في الوقف وأحكامه : لمحمد أشعت الحسيني ، ص14، وكالة أبو عرفة للنشر.
  • الوقف الإسلامي ، تطوره ، إدارته..: لمنذر قحن ، ص 157، ط 1، 2000، دار الفكر.
  • حجة الله البالغة : لولي الله الدهلوي ، ص204،ط1، 1997م.
  • الوقف ودوره في المجتمع الإسلامي المعاصر : لسليم منصور ، ص 9، بيروت ، ط 1، 2004م.
  • نفسه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: