الوشاح الأحمر

أطبقت جفنيها الأسمرين تستبق حباتِ الدمع أن تنفرط. تمدد الدمع بينهما كغِرَاء شفاف مُلتمِع يوشك أن يجف فلا تُفتَحان أبدا. لم يَطُل تردده فنزل بمقدار على وجنتين سمرواين شاحبتين كبقايا ليل يزيحُه شروقٌ متباطئ. ثم تتابع واستحَرّْ. سال إزاءَ شفتين لَمْيَاوين كزيادةِ كبِدٍ برزت على الوجه. كبِدٍ في كبَد. كانتا تتمتمان، تتحركان كبقية نبضِ حياة في عِرْق شاة مذبوحة؛ كانتا تهمسان ما تبقى من ترنيمة قديمة متجددة لها لهيبٌ خفيٌ في الصدر. ثم تفسَّحَت الدموع وملأت كل الخد كمَجْمَع نهر وبحر. اتكأت تئن غير واعية على جذع ذي أنين شهير، لكن أنينها لم تفتأ تكتمه حزناً في القلب وبِشْرا في الوجه.. قبضةُ يدها مطويةً على شيء ما، غابت في همسها واستغرقت. ما لبثت أن سمعت صوتا يناديها من مكان بعيد:
– وليدة.. وليدة.. ماذا دهاك؟ وليدة..
تساءلت: من تكون وليدة هاته؟ كانت قد فنِيَتْ عن نفسها، عن رسمها، كمولودة جديدة لا تعرف لنفسها بعدُ اسما. استمرت في همسها. أحست بلمس رفيق على خدها المُبْتَل، ويدٍ تحاول فك قبضتها. قاومَت في البداية، ثم أرخت أصابعَها فظهرت في بطن كفها لفيفة من وبر إبل وصوف وشعيراتِ حلفاء وحَصَوَاتٍ وحباتِ بلح صغيرة مما التقطت من المسجد. كان ذلك دأبَها. تقُمُّ المسجد وتنظفه ثم تعود لمخدعها الصغير في طرَف صُفَّتِه..
انتشلها إلحاحُ المرأة التي تناديها من فَنائها ففتحت عينيها لترى صباحة عائشة أمامَها كقِبلة جمال أحمر نادر. ابتسمت إليها مُثقلةً ببقايا حالها اللذيذ. ارتسمت على شفتيها بسمةٌ من خلال الدمع كقطرات مطر في شمس ساطعة. قالت لها إن صلاة الظهر على الأبواب ولن يبطئ تقاطُرُ الآل والأصحاب. أغلقتْ عينيها من جديد ورددت همسها ونزَّ الدمعُ وانهمر. انحنت عليها عائشة تنصت، تحاول فك شفرة الكلمات الدفينة. لم تلتقط شيئا. عادةً كانت تسمعها تدندن منشرحة كأنما تردد أغنية طفولة بريئة بعيدة غافلة عن قيد الرق المحيط بها. عاودَت لمس خدها وحثتها على القيام إلى مخدعها في طرف المسجد كيلا يرى بكاءَها أحد. قامت متثاقلة مُغمضةَ العينين كصبي وجدته أمه متكئا على الجدار نائما في حالة وقوف من فرط اللعب وأخذت بيده تقوده كما هو إلى فراشه. وصلت مخدعها وجثت على ركبتيها. همت عائشة بالانصراف فأمسكت وليدة بتلابيبها كي تلبث قليلا بجوارها. لبثت. قليلا. ثم انصرفت عنها عند أذان بلال تحمل لفيف القمامة كي تطرحه..
**
حين انفض الناس خرجت عائشة من حجرتها تحمل ماء وتمرا وقصدت مخدع الأمَة العتيقة السمراء. لا بد أن الحال نال منها ولم تهيئ لنفسها شيئا تأكله. ألفتها تُسَلـِّم من صلاتها. التفتت إليها تعتذر. سألتها عائشة:
– ما آيةٌ من القرآن نالت منك اليوم منالا حتى غِبتِ وبكيتِ كل ذلك البكاء؟ عهدتك تغنين وأنت تقُمِّينَ المسجد؟
التفتت إليها مجيبة:
– لم تكن آية.. يا أم المؤمنين / – ما الخطب إذن؟ /
استجمعت وليدة نفَسها كيلا يرتجف صوتها وقالت:
“ويومُ الوشاح من أعاجيب ربنا ** ألا إنهُ مِن بلدةِ الكُفر أنجاني”
– لمن هذا الشعر؟ /
أجابت وليدة وفي نبرتها فخر ببيتها اليتيم الذي لم تقل غيره: “- البيت لي.. وما أحب أن لي به كل المعلقات”
تطلعت عائشة في شغف حيث لم تسمع به أبدا وهي من هي في حفظ الشعر، لكن شوقها كان أكبر إلى القصة التي وراء امرأة في حكم اليتيمة تتغنى وتبكي مِن حَرِّ بيت يتيم:
– إن له لشأنا إذن يا وليدة.. احك..
جلست عائشة قرب العتيقة السمراء الشاحبة فما لبثت هاته أن مالت على جنبها وحطت برأسها في حجر أم المؤمنين بحثا عن عطف مؤجل من أمٍّ كانت هي تكبرها بسنين. أغمضت عينيها وحكت أنها منذ زمن بعيد، بعيد، وعائشة ربما لم تولد بعد..
ذات صباح جميل من أيام الصِّبا والرِّق خرجت وليدة رفقة صبية حرة من القبيلة عليها وشاحٌ أحمر ذو سُيور وأهداب، وفي غمرة اللعب تباعدتا عن مضارب القوم ووقع الوشاح الأحمر ولم تنتبه له لا الصبية الحرة ولا المملوكة. بينما كانت قد انتبهت له في السماء حدأةٌ رأت الوشاحَ مُلقى على الأرض فحسبته من حُمرته لحما فحطت وخطفته وأقلعت. حين فرغت الصبيتان من لهوهما تنبهت الحرة لوشاحها المفقود فنظرت إلى الجويرية نظرةً مُريبة نسخت ما كان بينهما من لعب ومرح، ثم تركتها وقصدت أهلها ركضا. تسمرت وليدة مكانَها تنتظر شيئا عصيبا سيقع دون تأجيل. ما لبثت أن سمعت حديثهم وصياحهم وانبعثوا من خلف المضارب يبحثون عن الوشاح ويلتمسونه في كل مكان، بينما تكفَّل أحدهم بالإمساك بوليدة في غير رفق. زادها إلى قيد الرق قيد الأسر. وإذ لم يجدوا متاعَ ابنتهم حطت التهمة على وليدة. أخذوا يفتشونها وحين لم يجدوه في ظاهر ثيابها نظر بعضهم لبعض تواطؤا ثم طفقوا يكشفون جسدها النحيف ظنا منهم أنها أخفته لدى عورتها. كانت هي تبكي وتنتحب وتقسم بكل ما خطر ببالها من أسماء آلهتهم وأنصابهم، وعبثا حاولت.. ومن يصدق مملوكة في حرة، صغيرة كانت أو كبيرة.
رفعت وليدة عينين عاودهما الدمع من ذكرى الصبا الحارق وقالت لأم المؤمنين:
“- ووالله إني بين أيديهم كَشَرِّ ميت بين يدي أسوء الغاسلين إذ مرت الحدَأة فوازَتَ بنا في السماء وألقت الوشاح بيني وبينهم وصفقت بجناحيها ثم اختفت؛ فقلت لهم: “هو ذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريئة..”
اغرورقت عينا عائشة فأشاحت عنها. وأغمضت وليدة عينيها ترد شريط العمر. كان ذلك اللطف الإلهي مُقَدَّمَ مواساة لدهرها العصيب حتى أتاها العتق والإسلام.
مغمضةَ العينين كأنما أصابها من ذاك الحزن الشريف اللذيذ نصيبٌ سألتها عائشة أن تردد عليها بيتا يتيما وإن لم يكن من طبقة شعرٍ عالية فقد كان من غور رُوحٍ عميق..
همست وليدة من جديد:
ويومُ الوشاح من أعَاجيبِ ربِّنا ** ألا إنهُ مِن بلدةِ الكُفر أنجاني

اظهر المزيد

رضا نازه

قاص مغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: