المولد النبوي الشريف: تساؤلات وإشكالات (الجزء الأول)

الحمد لله القائل في محكم كتابه عن سيد الخلق أجمعين ” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤُوفٌ رَّحِيمٌ”(1) ، والصلاة والسلام الأتمان على من هو في موكب النبوة الحلقة الرابطة وفي عقد الرسالة الجوهرة الواسطة عين الفضل والجود الذي أضاء من وجوده كل موجود القائل عن نفسه في ما صح عنه: ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر” (2) وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار القائل عنه أحد رجالاتهم الكبار سيدنا علي كرم الله وجهه ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدراً ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة”(3) وعلى إخوانه من بعده المنتظمين في سلك الصحبة والجماعة الحاثين على المحبة والأدب والطاعة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث قال أحد أعلامهم الكبار الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: ” مَلَكَ والله ناصيةَ التوفيق من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وذاق حلاوة الإيمان، وأشرف على مشارف الإحسان، ودحض مزاعم الشيطان الذي يزعم أن التفاني في حب الذات المحمدية غلو. يا شيطان، هذه أنوار حبه الشريف المنيف فهل من محيص!”. (4)

 أَمَّا بعدُ:

تعتبر قضية المولد النبوي الشريف من القضايا الظنية الخلافية التي لم يرد فيها نص صريح صحيح في المشروعية أو عدمه، قضية اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، ما بين منكر له و آخر داع إليه، ويتجدد هذا الاختلاف ويكثر الحديث عنه  كلما أهل علينا شهر ربيع الأول، ورغم أن سادتنا العلماء قرروا قاعدة أصولية هي محط إجماع أنه لا إنكار في المسائل الخلافية، إلا أن كثرة القيل والقال وتصدر أنصاف الرجال لمطارحة هذا الإشكال، جعل الأمر في هذه المسألة يصل إلى التبديع والتفسيق، فخرج النقاش فيها في كثير من الأحيان عن أدب الخلاف واحترام المخالف، فنقلوها غفر الله لهم ولنا من قضية خلافية يؤجر المجتهد فيها إن أخطأ أو أصاب، إلى قضية قطعية المصيب فيها واحد بلا ارتياب، وقد اخترت في هذه الورقة أن أتناول هذه القضية من بوابة النقاش الهادئ النسبي عبر معالجة عدة تساؤلات وإشكالات ترنو جمع الشمل وتوحيد صف المحبين الأحباب ، فالله أسأل أن يؤتينا جميعا الحكمة وفصل الخطاب، فعلى بركة الله نبدأ.

1) إشكال التوصيف: هل المولد النبوي ذكرى أم عيد ؟

باستقراء كلام أئمة اللغة وكثير من علماء الشرع  يتبين لنا أن العيد هو عين الذكرى إذ ليست العبرة بالألفاظ والمباني بل العبرة بالمقاصد والمعاني،  فالعيد يطلق على ما كان يعتاد من الزمان أي يعود ويتكرر، سواءً كان لفرح أو حزن أو تذكيراً بحادثة وقعت للشكر فيها أو للاعتبار بها في الوقت الذي يوافق وقوعها ، فالعيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فهو اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدٌ إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك. قال ابن عاشور: “والعيد اسم ليوم يعود كل سنة، ذكرى لنعمة أو حادثة وقعت فيه للشكر أو للاعتبار” (5) كما أن العيد لا يقتصر على الزمان بل يجمع أموراً منها:

  • أنه اسم للزمان مصداقا لقوله تعالى:” تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا” (6) أي نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا، ومثل هذا نجد يوم الجمعة وعيدي الفطر والنحر وغيرهما لقوله صلى الله عليه وسلم: “يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام”(7)
  • أنه اسم للمكان الذي يُقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله : إني نذرتُ أن أنحر إبلاً ببوانة فقال: ” أبها وثنٌ من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم؟” قال: لا، قال: ” فأوف بنذرك“(8)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا تتخذوا قبري عيدا”(9).
  • ويراد به الاجتماع والأعمال لقول ابن عباس رضي الله عنهما: ” شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم”(10).
  • اسم لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً، وإن هذا عيدنا”(11). وذهب هذا الفريق إلى أنه لا ضير في إطلاق مسمى العيد على المولد وإن لم ينص عليه الشرع عينا لكن نص على جنسه بالاستناد إلى ما سبق من حجج وأدلة.

غير أن بعض علماء الشريعة خصوا بالعيد الزمان الذي خصه الشارع بالتعظيم والإجلال وفضله على غيره من الأزمنة بما تقرر فيه من المناسك أي العبادات مصداقا لقوله تعالى “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ”(12) ، وحصروا الذكرى في الزمان الذي اختص بحدث يعود ويتكرر لكن لم يعظمه الشرع أو يفضله على غيره بعبادات مخصوصة، وإنما تواضع الناس على تخصيصه بمزية ويقتصر فيه على شكر المنعم بالمباحات على ما أنعم به من نعم في ذلك الزمان مثل استقلال، أو وحدة، أو تغلّب، أو ولادة، أو وفاة، أو نصر.. أو نحو ذلك، ثم اختلفوا على ضوء هذا التقسيم في الحكم عليه إلى فريقين كما سنرى لاحقا.

والراجح والله أعلم أن المولد النبوي الشريف باعتبار معناه الدال على ما يعتاد من الزمان أي يعود ويتكرر في 12 من ربيع الأول من كل عام والدال أيضا على الاجتماع والأعمال المباحة ، وباعتبار مقاصد المحتفلين به الرامية للتذكير بحادثة وقعت للشكر فيها أو للاعتبار بها ألا وهي مولد خير الأنام، وباعتبار تنصيص الشارع – تنصيص جنس لا تنصيص عين- على كون مولد المصطفى  نعمة تستوجب الشكر فهو عيد بلا أدنى شك، لكن باعتبار عدم تخصيص ذلك اليوم بعبادات محضة وعدم التنصيص عليه عيانا بنص صريح، ومراعاة للاختلاف في المسألة وحرصا على جمع شمل الأمة  فلا ضير في تسميته ذكرى، شريطة عدم الإنكار على من يسميه عيد والله أعلم.

2) إشكال التصريف: هل نحتفي بالمولد النبوي أم نحتفل ؟

إن الاحتفال والاحتفاء لفظان متغايران لفظاً ومعنا، فلا ترادف في اللغة العربية كما ذهب إلى ذلك كثير من علمائها، والحاصل أن بين اللفظين عموم وخصوص مطلق، فكل احتفال احتفاء، وليس كل احتفاء احتفالاً، ويمكن التفريق بينهما   من عدة وجوه نقتصر هنا على ما يلي:

  • الاحتفاء يعني المبالغة في الإكرام من غير تحديد لصيغة معينة بخلاف الاحتفال الذي له صيغ و مراسيم معينة.
  • الاحتفال يتكرر في موعد محدد كالعيد، بخلاف الاحتفاء، فإنه عموماً تعظيم الشيء مطلقا بدون تحديده بزمن معين أو مكان محدد، وبدون أن يتكرر كل عام.
  • الاحتفال أخص من حيث كونه يطلق على الجمع، بخلاف الاحتفاء فقد يكون من شخص واحد، ولذا يقال: احتفل القوم، ولا يقال احتفل الرجل إلا نادراً!

وعليه فإننا نحتفي برسول الله محبة وتعظيما ومدحا وثناء واتباعا واقتداء وإكثارا من الصلاة عليه طيلة العام، وعلى جميع الأحوال وفي كل الأماكن والأزمان، فرادى وجماعات، ودون تحديد أو حصر للصيغ والكيفيات ، لكن يزداد هذا الاحتفاء في ذكرى مولده بمزيد اهتمام بلا حصر للأشكال ولا تحجير على الرجال، إنما تستنهض الهمم للإقدام على الاقتحام وبلوغ المرام، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون من محبي خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

3) إشكال التكييف: هل الاحتفاء بذكرى المولد النبوي سنة أم بدعة؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين اثنين ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى عدة أسباب نجملها في ثلاثة وهي:

  • السبب الأول اختلاف في التأصيل لعدم وجود نص خاص في المسألة أولا، ولاختلاف العلماء في فهم النصوص

العامة ودلالتها ثانيا، فقد تباينت أنظار المجتهدين فيها بين مؤيد ومعارض (لنا عودة مع هذه المسالة في المقال القادم إن شاء الله تعالى)

  • السبب الثاني اختلاف في تحقيق مفهوم البدعة فمن لا يميز بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية من جهة، ومن

جهة ثانية لا يعترف بتقسيم البدعة عموما إلى بدعة قبيحة وبدعة حسنة، وعلى التفصيل إلى الأقسام التكليفية الخمسة ، اعتبر الاحتفال بالمولد بدعة ضلالة لأنه محدث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السلف الصالح.

  • السبب الثالث اختلاف في التنزيل إذ نظر البعض إلى عقيدة أول من احتفل بالمولد وزعم أن كل محتفل متأس

بالرافضة، ونظر البعض إلى مقصد المحتفلين وزعم أن كل محتفل متشبه بالنصارى والمشركين، في حين نظر البعض الآخر إلى ما تشهده هذه الموالد من الشركيات والمحرمات فزعم أنها كلها حرام في حرام.

وهكذا فقد تعددت أسباب من يعارض الاحتفال بمولد سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن كان عمدة كلامهم بأنه بدعة ضلالة بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم به ولا صحابته رضي الله عنهم ، وعدُّوه من الزيادة في الدين، وأنه تشبه بالنصارى!!

وبغض النظر عن شخص القائل وتوجهه ونيته ؛ فهو بالتأكيد محب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، يخشى على دينه وسنة نبيه من الزيادة والابتداع ، فهو مأجور محبوب من هذه الناحية، ولكن بإمعان النظر في حججه نلحظ بعض العنت، وكثيرا من التحجير كما أشار إلى ذلك الدكتور مصطفى غانم السكوني الحسيني في حوار صحفي هذه بعض معالمه :

  • أولا لم يقل أحد من السلف ولا من الخلف إن رسول الله أو صحابته احتفلوا بذكرى المولد بهذه الصورة.
  • ثانيا معلوم من أصول الفقه وقواعده المجمع عليها أن الترك لا يفيد التحريم، لأن الترك وحده إن لم تصحبه قرينة

شرعية على أن هذا المتروك محظور لا يكون نصا في ذلك ؛ بل غايته، أن ترك ذلك الفعل مشروع؛ وقد يكون فعله أيضا مشروعا مادام لا يتنافى مع أسس الشريعة في شيء، أو إذا كان مما يساعد على القيام بالواجب؛ لأنه مالا يقوم الواجب إلا به فهو واجب (لنا عودة مع قاعدة الترك لا يفيد التحريم في المقال المقبل إن شاء الله تعالى)

  • ثالثا ليس كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم والسلف وفعله الخلف من بعدهم يعتبر تكميلا في الدين واستدراكا

على الشريعة؛ إذ هناك الكثير من المسائل الاجتهادية ظهرت فيما بعد عهد النبوة والقرون المفضلة، ولم يقل أحد عنها: إنها استدراك أو زيادة في الشريعة. (سنسوق أمثلة لهذه المسائل في المقال المقبل إن شاء الله تعالى)

  • رابعا الزعم بأن الاحتفال بالمولد تشبه بالنصارى ليس صحيحا؛ لأن التشبه المنهي عنه في الشريعة، هو التطابق التام

معهم في عقائدهم، وفرق بين احتفال المسلمين بنبي الإنسانية جمعاء صلى الله عليه وسلم ، واحتفال النصارى بالنبي عيسى عليه السلام، كما أن الشريعة السمحة طالبتنا بالتماس الحكمة أنى وجدناها، والقول بترك كل ما يأتي من غير المسلمين قول فاسد، يؤدي الأخذ به إلى الحرمان من الكثير من المصالح التي تعود على الإنسانية بالنفع! 

  • خامسا لم يقل أحد من علماء أهل السنة والجماعة المجيزين للمولد: إنه سنة وإنه من العبادات ومن الواجبات التي

يؤاخذ المقصر بها؛ بل هو من العادات الحسنة، ومن وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وفيه دعوة للناس وتوحيدهم على الخير، وصلة الأرحام، وتحبيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

  • سادسا النصوص المحرمة للابتداع قيدت بشرطين اثنين أن تكون من العبادات لا العادات، والشرط الثاني ألا تستند

إلى دليل شرعي عام تنتظم تحته سواء أكان قرآنا أو سنة أو مقصدا كليا من مقاصد الدين؛ وعليه فمتى أثبتنا بالاستقراء وجود هذين الشرطين صار الاحتفال بدعة حسنة ، ومتى أثبتنا أن جمهور علماء السنة والجماعة  قديما وحديثا يرون أن الاحتفال بالمولد الشريف مشروع مباح وصنفوا لإثبات ذلك عديدا من المصنفات المعززة بالحجة والبرهان انتفت تهمة التشبه بالكفار وتقليد الرافضة وبطلت مزاعم القول: إنه بدعة ضلالة محدثة. وهاتان المسألتان سنتوسع فيهما في المقال القادم إن شاء الله تعالى مقال نجمع فيه ما أثله سادتنا العلماء وآثرت هذا التقسيم حتى لا أثقل على القراء الكرام والسلام.

  (1) سورة التوبة الآية 128
(2) رواه الترمذي رحمه الله  في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3) روى الترمذي رحمه الله في سننه عن سيدنا علي رضي الله عنه.
(4) كتاب الإحسان الجزء الأول ص 178.
(5) كتاب التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (5/267)
(6) سورة المائدة الآية 114.
(7) رواه أبو داود وغيره.
(8) أخرجه أبو داوود في سننه.
(9) أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنف” (2/375) – وعنه أبو يعلى الموصلي في “مسنده” (469).
(10) أخرجه مسلم ُ في صحيحه.
 (11) أخرجه الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
(12) سورة الحج الآية 34.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الحمد لله القائل:( وذكرهم بأيام الله)، وصلى الله وبارك على نبيه القائل أنا… بشرى أخي عيسى، وبعد:
    إن المؤمن الحق الذي لا يرضى بديلا عن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، باطنا وظاهرا، مستمدا من أنواره نبراسا، مشمرا مرتقيا في معارج حبه، مرتبطا قلبا وقالبا بشخصه الكريم…
    وإن قلبا خلا من حبه، ولم يحظ منه ببارقة، ولم يفتح له في الشوق إليه بغادية ولا طارقة، لهو قلب محروم….

    موفق إن شاء الله أيها المبارك.
    ننتظر البقية.
    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: