المدمنون ومدى افتقارهم للدعاء بدل الازدراء

أ – اهتمام المغاربة بالصيام أكثر من الصلاة

في سكون الليل المظلم بعد أذان الصبح، توجهت إلى المسجد للصلاة مع الجماعة، الصلاة التي لم تحظ بشيء من الاهتمام بالقدر الذي تستحقه في الأوساط المغربية، مثل ما حظي به الصيام، حيث تجد “النّفّار” و”الدقّاق” و”الطبّال”، كل هؤلاء تتضافر جهودهم لإيقاظ الناس للسحور، وتجد الأضواء قد أنارت كل المنازل وقت السحر، ونسبة الصيام في البيوت قد تصل إلى مائة بالمائة في وسط المكلفين ذكورا وإناثا، حتى إننا لنجد أصحاب الأمراض المزمنة الذين وجب عليهم الإفطار، والذين يؤمرون من قبل جميع الأطباء بالإفطار، يصومون اعتقادا منهم أن الأطباء عصاة ولا يفهمون في الدين، وهذا دليل على أننا نصوم عادة لا عبادة، وإلا لأفطر أصحاب الأعذار الذين يأثمون بصيامهم، لأن رخصتهم في الإفطار واجبة، وهذا ما لا نجده في الصلاة التي لم تمارس ولو عادة في بلدنا المغرب مثل الصيام، رغم أنها فضلت على سائر العبادات خلا التوحيد. واصطفاها الله تعالى لتكون الفيصل بين الإيمان والكفر.

ب – نصوص شرعية حول مكانة الصلاة من الدين

عن عَبْد اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ »[1]، وعَنْ أَبِى سُفْيَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ »[2].

بل حتى الكيفية التي فرضت بها الصلاة لم تكن كسائر العبادات، إذ عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، فوق السماء السابعة، حيث تنتهي علوم الخلائق، وفرضت عليه بلا واسطة، لتعلم الأمة الإسلامية جمعاء، منزلة الصلاة في الإسلام، ولتُقدّر هذه العبادة حق قدرها، وتوليها العناية التي تستحقها.

ج – مكانة صلاة الصبح بين الصلوات الخمس

وخُصّت صلاة الفجر بين الصلوات الخمس بمزيد من الفضل، وحُفت بجزيل الثواب والأجر. ورغم ذلك لا تجد الأضواء في البيوت وقت أذان الصبح، بل الشوارع فارغة إلا من القليل من الناس المتوجهة إلى المسجد، وبعض المخمرين الراجعين من الخمارات أو من عند أصدقائهم، رغم أن صلاة الصبح في المسجد مع الجماعة محك الإيمان، وعلامة التسليم والإذعان. يتمايز فيها المؤمن من المنافق، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: (كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ.)[3]، وقد رتب الدين الإسلامي الحكيم على المحافظة على الصبح أجورا لم ينلها غيره. فصاحب صلاة الفجر محاط بالفضائل، ومبشّر بعظيم البشائر. فمنذ خروجه من بيته لأداء الصلاة؛ والبشائر تنهال عليه من كل جانب. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : ( بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[4]. وإذا أدى المسلم سنة الفجر فهي خير من الدنيا وما فيها. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)[5]، يعني سنة الفجر. وحين يجلس المؤمن ينتظر الصلاة، فهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، عن عَلِيّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلاهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، وَصَلاتُهُمْ عَلَيْهِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، وَصَلاتُهُمْ عَلَيْهِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللهُمَّ ارْحَمْهُ)[6]. حتى إذا ما أقيمت صلاة الصبح وشرع في أدائها، فيا للفوز والأجر، ويا لعظيم الفضل وجليل البِشر. وهاهو المؤمن يقف بين يدي الله، وتشهد له ملائكة الله، قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)[7]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ،  يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا“)[8][9]، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يَلِجَ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)[10]، يعني الفجر والعصر. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى البَردين دخل الجنة)[11]. والبردان هما الفجر والعصر. ويرجى لمن حافظ على صلاة الصبح وعلى صلاة العصر، الفوز برؤية الرحمن جل وعلا، فعن جَرِير بْن عَبْدِ اللَّهِ – رضي الله عنه – قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ)، قَالَ إِسْمَاعِيلُ يَقُولُ : (لاَ تَفُوتَنَّكُمْ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، يَعْنِى الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا”)[12] يعني العصر والفجر. قال الحافظ ابن حجر: ” قال العلماء: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند الرؤية، أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال، وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى”. ولا ينقطع الفضل بانقضاء صلاة الصبح، ولا ينتهي بانتهائها، بل لا يزال في أجر عظيم وفضل كبير، تحيطه عناية الله، وتستغفر له ملائكة الله ، فإذا ما قويت عزيمته، وغلب نفسه، وجلس حتى تشرق الشمس فقد فاز بأجر حجة وعمرة. فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ)[13].

د – عقاب تارك الصلاة

أفضت الحديث في الصلاة عموما، وفي صلاة الصبح خصوصا ، لما للمحافظ على هذه الصلاة من خير وفضل، ولما للمتخلف عن صلاة الفجر من عظيم الوزر، ولا يحرم من هذا الفضل إلا محروم، ويا ليت الأمر ينتهي عند التفريط في الفضل، والحرمان من الأجر، بل يترتب على التهاون في الصلاة مزالق عظيمة، وعواقب وخيمة. فعن عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رؤياه التي رآها فقال:  ( إنَّهُ أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ آتِيَانِ ، وإنَّهُمَا قَالا لِي : انْطَلِقْ ، وإنِّي انْطَلَقتُ مَعَهُمَا ، وإنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ ، وَإِذَا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ ، فَيَثْلَغُ رَأسَهُ ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا ، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأخُذُهُ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَما كَانَ ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأوْلَى ! ، قَالَ:  قُلْتُ لهما : سُبْحانَ اللهِ ! مَا هَذَان ؟ قَالا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) وفي آخر الحديث “قال صلى الله عليه وسلم : (قالا لي: أمَا إنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأسُهُ بالحَجَرِ ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يَأخُذُ القُرآنَ فَيَرفُضُهُ، ويَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ). وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: (يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة )[14]، ثم إن التهاون في أداء الصلاة مع الجماعة من علامات النفاق، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ 🙁 صَلَّى رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلاَةَ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فرَأَى مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ قِلَّةً، فَقَالَ : أَشَهِدَ فُلاَنٌ الصَّلاَةَ ؟ قَالُوا : لاَ ، وفي أحمد: فَسَكَتَ الْقَوْمُ، قَالُوا: نَعَمْ ، وَلَمْ يَحْضُرْ، قَالَ : فَفُلاَنٌ ؟ قَالُوا: لاَ، حَتَّى عَدَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، لِنَفَرٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَشْهَدُوا الصَّلَاةَ ، قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ مِنْ أَثْقَلِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، عَلَى الرُّكَبِ)[15]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ)[16]، وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام حتى الصبح ولم يصلّ فقال: ( ذاك رجل بال الشيطان في أذنه )[17].

ويكفينا شدة أن نعلم أن العلماء قد اختلفوا في ذات إسلام من فرط في صلاة الفجر عامدا حتى يخرج وقتها.

ه – نماذج محفزة على المحافظة على الصلوات الخمس

وحتى ننقل هذه الأحاديث النبوية المحفزة والبشرة والمنذرة من العالم النظري إلى العالم المشهود لا بأس من إيراد بعض النماذج عسى أن تكون محفزا لي ولك إن شاء الله تعالى، فعن بُرد مولى سعيد بن المسيب قال: “ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد”. وقال وكيع بن الجرّاح عن الأعمش سليمان بن مهران : “كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى مع الجماعة”، وقال محمد بن المبارك الصوري: “كان سعيد بن عبد العزيز التنوخي إذا فاتته صلاة الجماعة بكى.”، وروي عن محمد بن خفيف “أنه كان به وجع الخاصرة، فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة، فكان إذا نودي بالصلاة؛ يُحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خفّفت على نفسك؟ قال: إذا سمعتم “حيّ على الصلاة” ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة”، وسمع عامر بن عبد الله بن الزبير المؤذن وهو يجود بنفسه فقال: “خذوا بيدي، فقيل: إنك عليل، قال : أسمع داعي الله فلا أجيبه؟! فأخذوا بيده فدخل مع الإمام في المغرب فركع ركعة ثم مات”…

و – التحذير من التهافت على الدنيا والعزوف عن صلاة الصبح

إن من تأمل حال الناس اليوم، ليحزن من تهافتهم وراء الدنيا، وزهدهم في مرضاة الله وجنته. فتجد المنادي ينادي (الصلاة خير من النوم) فلا تسمع إلا الهدوء والسكون، ولا تكاد ترى أحدا في الشوارع، ولكن بعد ساعات قلائل، حين تأتي مشاغل الدنيا ويحين وقت العمل، ينقلب الهدوء إلى ضجة لا تنقطع، والسكون إلى حركة لا تنتهي، فسبحان الله ! وصدق سبحانه حين قال: ( بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى )[18].

ها قد بانت لك الأمور، وقامت عليك الحجة. وعلمت أن المحافظة على هذه الشعيرة العظيمة سبيل لرفعة الدرجات وتكفير السيئات، والتفريط فيها من أسباب التردي والانزلاق في الدركات. وهي – ولا شك – تحتاج إلى جهد ومجاهدة وصحبة صالحة. فاحذر أن تغلبك نفسك، ويقوى عليك شيطانك. فقد حُفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وتنبه قبل أن تأتي ساعة تندم فيها ولآت ساعة مندم. وتفقد أهل بيتك وأرحامك، وجيرانك وأحبابك، فقد كان قدوتك صلى الله عليه وسلم يمر بباب ابنته فاطمة  رضي الله عنها فيوقظها، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَمُرُّ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْفَجْرِ، فَيَقُولُ: ” الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، “إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”)[19]، وتذكر أن الراحة الحقة حين تضع قدميك في دار الكرامة وتنجو من دار العقاب والمهانة، وليست في إيثار نومة زائلة أو لذة عابرة.

ولا تسأل من لم يصلّ الفجر عن السعادة، لأنه لا يستوي من قام للمولى ومن عشق الوسادة. يعتقد النائم عن صلاة الفجر أنه سيأخذ القدر الكافي من الراحة، وما علم المسكين بقدر راحة تلك القلوب، التي فازت بالوقوف لدقائق بين يدي علام الغيوب.

إذا كنت تنام متى ما شئت، وتقوم متى ما شئت دون أي مراعاة للصلاة في وقتها فستبقى في دائرة الأحزان، ومادامت الصلاة ليست في دائرة اهتمامك. فقد حرمت الراحة والخير في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء)[20].

إنك لن تجد أحنّ من اللَّه عليك. فلو يعلم الساجد ما يغشاه من الرحمة بسجوده لما رفع رأسه. أهل الفجر فئة موفقة، وجوههم مسفرة، وجباههم مشرقة، وأوقاتهم مباركة، فإن كنت منهم فاحمد الله على فضله، وإن لم تكن منهم فادع الله أن يجعلك منهم .

ز – فضل وقت الفجر صلاة وذكرا

ما أجمل الفجر، فريضته تجعلك في ذمة الله، وسنته خير من الدنيا وما فيها، و قرآنه مشهود، قال تعالى: ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ).

ح – حكايتي مع مدمن وقت الفجر

أطلت الحديث معك قبل ذكر حكايتي مع مدمن، لأنها فرصة لدعوتك لهذا الخير، وعلماء الأصول يقولون: “لا ينبغي تأخير البيان عن وقت الحاجة”.

وفي طريقي وأنا راجع من صلاة الصبح  والشارع فارغ من المارة، والأزقة يخيم عليها السكون، التقيت بسكران لا يتمالك نفسه عند المشي، يبول على حائط منزل وهو فاقد الوعي، فأردت توجيهه ونصحه، وقلت في نفسي: وهل سيعي كلامي؟ فتذكرت الحوار الذي جرى بين صاحب منزل فتح نافذة غرفته بالنهار ليشم الهواء، فوجد سكرانا فاقد الوعي يبول على حائط منزله، فقال له: أما استحييت تلطخ حائط البيت بنجاستك ؟ فأجابه السكران، ولماذا أنت بنيت بيتك في هذا المكان الذي أبول فيه إن أردت ألا ألطخه ؟ فقلت في نفسي: كيف أحاور هذا السكران وقد فقد عقله والوقت غير ملائم؟ ثم عزمت وتوكلت على الله؛ لأنها فرصة لا تعوض، فقلت له بعد السلام عليه، وبابتسامة على شفتي: إنه لا يليق هذا الفعل الذي قمت به، بل ولماذا أنت في هذه الحالة وقد حُرمت من راحة الليل، ومن النوم، ومن صلاة الصبح؟ فكنت أظن أنه سيكون جوابه لا رأس له ولا قدم، مثل الذي رد به السكران على صاحب المنزل، فكان الجواب غير منتظر، إذ عرفني وردّ عليّ السلام، وقال لي: يا أستاذ، لا يمكن أن أتحدث معك في الدين وأنا على هذه الحالة النجسة، فمي غير طاهر، وثيابي كذلك، فأنظرني إلى النهار بعد أن أغتسل وأتطهر وسأحادثك. وعلمت من خلال كلامه هذا وأدبه أنه غير راض عن نفسه وعن الحالة التي هو عليها، فهو في حاجة إلى من يصحبه، ويلقي له السمع، ليفرّغ كل مشاكله ويواسيه، والكثير من هذه الأصناف يعج بها المجتمع، وتحتاج إلى من يستمع إليها ويشاركها همها وأحزانها ويواسيها، ويأخذ بيدها إلى بر الأمان وباب التوبة، ومثل هذا المخمر اعترضني في يوم من الأيام  وأنا داخل لمسجد البئر بشارع وجدة بخنيفرة لصلاة الظهر مدمن على المسكرات، فقال لي وهو يريد البكاء: ادع الله لي، فلما أردت الدعاء قال لي: أريد دعاءك في السجود ثم انصرف. وذكّرني هذا المشهد بالحوار الذي دار بين محمد الغزالي رحمه الله ومخمر، إذ قال الغزالي لرجل تعوّد شرب الخمر: ألا تتوب إلى الله؟ فنظر إليه بانكسار ودمعت عيناه وقال له: ادع الله لي. قال الغزالي رحمه الله محاورا نفسه: تأملت حال الرجل ورقّ قلبي، إن بكاءه شعور بمدى تفريطه في جنب الله وحزنه على مخالفته، ورغبته في الاصطلاح معه، إنه مؤمن يقينا ولكنه مبتلى، وهو ينشد العافية، ويستعين بالغزالي على تقريبها، فقال الغزالي ساعتها لنفسه: قد تكون حالي مثل حال هذا الرجل أو أسوأ، صحيح أنني لم أذق الخمر قط، فإن البيئة التي عشت فيها لا تعرفها، لكني ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلني أذهل عن ربي كثيرا وأنسى حقوقه، إن هذا المخمر يبكي لتقصيره، وأنا وأمثالي لا نبكي على تقصيرنا.

 الخاتمة

قد نكون بأنفسنا مخدوعين، حين اختارك الله لطريق هدايته ليس لأنك مميز أو لطاعة منك، بل هي رحمة منه شملتك، قد ينزعها منك في أي لحظة، لذلك لا تغتر بعملك ولا بعبادتك، ولا تنظر باستصغار لمن ضل عن سبيل الله، فلولا رحمة الله بك لكنت مكانه، فإياك أن تظن أن الثبات على الاستقامة أحد إنجازاتك الشخصية.

 أسأل الله العلي الأعلى الوهاب لهذا الرجل الذي لم ألتق به بعد ذلك الصباح، أن يفرج عنه وعن أمثاله الكربات، وأن يرزقهم رفقة التائبين المنيبين الذين يعينونهم إذا ذكروا الله ، ويذكّرونهم إذا غفلوا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1][أخرجه الترمذي (5/13 ، رقم 2621) ، وقال : حسن صحيح غريب . قال المناوي (4/395) : قال العراقي في أماليه : حديث صحيح ..].

[2][مسلم في صحيحه ج1/ص88 ح82].

[3][ رواه الطبراني في معجمه الكبير ج12/ص271 ح13085].

[4][ أخرجه ابن ماجه (1/256 ، رقم 780) ، وابن خزيمة (2/377 ، رقم 1499)، والطبرانى (6/147، رقم 5800)، والحاكم (1/331 ، رقم 768)، وقال: صحيح على شرط الشيخين . والبيهقي في شعب الإيمان (3/71، رقم 2901)، وصححه الألباني]. 

[5][رواه مسلم].

[6][ أخرجه أحمد (1/144 ، رقم 1218) ، والبيهقي في شعب الإيمان (3/86 ، رقم 2961)].

[7][سورة الإسراء، آية 78 ].

[8][سورة الإسراء، آية 78].

[9][متفق عليه].

[10][ صحيح مسلم (2/ 114) ح 1468].

[11][ رواه البخاري في صحيحه ج1/ص210 ح548].

[12][ أخرجه أحمد (4/360، رقم 19213)، والبخارى (1/203 ، رقم 529)، ومسلم (1/439 ، رقم 633)، وأبو داود (4/233 ، رقم 4729) ، والترمذي (4/687 ، رقم 2551) ، وابن ماجه (1/63 ، رقم 177) ، وابن حبان(16/473 ، رقم 7442) .].

[13][ أخرجه الترمذي (2/481 ، رقم 586) وقال : حسن غريب .وصححه الألباني].

[14][الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، أبو عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي (المتوفى : 488هـ)، دار ابن حزم – لبنان، بيروت – 1423هـ – 2002م، الطبعة الثانية، تحقيق : د. علي حسين البواب،(1/ 232)،  الطبراني في معجمه الكبير ج7/ص239 ح6984]

 [15][ مسند الصحابة في الكتب التسعة( 14/43)].

 [16][صحيح البخاري:ح 626.].

[17][ لجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (1/ 124)]. ا

[18][سورة الأعلى، الآيتان 16-17.].

[19][سورة الأحزاب، الآية 33]، والحديث أخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ج2/ص762 ح1341، كنز العمال 37635، أخرجه ابن أبى شيبة (6/388 ، رقم 32272)، إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد: وهو ابن جُدْعان].

[20][سورة إبراهيم، الآية 40].

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الحل التنقيص من قيمة الصيام فنصبح لا صلاة ولا صيام، اتركو الناس تعظم شعيرة الصيام، اللهم العمش ولا العمى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: