المختار السوسي رائدا أمازيغيا

إن المتتبع لتاريخ المغرب ماضيه وحاضره ومستقبله، لابد أن يقف عند العلامة المختار السوسي أحد رواد فكر النهضة في منتصف القرن العشرين بالمغرب. فقد تنوعت إسهاماته بين فنون الأدب والشعر، وعلوم اللغة والفقه، والتصوف والتاريخ، وكان نشيطا في الدعوة إلى مقاومة المحتل. وقد جسّد نموذجا للجمع بين هوية أمازيغية -اهتم بإبراز مكوناتها وعناصرها الحضارية- وبين انتماء عربي أصيل.

ولد محمد المختار السوسي عام 1900 في قرية “إلغ” بمنطقة سوس الأقصى جنوب المغرب، سخر الرجل حياته للعلم والتعليم لما لهما من أثر في نهضة الشعوب والأمم وتصدى لمنصب التعليم مبكرا، خصوصا اثناء استقراره بمراكش بعد فترة التزود العلمي، فقد حول زاوية والده إلى مؤسسة تعليمية، سرعان ما طارت شهرتها وتقاطر عليها طلبة العلم من عدة مناطق.

خرجت مدرسته علماء وأدباء وأسهمت في تكوين أعداد غفيرة من رجال المقاومة، ونظرا لتعاظم الدور القيادي للمختار السوسي بالمنطقة، قام المستعمر الفرنسي بنفيه لمدة 8 سنوات، انكب خلالها على تأليف الكتب وتحقيق المخطوطات وتدوين التراث العلمي لمنطقة سوس ونظم الشعر.

والحق بدون شطط، أن أول أمازيغي نبه إلى أهمية التراث الأمازيغي بجميع عناصره، هو صاحب “المعسول” الذي يستحق أن يسمى النبوغ الأمازيغي في الأدب العربي أو الفكر الإسلامي أو الإنساني ليكون قرينا متحديا ل “النبوغ المغربي في الأدب العربي” الذي ألفه الأستاذ العلامة عبد الله كنون.

إن اهتمام المختار السوسي بالأدب الأمازيغي، كان الغرض منه التعريف بشخصيات سوس وتاريخها العلمي والأدبي.

إذا كان الغرض من تأليف كتاب “النبوغ المغربي في الأدب العربي”، هو التعريف بأدباء المغرب ومؤرخيه ومفكريه، فإن الغرض نفسه هو دفع المختار السوسي لتأليف كتاب وهو التعريف بعلماء سوس وتراثهم الثقافي وإسهام هذا التراث في الأدب العربي والفكر الإسلامي.

إذا كان الحافز الذي حرك صاحب “النبوغ المغربي” هو الرغبة في رفع الغبن اللاحق بأدباء مغربنا المنسِيين المجهولين، أو المتجاهَلين من مؤرخي الأدب في المشرق العربي، فإن صاحب “المعسول” حركته رغبة رفع الغمط اللاحق بأدباء سوس وآثارهم العلمية الأدبية المنسية.

والحق أن المشروع الثقافي الأمازيغي للمختار السوسي، كان مبعث الفخر لكل الأمازيغين، حيث خطى خطوات التعريف بالمنطقة وأهلها عن طريق مؤلفات ومخطوطات نفيسة، كما هو الشأن بالنسبة لمشروع الأستاذ عبد الله كنون، الذي يعتبر هو الآخر مبعث فخر لجميع المغاربة ومحل إعجاب من المشارقة أيضا.

إذا كان الأستاذ عبد الله كنون قد استدرك على مؤرخي الأدب العربي ما أهملوه، أو فاتهم من الأدب والأدباء بالمغرب، فإن أستاذنا المختار السوسي قد استدرك بمعسوله ما فات هؤلاء المؤرخين، من نبوغ المغاربة الأمازيغيين في الأدب العربي ومؤرخي الحضارة الإسلامية بوجه عام. كما تجدر الإشارة إلى أن صاحب “المعسول” استدرك الكثير على صاحب “النبوغ المغربي”، الذي لم يخف إعجابه به واندهاشه من أن يكتب المختار السوسي 20 جزء عن تاريخ سوس وعادات أهلها وأخلاقهم.

وهكذا نكاد نجزم أنه لا يمكن أن يستوفي مؤرخو الأدب والحضارة الإسلامية الكلام عن مادتهم، إلا إذا أضافوا إلى ما كتبوه سابقا ما استدركه الأستاذ عبد الله كنون في “نبوغه” والأستاذ المختار السوسي في “معسوله”.

والحقيقة أن المطلع على صفحات موسوعة “المعسول” يجد فيها الكثير مما يشبع نهمته العلمية المتشوقة إلى الاطلاع على المجهول من النبوغ الأمازيغي والاستزادة من منه، كما يجد فيها الكثير من الأخبار التاريخية والحديث هن الشخصيات العلمية والسياسة، وكثيرا من المعلومات المختلفة حول العادات والأعراف مبثوثة بين صفحاته.

وثمة نشاط أمازيغي آخر للأستاذ المختار السوسي، لا يجب إهماله في هذا المقام وإن كان غير مشهور لأننا نجد فيه الدليل الأقوى والأقدم، على هذا الاهتمام الرائد منه بالثقافة الأمازيغية، ونعني بهذا إنتاجه المكتوب باللغة الأمازيغية نفسها مثل “الألفاظ العربية في الشلحة” و “أمثال الشلحيين وحكمهم نظما ونثرا”.

إلى جانب هذا ترجم الأستاذ المختار السوسي عدة متون دينية مثل “الأربعون حديثا النووية” و “الأنوار القدسية “، إسهاما منه في نشاط مألوف بسوس حيث يقوم كثير من العلماء، ومنهم بعض أفراد أسرته بترجمة بعض النصوص الدينية والمتون الفقهية، مثل “الحكم العطائية” التي ترجمها والده و”رياض الصالحين” المترجم من أحد إخوانه.

ولا ننسى ضمن هذا الإنتاج الأمازيغي أحاديثه الوعظية الفقهية التي كان يلقيها من القسم الأمازيغي بالإذاعة الوطنية في السنوات الأولى ل “الاستقلال” إذ لم يسبق لشخصية علمية سياسية في مستواه، أن وظفت اللسان الامازيغي إذاعيا على هذا النحو لتفقيمه الأمازيغيين بلسانهم.

ختاما يبدو لنا أن المشروع التاريخي للأستاذ المختار السوسي، الأمازيغي الأصل قلبا وقالبا، زادا لمن يريد سلوك طريق النهضة والتقدم، فيصبح التاريخ مادة لثورة فكرية في المستقبل، وليست مجرد أحداث، إنه منطلق لتغيير الواقع.

الهوامش:

أحاديث عن الأدب المغربي، عبد الله كنون، دار الرائدة للطباعة، مصر 1964

المختار السوسي والأمازيغية، محمد خليل، مجلة الفرقان، العدد 38 ص34

           

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: