منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نــعـم المال الصالح للعبد الصالح

0
اشترك في النشرة البريدية

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابهأجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

       إن المال الصالح في يد الشخص الصالح؛ الذي يكسبه من حله وينفقه في حقه، لهو نعمة عظيمة، يجبعليه أن يشكر الله عليها، وشكرها يكون؛ بالحفاظ عليها، وصرفها فيما أمر الله به، جاءفي الحديث، عن عمروبن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (نعم المال الصالحللرجل الصالح)[1].

1- وقفة مع الحديث الشريف:

       الرجل الصالح–والمرأة الصالحة- من يأخذ ماله من طريق حلال ويصرفه في وجوه الخير، ويكون عونا لهعلى دينه، قال مكحول: “بَعْضُ الْمَعِيشَةِ عَوْنٌ عَلَى الدِّينِ”. فنعم المال ونعم المرء. والحديث يحمل دلالة التقرب إلى الله تعالى بما وهب من مال ونِعم.

المزيد من المشاركات
1 من 64

     ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضيالله عليهم أسوة حسنة في بذل المال في وجوه الخير والبر، قال ابن عباس رضي الله عنهما:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل عليه السلام)[2]. فلرسولالله صلى الله عليه وسلم أجود حينئذ من الريح المرسلة.

      وكان أبو بكر رضي الله عنه مثالا في البذل والعطاء في طاعة الله تعالى إذ صرف ثروته كلها في سبيل الله عز وجل رغبة في الآخرة ونصرة للدين ولرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعانة ضعفاء المسلمين حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر“.

       وقَالَ سيدنا عمر رضي الله عنه: (أَيُّهَا النَّاسُ أَصْلِحُوا مَعَايشَكُمْ فَإِنَّ فِيهَا صَلَاحًا لَكُمْ وَصِلَةً لِغَيْرِكُمْ)[3]. وقال سعيد بن المسيب: (لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ عَنِ النَّاسِ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَيُعْطِي مِنْهُ حَقَّهُ)[4].

2- الترغيب في العمل والكسب الحلال:

       جعل الشرع الحكيم المال من الضروريات الخمس التي لابد منها لصلاح معاش الإنسان ومعاده،ومما يدل على أهمية المال قوله تعالى: “ولَا تُؤْتُواالسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا”[5]. أي؛ تقوم بها حياتكم ومعاشكم. وقال الله تعالى: “كُتِبَعَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ”[6]. قال بعض المفسرين:”الخير هو المال الكثير”، فسمى الله تعالى المال الوفير خيرا.

       ورغّب الإسلام في العمل والكسب الحلال، والاتجار في المال؛ مع الصدق والنصـح وحب الخير لكل الناس، ومن ذلك:

     سئل النبي صلى الله عليه وسلم: “أي الكسب أفضل؟”، قال: “عمل الرجل بيده، وكلبيع مبرور[7].  وعن أبي هريرَة، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«خَيْرُ الْكَسْبِ كَسْبُ يَدِ الْعَامِلِ إِذَا نَصَحَ». وروي عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: “التاجر الصدوق الأمين، مع النبيين والصديقين والشهداء[8].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

       ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم لأنس، وكان في آخر دعائه: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه[9]. وقاللسعد: “إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة[10].

    وسأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: “أيخرج أحدنا إلى مكة متوكلاً لا يحمل معه شيئًا؟!”، قال: “لا يعجبني، فمن أين يأكل؟!”، قال: “يتوكل فيعطيه الناس”، قال: “فإذا لم يعطوه، أليس يتشرف حتى يعطوه؟! لا يعجبني هذا، لم يبلغني أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين فعل هذا، ولكن يعمل ويطلب ويتحرى”. أي يتحرى الحلال.

3- الوسطية في استعمال المال:

     وفي المقابل؛ لما فُـقِـدَ المال الصالح من يد الرجل الصالح، أبـْـتُـلِيَـت الأمة -إلامن رحم الله- بفريقين منحرفين:

الفريق الأول: وهم الأثرياء المترفين، الذين ضعف عند بعضهم الخلق والدين، واستخفوا بقواعدالإيمان ومبادئ الإسلام، يأكلون كما تأكل الأنعام، دون أن يؤدوا واجبًا لدينهم أو مجتمعهم، يتعاملون في الشرف على أصول من المعدة، لا من الروح، فهؤلاء عظموا الدينار والدرهم والدولار، ويحبون المال حبًّا جمًّا، حتى يعميهم عن دينهم وأخلاقهم وخلواتهم القلبية وخلواتهم الروحية، ليسوا على سواء الطريق.

والطائفة الثاني: وهم القعدة الذين استمرؤوا الكسل والبطالة والتشرد، دون مال يملكونه، أو عمل يعملونه، لا ينفعون أنفسهم ولا ينتفع بهم المجتمع، فهؤلاء يكسلون ولا يربحون ثم يتسولون أو يحتالون باسم التكسب أو العيش. ليسواعلى سواء الطريق أيضًا.

       وخير الأمور الوسط، والوسط ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم المال الصالح للرجل الصالح“.

      كما نرى أن بعض الناس يسب المال، أو يسب الفلوس والنقود، وهذا خطأ، ولكن الأصل أن من تملك شيئايجب أن يشكر الله تعالى ويؤدي حقه.

     وبعض الناس لا يتمتع بماله، ولا تُـرى عليه أثر نعم الله، وهذا كرهه النبي صلى الله عليهوسلم، فعن مالك بن نَضْلَة رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِصلى الله عليه وسلم، فَرَآنِي رَثَّ الثِّيَابِ[11]، فَقَالَ:”أَلَكَ مَالٌ؟!” قُلْتُ: “نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ! مِنْ كُلِّالْمَالِ؛ قَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ”،قَالَ: “إِذَا آتَاكَ اللهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ“، “فَإِنَّ اللهَ عز وجل يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلَا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ[12].

خــاتـمــة:   

         لقد نظر الإسلام إلى المكلف نظَــرَ اعتبار، حيث دعاه إلى العمل المباح بكل أنواعه، إمامأجورًا، أو حرًّا مستقلاً، أو مشاركًا في المال إن استطاع، فإذا صاحَـب ذلك كلَّه، صِدقٌ وأمانة، وإخلاص وتوكل، كان له الربح والفوز والبركة والنماء بإذن الله.

        قال ابن الجوزي بعد أن سرد مجموعة من الآيات والأحاديث في فضل المال وشرفه: (هذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة وأن حبسهينافي التوكل، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته. وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلالنظر في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلتهوادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالحأثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات)[13].

      فاسأل نفسك أخي المسلم قبل أن تسأل وحاسب نفسك قبل أن تحاسب. اسأل نفسك قبل أن تأخذ المال وقبلأن تنفقه من أين تكتسبه وفيم تنفقه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن علمه ماذا عمل به وعنماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسده فيم أبلاه)[14].

والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه الإمام أحمد. وفي رواية عنده وعند ابن أبي الدنيا، وأبي داود، “نعم المال الصالح للمرء الصالح”.

[2] – رواه الإمام البخاري.

[3] – إصلاح المال، لابن أبي الدنيا، الصفحة: 37.

[4] – إصلاح المال، لابن أبي الدنيا، الصفحة: 27.

[5] – النساء: 5.

[6] – البقرة: 180.

[7] – رواه الإمام الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع.

[8] – رواه الإمام الترمذي وابن ماجه بسند حسن.

[9] – رواه الإمام مسلم.

[10] – رواه الإمام البخاري.

[11] – أي؛ يلبس ثيابا قديمة.

[12] – رواه الإمام الطبراني (حديث رقم: 5308).

[13] – تلبيس إبليس لابن الجوزي، الصفحة: 178-179.

[14] – رواه الإمام الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث رقم: 2417.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.