اللائكيون وتطبيق الشريعة الإسلامية

تقديم

تقدم اللائكية نفسها في قوالب معرفية عصية على الفهم والتتبع، فالدارس للفكر اللائكي يفاجأ ويصدم بكثرة التفريعات التي عرفها هذا الفكر، والتقسيمات التي جزأته إلى مدارس وتوجهات قائمة بذاتها تحت المظلة الكبرى اللائكية، فهذه لائكية صلبة[1] وتلك لينة، وهذا يسار لائكي، وذاك تيار ديني لائكي[2]، وهؤلاء لائكيون معتدلون، وأولئك لائكيون ملحدون[3].

في هذا المقال، لن نحصر أنفسنا في هذه التقسيمات الضيقة، بل سننظر إلى اللائكية نظرة شمولية من أعلى، تجعلنا نرصدها ونحاكمها كنسق، كرؤية للكون والحياة والأخلاق والمعرفة، تماما كما هي ماثلة في المجتمع الأوربي الذي نشأت فيه، وكما تعكسها كتابات المثقفين العرب المحسوبين على هذا التيار.

هم هذه المقالة إذا، يتوجه إلى تقديم تقسيم نظنه شاملا للمدارس اللائكية، والتوجهات التي تصدر عنها، وموقف كل توجه من قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، سنختبر في عرض موجز، غير مخل ولا ممل، مصداقية كل موقف، ونحاكمه على ضوء الفكر والواقع لنكشف خلله، ونعري عن مكامن التهافت فيه، لنخلص في الأخير إلى بسط الموقف الواجب علينا اتخاذه تجاه هذا التيار، إحقاقا للحق وتحصينا للذات كي تكون خطوات البناء واضحة، لا غبش فيه ولا التباس.

اللائكية بين الماهية والمقصد:

  • في القاموس الغربي:

تعرف دائرة المعارف البريطانية[4] “اللائكية” بأنها: “حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالدنيا وحدها، ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت هذه الحركة المسماة (العلمانية) أي اللادينية، تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة”[5].

أما قاموس “العالم الجديد” فيعرف اللائكية بـ”الروح الدنيوية” أو “الاتجاهات الدنيوية، وكل تطيبق يسلك طريقا غير الإيمان والعبادة”[6] أما “المعجم الدولي الثالث الجديد” فيعرفها باعتبارها اتجاها: “يُحَيِّدُ الدين عن أي تأثير في الواقع السياسي أو القيمي إذ إن بناء القيم مثلا يجب أن يكون على أساس المصلحة والتضامن الجماعي، لا على أساس الدين”[7].

ويورد قاموس “أكسفورد” تعريفات متعددة للائكية نختار منها التعريفات الست التالية:

أولا: “اللائكية” هي “الانتماء إلى العالم المحسوس، تمييزا له عن العالم الأزلي والروحي”.

ثانيا: لائكي: “غير معني بخدمة الدين”.

ثالثا: لائكي: “غير مقدس”.

رابعا: لائكي: “ينتمي للحياة الدنيا وأمورها: غير ديني وغير كهنوتي”.

خامسا: تعليم لائكي: كل تعليم “موضوعاته تستبعد الدين كموضوع للدراسة”.

سادسا: مباني لائكية: “غير مكرسة للأغراض الدينية”.

وتصيير الشيء لائكيا[8] -حسب نفس القاموس- تعني: “تحويل الكنائس إلى ملكية لائكية، وجعلها تخدم الزمن والواقع، بدل الدين، إضافة إلى صبغ الفنون والعلوم بصبغة غير مقدسة ومحاولة التنظير للأخلاق والقيم، بعيدا عن كل ما هو غير علمي” والشخص اللائكي[9] هو: “المؤمن بكل ما سبق”[10].

أما القواميس الفرنسية، فنجدها مثقلة بنفس الحمولات الدلالية التي تعرفنا عليها آنفا، بل إن الأصل الأول مفهوم “اللائكية” هو المصطلح الفرنسي: “لاييسيتي”[11] كما يذهب إلى ذلك كثير من الباحثين الذين ترجموا حرفيا هذا المصطلح الفرنسي إلى العربية بـ: “اللائكية”، وهذا المفهوم هو الذي اخترناه في هذه المقالة كأداة للتحليل والفهم.

نخلص من هذا السرد السريع، إلى أن اللائكية عند الغرب –الذين استنطقنا قواميسهم ومعاجمهم المعتبرة – هي اتجاه لا ديني يرفض كل ماله صلة بالدين، ويقبل عكس ذلك، كل ما كانت له بالدين صلة تضاد وتنافر.

  1. في القاموس العربي:

“اللائكية” مفهوم دخيل على اللغة العربية، لا تجد له ولا للمفاهيم الدائرة في فلكه ريحا في أمهات القواميس العربية ك “لسان العرب” أو “القاموس المحيط”، لكن المعاجم الحديثة تتحدث عنه تحت مسمى: “العلمانية” فـ”العلمانية هو المنسوب إلى العلم بمعنى العالم، وهو خلاف الديني والكهنوتي”[12] و”العلمانية” يفتح العين، مصدر صناعي منسوب إلى “العلم” (مصدر علم): “زيدت فيه الألف والنون على غير قياس في اللغة العربية، والأصل أن يقتصر في ذلك على السماع، ثم شاع هذا الاستعمال عند المتأخرين، كقولهم: جسماني، روحاني، ونوراني”[13].

لكن المثقفين لم يتواطؤوا على مفهوم قار يترجمون به هذا المصطلح الجديد، فانهالت الترجمات وتعددت، ووصلت أحيانا إلى حد التناقض، وسنكتفي من جهتنا بعرض تعريفات أربعة هي الأبرز والأشهر عند أهل الضاد:

أولا العلمانية: بكسر العين، نسبة إلى العلم، وتعني أيضا “العلمية”، وهي اتجاه يتركز على البحث العلمي منهاجا وعملا، بهدف الوصول إلى علل الأشياء والتعرف على القوانين المتحكمة فيها، فهو مرادف للمصطلح الإنجليزي scientism أي المذهب العلمي، والنسبة إليه scientifique/scientific لقد وجبت الإشارة إلى ذلك، حتى ننبه إلى ضرورة الحذر من كل الدعاوي التي تربط بين العلمانية والعلم، إيهاما أن هذا الأخير نتيجة للأول، أو هما على الأقل شيء واحد، وهذا القول لا يقوم له عندنا دليل من التاريخ أو الواقع المعاصر على السواء.

ثانيا “العلمانية”: بفتح العين، نسبة إلى العالم[14] وهي “معنية بدور الإنسان في العالم، وبتأكيد استقلالية العقل الإنساني في سيرورة توظيف الإنسان للعقل في أي من المجالات التي يوظفه فيها، والأهم من كل هذا، أنها معنية بجعل دور الإنسان في العالم مشتملا على اكتشافه، باستقلال عن الدين”[15].

ثالثا: “اللادينية”: يرى الدكتور محمد قطب رحمه الله وهو الخبير بشؤون الفكر وقضاياه أن “اللادينية” “هي أقرب ترجمة تؤدي المقصود من الكلمة – أي اللائكية – عند أصحابها”[16]، والمراد بـ”اللادينية” حسب الشيخ أبي الأعلى المودودي ـ رحمه الله ـ هي أن “العلاقة للدين بشؤون الإنسان السياسية والاجتماعية، وأن الأمر في شؤون الدنيا ومعاملاتها لا يرجع إلا إلى الناس أنفسهم”[17].

إن “اللادينية”، مفهوم واضح وعقلي، يصف الظاهرة باسمها دون لف أو دوران، ولو أن “اللائكية”: “ترجمت ابتداء بهذه الصورة لقاد ذلك إلى رفضها من قبل غالبية المسلمين”[18].

رابعا: “الدنيوية”، مفهوم آخر لا يقل أصالة عن سابقه، وهو يعني إجمالا: إقبال اللائكية على الدنيا بدل الآخرة، وقد استعمل هذا المفهوم الأستاذ عباس محمود العقاد ـ رحمه الله ـ في البداية، وطوره المفكر الإسلامي: “عادل حسين” ـ رحمه الله ـ الذي كتب ذات يوم على صفحات جريدة الشعب موضحا[19] “أن الدنيوية ليست: “شتيمة” بطبيعة الحال، ولكنها تحديد لمنهج في الحياة الاجتماعية، يعتز به أصحابه ولا ينكرونه، والدنيوية لا تعني بالضرورة إنكارا صريحا للدين وكفرا بالله لكنها تعني، أن هذا الجانب الغيبي، وكل ما ينشأ عنه مسألة شخصية لا تدخل في تحديد العلاقة بين الناس، ولا ينبغي أن نقحمها عند مناقشة قضايا المجتمع والحكم والتنمية … إن الفرد قد يرى أن الحياة في الدنيا معبر للآخرة، أما المجتمع فلا ينبغي أن يقيم نظمه على أساس هذا الاعتقاد، بل يجب أن يحصر همه في أمور الدنيا، ومن هنا تكون صفة: “الدنيوية”[20].

  1. محاولة ترجيح:

إن المفاهيم الأربعة المعروضة أعلاه حاولت مقاربة الظاهرة اللائكية من زوايا مختلفة، لكنها لم تفلح في تقديم توصيف دقيق لها، فالمفهوم الأول بدا متهافتا لأنه لا يقوم على أساس علمي صحيح، أما المفهوم الثاني فعلى الرغم من وضوحه، إلا أنه غير مسنود باشتقاق اصطلاحي قوي، في حين يقترب كل من المفهومين الثالث والرابع من التحديد الدقيق والمطلوب للظاهرة، هذ التحديد نجده متحققا بحجة أقوى، وتوجيه أصوب، وتعبير أبلغ في مفهوم “اللائكية” الذي رجحنا اختياره على غيره من المفاهيم سابقا:

فمن جهة أولى، يحافظ هذا المفهوم على كل المعاني التي لمسناها في “اللادينية” و”الدنيوية” ويتجاوزهما إلى أبعد من ذلك إذ أنه يبقي الظاهرة اللائكية لصيقة بواقعها الغربي، وبالتالي فإن مجرد التلفظ به، يحدث رجة في اللسان، ويوقع الناطق به ـ مع بعض الغفلة ـ في لُكْنَةٍ نشاز عن اللسان العربي القويم.

إضافة إلى ذلك، فإن مفهوم “اللائكية” يحدث أثرا نفسيا عند الدارس والقارئ والمخاطب على السواء، مقتضى هذا الأثر النفسي أننا أمام ظاهرة غريبة عن واقعنا أو طارئة عليه على الأقل، وهذا سيستدعي لزوما استحضار هوية وخصوصية الذات، وهي تتعامل مع فكر الآخر، خاصة إذا كانت العلاقة مع هذا الآخر، علاقة هزيمة وخضوع، أو علاقة مغلوب بغالب، وهي الحالة هنا بالنسبة للأمة الإسلامية في علاقتها مع الغرب.

من جهة ثانية يبقى مفهوم “اللائكية” محافظا على بريقه التاريخي، وتجذُّره في الثقافة الغربية، من هنا فاستعمالنا له تنصيص منا على ضرورة استحضار الشروط الموضوعية التي أفرزته، إذ الثابت تاريخيا أن نشأ في أوج المد اللائكي الذي عرفته فرنسا إبان ثورتها التي اتخذت من اللائكية ـ لأول مرة ـ عقيدة رسمية للبلاد.

وقفة لا بد منها:

انسجاما مع الطرح الذي أشرنا إليه في مقدمة هذا المقال، القاضي بالتعامل مع اللائكية في نظرة شمولية غير مجزئة، ننبه إلى أن التغبير السائد، والذي يفسر اللائكية بـ “فصل الدين عن الدولة” يعتبر في نظرنا متجاوزا، لأن هذا التعريف له مقدرة تفسيرية جد ضعيفة، فهو يعرف اللائكية بالجانب الأكثر ظهورا فيها وهو علمنة المجال السياسي، في حين يغفل حقيقة التأثير الذي تحدثه اللائكية في المجالات الأكثر ارتباطا بالناس وواقعهم المعيش (المجال الاجتماعي، النفسي، العلاقات البينية…)

ونذهب، تأسيسا على ذلك، مع الدكتور عبد الوهاب المسيري، إلى الإيمان بأن “هناك حركة كونية شاملة وكاسحة، تغطي كل جوانب الحياة وتصل إلى كل أطراف العالم”[21] لهذا السبب ذاته، قال الأستاذ راشد الغنوشي: “إن (اللائكية) في شمال إفريقيا ليست عملية تحرير أو تنمية، أو تعاون، ولكنها خطة عامة للتدمير”[22] تلبس لبوس التقدم حينا، وتتزيا بزي المدنية حينا آخر، لذلك فإن “بعض المظاهر التي يقال لها دينية أبعد ما تكون عن الدين، وإن بعض الظواهر البريئة (مثل إعلانات التلفزيون) هي آليات اللائكية بل وإن بعض الظواهر اللائكية (مثل الأدب الحداثي) هي في واقع الأمر، تعبير عن تزايد معدلات العلمنة في المجتمع”[23] الذي أفرزته اللائكية التي تعتبر بحق عقيدة نظام الهيمنة العالمي الجديد، والإطار النظري لفلسفة “نهاية التاريخ” و”صدام الحضارات”.

اللائكيون وتطبيق الشريعة

تأسيسا على ما سبق، فإن الأقسام الثمانية[24] التي سأوردها أسفله ليست سوى إجراء منهجي فرضته ضرورات البحث العلمي، لفهم هاته التخريجات الفكرية، والتعلات[25] النظرية، التي توضح عند تجميعها حقيقة موقف دعاة اللائكية من تطبيق الشريعة الإسلامية، والمبررات التي يسوقها كل صنف للانتصار لمطالبه ودعاويه:

الصنف الأول: المتحججون.

يرفض هذا الصنف تطبيق الشريعة الإسلامية ويقدم حججه في سياقات ثلاثة نوردها كالتالي:

السياق الأول: غياب النموذج الإسلامي تاريخيا: يزعم أنصار هذا الطرح، أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ صراعات على السلطة، وحروب طاحنة على الثروة والمكاسب الدنيوية، بل إن الذين حكموا الأمة باسم الإسلام، لم يعرف عنهم إلا الانغماس في الشهوات والملذات.

نتساءل من جهتنا: كيف كانت للدولة الأموية مثلا ـ وقد نالت النصيب الأكبر من النقد والتجريح ـ القوة والقدرة على نشر الإسلام وإيصاله إلا آسيا وإفريقيا وأوربا، من الصين شرقا إلى الأندلس غربا، وحكامها[26] على هاته الحالة من السكر والعربدة التي يصورها اللائكيون؟ وكيف لم تطبق الشريعة ـ ولو جزئيا ـ طوال الأربعة عشر قرنا الماضية؟ وكيف حفظت من التحريف؟ وكيف وصلت إلينا على الشاكلة التي بين أيدينا؟

هذه التساؤلات المشروعة، لن تمنعنا من إعادة النظر في تاريخنا للتوقف عند لحظات الانكسار العاتية التي كانت “رجة عظيمة مزقت كيان الأمة المعنوي، فبقي المسلمون يعانون من النزيف في الفكر والعواطف منذئذ، ويؤدون إتاوات باهظة لما ضعف من وحدتهم وتمزق من شملهم وتجزأ من علومهم وأقطارهم”[27] لذلك، لن يحملنا تحامل اللائكيين، لننكر ما هو معلوم من التاريخ الإسلامي بالضرورة، فنحن نعترف بشجاعة وموضوعية أن تطبيق الشريعة الإسلامية لم يسر على خط مستقيم، وقد تمت للانحراف الغلبة والسيطرة لكن: “لم يتم له النصر النهائي، فالإشعاع الإسلامي ظل متقدا في النفوس والأعماق، وبفضل المقاومة الباسلة التي قادها ورثة الخلافة الراشدة، واحتفظ الإسلام بمبادئه، على الرغم من فقدانهم للحكم إلا أنهم احتفظوا بالمعارضة التي شكلت تحت وهج السيوف حماية مستمرة لمبادئ الإسلام”[28].

وقد دلت التجربة أنه، متى تحققت شروط الأوبة إلى الله تعالى في الأفراد والجماعات، ومتى توفرت القيادة الربانية الكفيلة بتجميع الصف ولم الشعث ومتى تم اكتشاف المنهاج السليم للسير نحو التغيير المطلوب فإن الانتقال إلى الحكم الإسلامي سيتحقق بصورة سريعة يخشاها اللائكيون، ولنا في خلافة سيدنا عمر بن عبد العزيز شاهدا حيا على صدق ما نقوله، فقد استطاع ـ رحمه الله ـ في ظرف سنتين ونصف هي كل المدة التي قضاها في الحكم أن يقضي على كل أشكال الفقر في ربوع خلافته الممتدة من شبه الجزيرة العربية إلى تخوم أوربا.

السياق الثاني: غياب الوحدة الإسلامية وسيادة المذاهب والجماعات يلخص “حسن قبيسي”[29] هذا الادعاء فيقول: “لقد برهن الإسلام على عجزه عن جمع أمم تدين به، وهو بهذا يعيد البرهان الجديد على عجز مزمن عن بلورة أي نظام فكري أو أخلاقي قمين بإيقاف أمته على قدمين ثابتتين”.

إن تعدد المذاهب والجماعات لن يخيفنا في شيء ما دام يعبر عن ثراء الفكر الإسلامي ومرونته التي تؤهله للتكيف حسب الظروف المتغيرة وتجعل منه مظهرا من مظاهر اليسر في الإسلام، ورفع الحرج عن العباد في التكاليف والطاعات، ونحن نذهب بهذا الصدد مع الدكتور رمضان البوطي إلى القول بأن: “الخلافات الفقهية التي تشكل العمود الفقري في تلك المذاهب، كانت خلافات تعاونية مبررة، لا خصومات أو شقاقات فكرية مجرمة. ومعنى هذا أن نسيج الوحدة الإسلامية إنما تلاقت سداه ولحمته من هذه الخلافات التعاونية، إذ لولا الساحة التشريعية العريضة التي تكونت من مجموع الاجتهادات الفقهية المتعددة، كما أتيح للمساحات الإسلامية الشاسعة والمتنوعة أن تتلاقى وتتلاحم تحت مظلة شرعة واحدة، ومن ثم أتيح لها أن تخضع، على اتساعها لنظام دولة واحدة”[30].

أما اختلاف الجماعات الإسلامية فإنه اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد[31] كما قرر ذلك الدكتور يوسف القرضاوي ـ حفظه الله ـ وكل الجماعات الإسلامية تتبنى استراتيجيا وحدة التصور والحركة، وهي منهمكة في إعداد الشروط الموضوعية، وتهيئة الأرضية الصلبة التي يجب أن تتأسس عليها هذه الوحدة المرجوة بإذن الله.

السياق الثالث: التحجج لرفض تطبيق الشريعة الإسلامية ببعض النماذج. رواد هذا الاتجاه يشحذون ألسنتهم ظانين أنهم هاته المرة أصابوا الإسلام في المقتل، يقولون: إلى أي إسلام تدعوننا؟ أ إلى إسلام النميري بالسودان؟ أم شريعة ضياء الحق بباكستان؟ أم شريعة البترودولار بالخليج؟ أم حكم القبائل باليمن؟ أم شريعة الطالبان بأفغانستان الجريحة؟

نسارع إلى القول، أن قوة الإسلام تستمد من بنيته الداخلية، من قوته الذاتية المستمدة من نور الوحي وصدق النبوة، والإسلام غني عن أن نتعرف عليه من خلال معتنقيه[32] لأن “الحق يعرف بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال” إن أكبر دليل على صدق الشريعة وصلاحيتها هو الإسلام نفسه المتمثل في شرع الله الحاكم لتصرفات الأفراد والحكام والأنظمة لا العكس، في ضوء ذلك علينا أن ننصت بإمعان إلى التوجيه القرآني لنكتشف مدلولاته ومقاصده، قال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)[33].

الصنف الثاني: المبرمجون:

يبني أصحاب هذا الاتجاه رأيهم على دعوى مفادها أن المنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية لا يمتلكون القدرة على صياغة برامج سياسية واضحة، في حين أن اللائكيين أقدر على ذلك بشهادة تجربتهم وطول تمرسهم في ميادين السياسة والحكم. إننا نؤمن بأن تجاوز “مجتمع الدولة” وإقامة “دولة المجتمع” لن تتحقق بواسطة البرامج السياسية خاصة إذا كان أصحاب هذه البرامج بعيدين عن مراكز القرار. وإذا وضعنا في الاعتبار الظروف الحساسة التي يمر منها اليوم دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية فإننا نفهم لماذا لا يضع هؤلاء برامج مفصلة لمشاريعهم ومقترحاتهم مع العلم أن وضع برنامج سياسي يتسم بالإجرائية والفعالية يتطلب جيشا جرارا من الخبراء والمختصين والأجهزة، إضافة إلى قواعد مفصلة للبيانات الإحصائية والحسابات الدقيقة التي لا يتوفر عليها إلا أرباب الحكم أو الدائرون في فلكه.

إن التاريخ يشهد، أن “البلاشفة” عند استيلائهم على السلطة سنة 1917، لم يكن أمامهم أي مخطط جاهز للنظام الاقتصادي الذي ستنشئه ديكتاتورية العمال، وأخذوا يطبقون التجارب على مر السنين حتى أنشأوا النظام الروسي المعروف. أما المسلمون فإن الرصيد الفقهي الكبير[34] الذي يتوفرون عليه، يؤهلهم لاقتراح برامج تغييرية طموحة، ولنا في البرنامج السياسي “للجبهة الإسلامية للإنقاذ”[35] نموذجا معاصرا، دلت شهادة المتتبعين للشأن السياسي الجزائري، من الداخل والخارج، أن الأنضج والأكثر تميزا بين باقي البرامج السياسية التي قدمها فرقاء الطيف السياسي الجزائري في انتخابات وأد الديمقراطية وحقوق الإنسان.

الصنف الثالث: المتحفظون:

يرى هؤلاء أن تطبيق الشريعة الإسلامية، يعني الإقرار بـ “الحكومة الثيوقراطية” أو “الحكومة الدينية” وهو ما يستحيل تحقيقه بشريا على أرض الواقع.

إن الدعوة إلى “الحكم الإسلامي” لا تعني المطالبة بإنزال ملائكة يحكمون، أو تعيين خليفة لله في الأرض، بل هي دعوة للاحتكام إلى القرآن والسنة وجعلهما ضابطين أساسين لفقهنا السياسي وللكيفيات التي بها ننزل هذا الفقه ونطبقه على أرض الواقع.

الصنف الرابع: المرجفون:

يذهب هؤلاء إلى القول بأن الشريعة هي العقيدة، ومن ثم فلا وجود لأحكام وتشريعات وقوانين تنظم المجتمع إذ العقيدة ليس سوى تراتيل وتصورات فردية خاصة.

إن هذا الفهم لا يستقيم إلا مع المسيحية المحرفة، أما الإسلام فإنه عقيدة وشريعة ومنهج حياة متكامل ومنسجم.

الصنف الخامس: القاعدون[36]

يسعى هذا الصنف إلى تثبيط همم المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية، فيقولون إن الأحكام الشرعية مطبقة حسب زعمهم – بنسبة تتجاوز 90% -. فدين الدولة الرسمي هو الإسلام، والمساجد ملأى بالمصلين، ومدونة الأحوال الشخصية مكتنزة بالنصوص الشرعية، والمحجبات في الشوارع كما في الإدارات دون تضييق أو إقصاء.

إن جولة بسيطة في شارع من شوارع الدول التي يدعي سدنتها ومفكروها اللائكيون أنها إسلامية، تظهر تهافت هذا الطرح، فكل ما فيها ينطق بلسان الحال والمقال أنه لا صلة له بالإسلام (التبرج الفاضح ـ المعاملات الربوية ـ الخمارات ـ محلات القمار …).

الصنف السادس: الوكلاء (حماة الأقليات)

يزعم رواد هذا الصنف وعلى رأسهم فرج فودة[37] أن تطبيق الشريعة الإسلامية يؤدي إلى حرمان الأقليات الدينية الأخرى من حقوقها السياسية والاجتماعية.

إن شواهد التاريخ تترى مفندة هذا الادعاء، فالذميون ما استشعروا الرحمة والعدل إلا في ظل الحكم الإسلامي المسنود بنصوص شرعية لا تحصى توصي بالرفق بالأقليات والقيام بخدمتهم والحرص على أمنهم وسلامتهم.

 الصنف السابع: المغرضون (المتشدقون بالرحمة)

يتشدق هذا الصنف بالرحمة، ويظهرون عطفا مبالغا فيه على الإنسانية مقابل ما يفعله الإسلام من ارتكاب جريمة أو خطيئة بإقامة الحد الشرعي عليه (رجم الزاني، قطع يد السارق …) إن تطبيق هذه الحدود في نظرهم سيشل طاقات المجتمع، بتحويل نسبة مهمة من أفراده إلى معطوبين ومعوقين، وهؤلاء سيكونون عبئا ثقيلا على تطوره وتنميته. نبادر إلى القول دحضا لهذه التهمة، أن نظرة الإسلام لهاته الحدود: “تراعي حق الجماعة في الطمأنينة اللازمة لكيانها، وتضع لهذه الطمأنينة ما يكفلها من تشريعات، وهي فوق ذلك لا تغفل عن دوافع الجريمة في نفس الفرد، ولا تطبق العقوبة عليه حتى تضمن أن هذه الدوافع غير قائمة في شعوره”[38].

الصنف الثامن: المتفلسفون:

يتوجه رواد هذا الصنف[39] تلقاء الفلسفة لاستلهام الأسس التي يقوم أو ينبغي أن يقوم عليها الموقف اللائكي. لذلك فهم يدافعون في محاولة تبدوا أخيرة باستماتة نادرة عن “الأسس الفلسفية للعلمانية”[40] ليبرهنوا أن مبررات وجود هذه الأخيرة اليوم أكثر من الأمس.

ها هو ذا حسن حنفي يقول في خلط واضح واضطراب بيِّن: “فمعنى الإلحاد في الحضارة الغربية يعني الإيمان في تراثنا القديم … ومن ثم يكون الإلحاد … هو تحول للاختيار القديم من القول (أي الإيمان القلبي بالله عز وجل) إلى العمل (أي العمل الثوري التغييري)”[41] ويقول في موضع آخر: “فلفظ “الله” لا يساوي معناه بأي حال”[42] ثم يوضح: “إنه ادعاء بشري ونقص في الأمانة أن يقول كاتب واحد إنه يعني بلفظ “الله” ما يريد إلا عن طريق التقريب”[43] ويضيف: “واللغة القديمة لغة دينية تسودها ألفاظ تشير إلى موضوعات دينية مثل: “دين” و”رسول” و”معجزة” و”نبوة” وهي لغة عاجزة عن إيصال مضمونها للعصر الحاضر”[44] وأما ألفاظ “الله” و”الجنة” و”النار” و”الآخرة” و”الحساب” و”العقاب” و”الصراط” و”الميزان” و”الحوض” فهي ألفاظ قطعية صرفة لا يمكن للعقل أن يتعامل معها دون فهم أو تفسير أو تأويل”[45] “”فالله” يصبح (بالتأويل) هدف الإنسان وغايته ورسالته ودعوته في الحياة، و”الشيطان” يصبح هو المعارض الذي يمثل الغواية والخطأ والحافز، والملاك يصبح هو ما يرجوه الإنسان من طمأنينة وخير ورحمة وأمن واستقرار ودعة، وبالتالي يمكن نقل عصرنا من مرحلة التمركز حول الله وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة التمركز حول الإنسان وهي المرحلة الحالية”[46]، أعوذ بالله من حكاية الكفر ف”حاكي الكفر ليس بكافر”، ألا ساء ما يزر هؤلاء اللائكيون، ألا ساء ما يمكرون (ومكر أولئك هو يبور)[47]. بعد هذا، لك أن تتصور معي؟ أيها القارئ؟ كيف سيكون الإصلاح السياسي والاقتصادي مع هؤلاء “السفسطائيين الجدد”، أكيد أنه سيكون على شاكلة الإصلاح الزراعي الذي يصوره “أحمد مطر” ببلاغته المعهودة:

قرر الحاكم إصلاح الزراعة

عين الفلاح شرطي مرور

وابنة الفلاح بياعة فول

وابنه نادل مقهى

في نقابات الصناعة!

وأخيرا

عين المحراث في القسم الفولكلوري

والثور، مديرا للإذاعة

قفزة نوعية في الاقتصاد

أصبحت بلدتنا الأولى

بتصدير الجراد

وإنتاج المجاعة[48]

أما قبل:

فإن الواجب، واجب القيام لله بالوحدانية ولرسوله الكريم بالشهادة، يفرض علينا أن نتوقف عن معالجة أنفسنا بالوصفات الغربية الجاهزة، ونعود أنفسنا الاستشفاء في “صيدليات” الوحي، و”مستشفيات” الإسلام التي يديرها حكماء مسلمون، وأطباء مخلصون، وعلماء عاملون، هم أولى الناس بتشخيص أدوائنا وتحديد دوائنا. فلا يمكن: “أن نبرأ من عللنا بوصفات دوائية وضعها التاريخ اللائكي لعلته هو، بعد أن أعد له ملفا يضم فصيلة دمه، وأمراضه الوراثية، وكذلك معدل ضغطه، ونسبة السكر في الدم”[49].

إن البداية الصحيحة لهذا المشروع الضخم لا بد أن تدشن بـ”توبة انقلابية” للفرد والجماعة بغية تجديد النيات والعزائم مع الله تعالى، وهذا لن يكون إلا بالارتماء في أحضان العبادة الخالصة للخالق عز سلطانه، صلاة وذكرا، دعاء وابتهالا، ثم بعد ذلك، هلم ننخرط في جهاد التعبئة والبناء بـ “إزالة الفجوة القائمة في الذهن بين الدين والدنيا، لأن الإسلام لا يعرف هذا الفصل الذي تسرب إلينا عبر لائكي متغرب”[50].

إن الرسالة التي جاء الإسلام من أجلها هي تحقيق العبودية لله الواحد، ومن صميم تلك العبودية: مدافعة أعداء الله في كل المجالات بالحجة الدامغة، والبرهان القاطع، والتغلغل الهادئ الرزين.

[1] – الأسس الفلسفية للعلمانية، عادل ضاهر، ص62.

[2] – علوم التأويل بين الخاصة والعامة، حسن حنفي، ص49. الاجتهاد 23/1994.

[3] – العلمانية وثمارها الخبيثة، محمد شاكر الشريف، ص 15.

[4] – أوردت هذه الدائرة هذا التعريف في إطار التقسيم الذي وضعته للإلحاد، وأدرجت العلمانية في القسم العملي منه.

[5] – المواجهة بين الإسلام والعلمانية، صلاح الصاوي، ص18.

[6] – نفس المرجع، ص 19.

[7] – نفس المرجع، ص 20.

[8] – secularization

[9] – secularist

[10] – إن التقصي لمفهوم “اللائكية” في القاموس الغربي يجعلنا نكتشف مزيدا من المصطلحات من قبيل: dechristianize – desenchantment – desanctify –of the word.

[11] – la laicite وlaicisme أي “النظام السياسي اللائكي المتميز بإقصاء النفوذ الكهنوتي عن الدولة.”

[12] – معجم “الكافي” لـ: “محمد الباشا” ط1992 و”المعجم العربي الأساسي” للإيسسكو باب (علم).

[13] – “معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية” ص30، مناع القطان.

[14] – أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة بيانا أوضح فيه أن الترجمة الصحيحة لـ: “اللائكية” هي: “العلمانية” نسبة إلى العالم.

[15] – الأسس الفلسفية للعلمانية، ص 37، عادل ضاهر.

[16] – العلمانية، ص6، محمد قطب رحمه الله.

[17] – تحديد الدين وإحياؤه، ص 153/154، أبو الأعلى المودودي رحمه الله.

[18] – العلمانية في العالم العربي دخيلة عليه، ص 34، عزام التميمي مجلة “العالم”، ع: 520.

[19] – الدنيويون فقدوا أعصابهم، ع: 11/1989.

[20] – بين الإسلام والدنيوية”، د. محمد مجدي قرقر. مجلة “منبر الشرق”.

[21] – العلمانية رؤية معرفية، ص 49، عبد الوهاب المسيري، مجلة الإنسان ع10.

[22] – العلمانية في المغرب العربي: أية علمانية”، ص 43، مجلة العالم، ع 52/1994.

[23] – العلمانية: رؤية معرفية، مرجع سابق، ص 65.

[24] – استفدت كثيرا في هذا التقسيم من دراسة الدكتور مجدي قرقر: بين الإسلام والدنيوية، المنشور بمجلة منبر الشرق.

[25] – التعلة: مفهوم فلسفي يعني “العلة الكبرى” أو “علة العلل”.

[26] – من المفيد عنا أن نشير إلى أن حياة هارون الرشيد ـ الذي ارتبط في مخيلتنا بالفسق والمجون ظلما وعدوانا ـ كانت مقسمة بين العبادة والجهاد، إذ كان يحج عاما ويغزو آخر.

[27] – نظرات في الفقه والتاريخ، ص 26، الأستاذ عبد السلام ياسين.

[28] – محاولة في تصيحي المسار، ص 9و10، زيد بن علي الوزير.

[29] – هوية في منزلة الصفر، ص 47، مجلة مواقف، ع 65، خريف 1991.

[30] – مجلة الهدى المغربية، ص 16، ع 27/1993.

[31] – أصدرت “الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد” فتوى مفادها أن كل الجماعات الإسلامية العاملة بالقرآن والسنة تدخل تحت مسمى “الفرقة الناجية”.

[32] – هذا لا يتعارض مع إيماننا بأهمية “القدوة” ومركزيتها في العمل الدعوي الجاد.

[33] – الآية 144/ آل عمران.

[34] – جدير بالذكر أن القانون المدني الأردني مستمد بالكلية من الفقه الإسلامي.

[35] – انظره بتفصيل في “الجزائر والمؤامرة على الإسلام والديموقراطية” أحمد السيوفي من ص 183 إلى ص 217.

[36] – الداعية الأبرز في هذا التيار هو المستشار سعيد العشماوي.

[37] – إقرأ مثلا ما ورد في الصفحة 52 من كتابه قبل السقوط.

[38] – فضل “الجريمة والعقاب” ص 164 لمحمد قطب رحمه الله من كتابه “الإنسان بين المادية والإسلام”.

[39] – كتابات محمد أركون وحسن حنفي وعادل ضاهر مثال حي على هذا التوجه.

[40] – صدر تحت نفس العنوان كتاب للدكتور عادل ضاهر ف 429 صفحة عن دار الساقي.

[41] – “التراث والتجديد” حسن حنفي ص53.

[42] – نفسه ص 97.

[43] – نفسه ص 98.

[44] – نفسه ص 103

[45] – نفسه ص 104.

[46] – نفسه.

[47] – الآية 10، سورة فاطر.

[48] – ديوان “إني المشنوق أعلاه”، أحمد مطر.

[49]– “الإسلام وصراع الحضارات” أحمد القديدي ص131.

[50]– “التغيير الثقافي أهدافه وشروطه” ذ. المفضل الفلواتي مجلة الهدى ع31 ذو القعدة 1415هـ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: