الفرق بين القاعدة الفقهية وما يشبهها

 

يختص هذا المقال بدراسة الفروق بين القاعدة الفقهية، وبعض المفاهيم الاصطلاحية القريبة منها، وذلك من خلال العناصر التالية:

العنصر الأول: الفرق بين القاعد الفقهية والأصل:

يحسن بنا قبل أن نبين الفرق بين القاعدة والأصل أن نعرف الأصل أولا:

1 – تعريف الأصل:

الأصل في اللغة أسفل الشيء[1]، يقال “قعد في أصل الجبل وأصل الحائط “[2] أي قعد أسفلهما. وقد تنوعت عبارات علماء الأصول في تعريف هذا اللفظ لغة: فمنهم من قال: الأصل ما بني عليه غيره، وذلك يعم الابتناء الحسي كابتناء السقف على الجدار والابتناء العقلي كابتناء المدلول على الدليل[3]. ومنهم من قال: الأصل ما يحتاج إليه[4] ومنهم من قال الأصل ما يتفرع عنه غيره[5].

وفي الاصطلاح يطلق على معان عدة منها[6]منها:

أ – الرجحان: كقولهم الأصل في الكلام الحقيقة. أي الراجح عن السامع الحقيقة لا المجاز.

ب – المستصحب: كقولهم “الأصل الطهارة” وقولهم “الأصل بقاء ما على ما كان” أي استمرار الحكم السابق.

ج – القاعدة الكلية: وذلك أنها إذا ثبت حكمها بنفسه كانت أصلا شرعيا وإلا فهي مجرد قاعدة فقهية أو أصولية أو غيرها.

د – الدليل:

وهذا ما تعارف عليه الفقهاء يقال: الأصل في وجوب الحج قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)[7]، ومنه أصول الفقه بمعنى أدلته.

2 – الفرق بين القاعدة والأصل:

إن القواعد الفقهية دون الأصول الشرعية في اتساع الدائرة وقوة الاشتمال على الفروع، والسبب في ذلك كما نص الدكتور الروكي: “هو استناد الأصول الشرعية في قوة أحكامها إلى جملة من نصوص الشرع. بينما تستند القواعد الفقهية في ذلك إلى آحاد النصوص، أو إلى ما يتقرر بها من الأدلة العقلية كالقياس والاستصحاب وغيرهما”[8].

وقد سبق أن أشار إلى هذا الفرق الإمام المقري في تعريفه للقاعدة: “كل كلي أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة”[9].

وقد يطلق الأصل على القاعدة، ودرج على هذا الصنيع كثير من القدامى في كتبهم منهم على سبيل الذكر لا لحصر، الإمام القرافي في “الذخيرة”، كان يذكر الأصل تارة، ويقصد به القاعدة، ومن أمثلثه على ذلك قوله:

– الأصل ألاّ تبني الأحكام إلا على العلم [10]

– الأصل البناء على اليقين [11]

– الأصل ترتيب الحكم على سببه [12]

العنصر الثاني: الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط:

1 – تعريف الضابط:

الضابط لغة: من الضبط، وهو لزوم الشيء وحبسه، وضبط عليه، وضبطه يضبط ضبطا وهو ضباطة، وقال الليث: الضبط لزوم شيء لا يفارقه في كل شيء، وضبط الشيء حفظه بالحزم والرجل ضابط أي حازم[13]، وفي الاصطلاح: هو ما يجمع فروعا من باب واحد[14].

2 – الفرق بين القاعدة والضابط:

الضابط الفقهي أخص من القاعدة الفقهية ودونها في استيعاب الفروع، وقد تقدم في تعريف أبي عبد الله المقري، أن القاعدة أعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة، ومعنى ذلك أن مجال الضابط أضيق من مجال القاعدة الفقهية، حيث تشمل كثيرا من الفروع، والجزئيات من أبواب متعددة ولا تتسع دائرة الضابط الفقهي إلا للجزئيات المندرجة في باب واحد.

ولم يكن المتقدمون يتشددون في التفريق بين القاعدة والضابط، فيطلقون القاعدة ويريدون بها الضابط.

فالإمام السبكي مثلا يقسم القواعد في كتابه “الأشباه والنظائر” إلى عامة وخاصة ويعني بالأخيرة الضوابط[15]. وقد فسر الفيومي القاعدة بالضابط[16]، وهو ما فعله أيضا عبد الغني النابلسي حينما اعتبر القاعدة بمعنى الضابط، وعرفها بتعريف واحد هو: الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته[17].

وأما الإمام السيوطي، فقد جعل الضوابط في كتابه ” الأشباه والنظائر” في قسم القواعد المختلف فيها، وذكر عددا من القواعد كلها ضوابط ومنها:

القاعدة الرابعة: النذر هل يسلك به مسلك الواجب أو الجائز؟ [18]

– القاعد الثامنة: الإيراد هل هو إسقاط أو تمليك؟ قولان [19]

– القاعدة الخامسة عشر: هل العبرة بالحال أو المآل؟[20].

من خلال ما سبق يمكن أن نستخلص أن الفقهاء الذين لم يفرقوا بين القاعدة والضابط إنما هو عدم تفريق اصطلاحي، ويبدو أنه لم يتميز الفرق بينهما إلا في العصور المتأخرة، حيث أصبحت كلمة ” الضابط ” اصطلاحا متداولا شائعا لدى الفقهاء والباحثين في الفقه الإسلامي، فيفرقون الآن بين الكلمتين في المجالات الفقهية.

وأختم هذا العنصر بملحظ نفيس لأستاذنا الروكي في معنى الضابط من حيث الاصطلاح، فهو يعتبره أضيق نطاقا من القواعد الفقهية إذا اعتبرنا فيه المعنى الاصطلاحي الخاص به. أما إذا لم نعتبر ذلك، وانصرفنا إلى المعنى الاصطلاحي العام فلا يكون حينئذ فرق بين القواعد والضوابط[21].

العنصر الثالث: الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:

ميّز الإمام القرافي في مقدمة فروقه بين القاعدة الفقهية، والقاعدة الأصولية، قال رحمه الله تعالى: “فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله منارها شرفا، وعلوا اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه، وهو غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو الأمر للوجوب، والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا أن كون القياس حجة، وخبر الواحد، وصفات المجتهدين.

والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى…”[22].

ورغم هذا التفريق الذي أوضحه الإمام القرافي إلا أنه لا يمكن الفصل بين هذين القسمين لأن القواعد الفقهية تعتبر بمثابة الأصول والأسس التي يقوم عليها الفقه، فيتخذها الفقيه كأدوات للاستنباط قبل أن يقوم بتجميع الفروع، والجزئيات في قواعدها الفقهية.

ومن هنا يمكن القول بأن وظيفة القواعد الأصولية هي في نهاية الأمر وظيفة فقهية محضة[23].

وإذا كانت القواعد الفقهية والأصولية تشتركا ن في بعض الخصائص[24]، إلا أن بينهما فروقا عديد ة منها:

أولا: القاعدة الفقهية مستمدة من الأدلة الشرعية، أو من استقراء المسائل الفرعية المتشابهة، أما القاعدة الأصولية فمستمدة مما يستمد منه علم الأصول، وهو علم العربية وأصول الدين وتصور الأحكام[25].

ثانيا: أن القواعد الأصولية قواعد إجمالية، عامة تجريدية، مما يجعلها صالحة للتطبيق حتى في النصوص القانونية الوضعية، أما القواعد الفقهية فهي محدد ة مرتبطة بجزئياتها ارتباطا وثيقا، وهي متفاوتة من حيث عمومها، وخصوصها، ومن ثم لا يمكن اعتبارها نصوصا للقضاء[26].

ثالثا: أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط، واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية، وأما قواعد الفقه، فهي عبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها، والغرض منها ربط المسائل المختلفة برباط متحد، وحكم واحد لأجل تقريب المسائل الفقهية وتسهيلها[27].

رابعا: القاعدة الأصولية سابقة في الوجود الذهني والواقعي على الفروع الفقهية، إذ هذه الفروع مبنية عليها، أما القاعدة الفقهية فهي متأخرة في وجودها عن الفروع الفقهية لأنها نتيجة عن تجميع هذه الفروع. فيمكن تشبيه القواعد الأصولية بالمنابع للفروع الفقهية، وتشبيه القواعد الفقهية بمراكز التجميع لهذه الفروع[28].

خامسا: القاعدة الأصولية لا تتصل بعمل العامي مباشرة: ولا يهمه معرفتها لأن إعمالها ليس من وظائفه، وإنما هو من وظائف مجتهده، ولذلك لا نجد أي معنى لإلقائها إليه في مجالات الفتوى، بخلاف القاعدة الفقهية فإنها هي التي تتصل به اتصالا مباشرا، وهي التي تشخص له وظيفته، فهو ملزم بالتعرف عليها لاستنباط حكمه منها بعد أن أخدها من مجتهده[29].

سادسا: أن قواعد الأصول هي تلك الأدوات التي يستعين بها المجتهد على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وقواعد الفقه هي مرجع الفقيه والمفتي التي يستعين بها على معرفة واستحضار أحكام كثيرة من مسائل الفقه المتشابهة[30].

وبعد توضيح أهم الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية لا بد من الإشارة إلى وجود قواعد مشتركة بين العلمين، ولكن ينظر إليها من زاويتين مختلفتين، فالقاعدة الأصولية ينظر إليها باعتبارها دليلا شرعيا لاستنباط الأحكام، والقاعدة الفقهية ينظر إليها باعتبارها فعلا للمكلف.

فقاعدة العرف مثلا إذا فسرت بالإجماع العملي أو المصلحة المرسلة كانت قاعدة أصولية، وإذا فسرت بالقول الذي غلب في معنى معين، أو بالفعل الذي غلب الإتيان به كانت قاعدة فقهية[31].

العنصر الرابع: الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية:

عرف الأستاذ مصطفى الزرقا النظريات الفقهية العامة بقوله: “تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها على حدة، نظاما حقوقيا موضوعيا منبثا في الفقه الإسلامي، كانبثاث أقسام الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني.. وذلك كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه… وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه وفكرة العرف وسلطانه على تحديد الالتزامات، إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانه في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهية “[32].

ثم قال رحمه الله تعالى تعليقا على ما سبق: وهذه النظريات هي غير القواعد الكلية التي صدرت مجلة القواعد الفقهية بتسع وتسعين قاعدة منها، ثم تبين من بعد ذلك أن هذه القواعد هي بمثابة ضوابط بالنسبة لتلك النظريات، أو إنما هي القواعد الخاصة أمام القواعد العامة الكبرى فمثلا قاعدة: ” العبرة في العقود للمقاصد والمعاني”، ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من ميدان أصل نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد[33].

ومن هنا يمكن القول أن النظريات الفقهية أوسع مجالا من القواعد الفقهية، التي هي بمثابة المبادئ، وأن هذه القواعد هي بمثابة ضوابط بالنسبة لتلك النظريات حيث تقوم بتأطيرها، وضبطها وجمع أطرافها والحد من سعتها[34].

فالقواعد الفقهية، ما هي إلا مكون من مكونات النظريات الفقيهة، غير أن بينهما اختلافا يمكن بسطه فيما يلي:

1 – القاعدة الفقهية حكم شرعي مستنبط من أحد المصادر الشرعية بطرق الاستنباط المعروفة في علم أصول الفقه، إلا أنه كلي لا جزئي. أما النظرية الفقهية فليست حكما مستنبطا وإنما دراسة ينتهي فيها الفقيه إلى الجمع بين جملة من الموضوعات والأحكام، والبحوث الفقهية التي تكون بمجموعها فكرة واحدة متكاملة الأجزاء.[35]

فالقاعدة حكم شرعي، والنظرية دراسة وبحث وتجميع.

2 – القاعدة الفقهية تستند في تقعيدها إلى أحد المصادر الشرعية، بينما تستند النظرية الفقهية في تكوينها إلى دراسة الفقه الإسلامي، ومصنفات الفقهاء. [36]

3 – القاعدة الفقهية لا تشتمل على شروط وأركان، بخلاف النظرية الفقهية فلا بد لها من ذلك[37].

وهكذا يمكن إدراج مجموعة من القواعد الفقهية التي تتحد في موضوعها العام، وإن اختلفت في جزئياتها تحت نظرية معينة، مثل القواعد التالية:

– العادة محكمة.

– استعمال الناس حجة يجب العمل به.

– المعروف عرفا كالمشروط شرطا.

– المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.

– التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.

– إنما تعتبر العادة إذا اطردت وغلبت.

فهذه المجموعة من القواعد الفقهية يمكن أن نضعها جميعا تحت عنوان نظرية العرف، وهكذا أيضا في القواعد التي تتناول موضوع الضمان أو تتعلق بالعقد… إلى غيرها من القواعد التي يمكن وضعها تحت نظريات معينة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – لسان العرب:11/16

[2] – تاج العروس للزبيدي: 7 /206

[3] – إرشاد الفحول للشوكاني ص: 3

[4] – المحصول في علم أصول الفقه: 1/91

[5] – الإحكام في أصول الأحكام الآمدي: 1/3

[6] – شرح الكوكب المنير:1/39

[7] – آل عمران:97

[8] ـ نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، للدكتور الروكي: ص: 51

[9] – قواعد المقري بتحقيق أحمد بن عبد الله بن حميد: 1/210

[10] – انظر الذخيرة: 1/177

[11] – نفسه:2/287

[12] – نفسه: 3 /427

[13] – لسان العرب (مادة ضبط)

[14] – انظر غمرعيون البصائر للحموي: 1/31

[15] – انظر الأشباه والنظائر 1/200

[16] – المصباح المنير: 2/74

[17] – القواعد الفقهية للندوي ص: 47

[18] – انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص:301

[19] – نفسه ص: 312

[20] – نفسه ص:322

[21] – انظر نظرية التقعيد الفقهي ص:51

[22] – الفروق للقرافي:1/5-6

[23] – انظر قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف للروكي ص: 118

[24] – من ذلك أنهما يشتركان في أن كلا منهما حكم كلي يتعرف منه أحكام عدد من الفروع أن كلا منهما حكم كلي ككك

[25] – الإحكام للآمدي: 1/7-8

[26] – قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتب الإشراف للروكي ص:119

[27] – موسوعة القواعد الفقهية لمحمد صدقي البورو: 1/26

[28] – سد الذرائع في الشريعة الإسلامية لمحمد هاشم برهاني ص: 159

[29] – انظر الأصول العامة للفقه المقارن لمحمد الحكيم ص: 43

[30] – انظر مقدمة إيضاح المسالك للونشريسي ص:30

[31] – انظر موسوعة القواعد الفقهية لمحمد صدقي البورو 1/27

[32] – المدخل الفقهي العام 1/235

[33] – نفسه: 1/235

[34] – قواعد الفقه الإسلامي للروكي ص: 115

[35] – نظرية التقعيد الفقهي ص:57

[36] – نفسه ص: 54

[37] – قواعد الفقه للمقري بتحقيق ابن حميد ص: 1 / 103

اظهر المزيد

د. عبد الإلاه بالقاري

تخصص علوم القرآن وأصول الفقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: