منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقيدة..الرسالة الجامعة

0
اشترك في النشرة البريدية

 لا يختلف اثنان في الحاجة إلى التجديد والإبداع في العلوم الإسلامية، وإعادة النظر فيها وفي علاقتها بالمصادر المؤسسة لها من جهة وعلاقتها بالواقع المعاصر من جهة أخرى، وما يتفرع عن تلك العلاقات من إشكالات عويصة تستدعي إعمال آليات جديدة ومناهج حكيمة، قصد تجاوز ما شاب العلوم من أزمات وعدم الانشغال بالفروع عن الأصول، والارتباط بالعصر دون التفريط في الأصل بما يحقق إنسانية الإنسان.

 ويعتبر علم العقائد أو علم الكلام أو أصول الدين، من أبرز العلوم التي تستدعي التجديد معرفيا ومنهجيا، نظرا لأهميته في حفظ مقاصد الشرع ولخطورة انحراف البحث فيه عن جادة الصواب المعرفي والمنهجي.

 إن الباحث الجاد في قضايا تجديد علم الكلام يجد أن كثيرا من الكتابات في هذا المجال سقطت في التقليد من حيث أرادت التجديد، فظل العقل المسلم مرتهنا للماضي، باجترار مقولاته وتكرارها، وهو الأمر الذي يفرض بشكل ملح مراعاة للاعتبارات المنهجية الموجهة لعلم العقائد تجاوزا لأزمة علم الكلام القديم السعي إلى خوض كلام جديد، بما يؤدي إلى رسم هندسة معرفية عامة تستوعب المتغيرات العالمية الحالية وتراعي تشابك العلاقة بين الديني والاجتماعي والروحي والواقعي، وتصالح العقل والواقع مع الوحي، وتنفتح على قضايا أخرى جديدة من أجل بناء حضاري إنساني.

 وإن الناظر إلى العقيدة كعلم بحث فيه المسلمون ولهم فيه صولات وجولات في الدفاع عن أصول الدين والتوحيد، وإلى هذا التفريخ والكم الهائل من الفرق الكلامية، يجعلنا نطرح السؤال حول سر هذا هذا التشظي الذي يرجع أحد أسبابه إلى تفاعل العقل مع الواقع السياسي لا سيما في زمن اكتشاف الفكر الإسلامي للفكر اليوناني، والمعروف هو أن العقل قد خص الله سبحانه البشر به دون سائر خلقه، وهو مناط التكليف، وقد قسمه ابن خلدون إلى ثلاثة: “العقل التمييزي والعقل التجريبي والعقل النظري وفيه تكمن الحقيقة الإنسانية “[1] لذلك نحاول أن نطرح في هذا المقال أحد أهم إشكالات الكلام الجديد وعمله على الجانب الكلي لا الجزئي والمباشر للغيب قرآنا وسنة وإعمالا للعقل بالنظر والتحليل والنقد..الرؤية الكلية الجامعة.

المزيد من المشاركات
1 من 76

فك اللبس عن المفهوم: العقيدة\ الإيمان

 إن أول إشكال يعترض الباحث في العقيدة هو إشكال المفهوم، إذ يعتبر الاهتمام بتدقيق المفاهيم وتقعيدها أمرا ضروريا سواء من الناحية المعرفية أو من الناحية الفلسفية، فقد ورد لفظ العقيدة في بداياته في كتب علم الكلام القديمة كاصطلاح يعبر به عن قضايا الإيمان. وهو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد”[2]

 وعندما نتحدث عن حاضر وراهن ومستقبل “العقيدة” أول ما يتبادر إلى الذهن تشكلاتها أو فلسفتها عبر التاريخ، في مدارس علم الكلام، لهذا فالمتتبع لمصطلح عقيدة يجد أن لا بد له من تحرير وتحديد شرعي أولا، ثم اصطلاحي ثانيا لأن الاصطلاح كما جاء في مقدمة ابن خلدون :

 “تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه، فلكل إمام من الائمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به، شأن الصنائع كلها، فدل أن الاصطلاح ليس من العلم، إذ لو كان من العلم لكان واحدا عند جميعهم. ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتاخرين، …والعلم واحد في نفسه”. [3]

 العقيدة هذا المفهوم، العين والقاف والدال والتاء، لاوجود له في القران والسنة وهو مفهوم استحدث للدفاع عن الإسلام ضد الضلال، ومن خلال تعريف وتحديد مفهوم العقيدة، هذا المفهوم الدخيل لفظا ومرجعا ومنهجا، والذي عوضناه بمفهوم قرآني، الإيمان المفهوم الأصيل والذي يعرف بأنه الإيمان الكامل، وهو الأخلاق كونها الجزء المتمم للدين بل الدين متأصل فيها بكليتها، ومنتهى سعادة الإنسان وصون له من الضلال والانحراف، ولعل ما يجمع كل هذا ما جاء في مقدمة ابن خلدون : “التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، ينشأ عنها علم اضطراري للنفس، وهو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة، وأن ذلك سواء في التكاليف القلبية أو البدنية. وتفهم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف كلها وينبوعها، وهو بهذه المثابة وأنه ذو مراتب: أولها التصديق القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح، وتندرج في طاعتها جميع التصرفات، حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيمان، وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه كبيرة ولا صغيرة. إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين.”[4]

 أو بمعنى العقيدة / الإيمان في حدود العقل، إلى العقيدة الإيمان الكامل، يفرض علينا نص بن خلدون السالف الذكر استحضار هذه الإشكاليات: الإيمان العقيدة وسؤال العقل ؟ الإيمان والنفس وسؤال الملكة ؟ الملكة والانحراف وسؤال الأخلاق؟ وهل العقيدة الإيمان الكامل هو عين الأخلاق ؟ العقيدة..الإيمان وهو مفهوم قرآني كما سلف الذكر، ذكر في القرآن الكريم لفظ إيمان إحدى وثمانين وسبع مائة مرة، يقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة : “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[5] آية جامعة لأصول الاعتقاد / الإيمان، الستة: الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل والإيمان باليوم الآخر والقضاء والقدر. والنصوص الدالة على هذه الأصول كثيرة جدا، سواء من الكتاب أم السنة، أما من الكتاب فمن ذلك: قال تعالى: “ليْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون[6]

 وفي الحديث النبوي الشريف “الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان[7].

 ولا يسعني هنا أن أعطي المفهوم حقه تحديدا وتعريفا من خلال موقعه من غيره من المفاهيم، والكشف عن العلائق والضمائم والخصائص والمواقع وفق منهج الدراسة المصطلحية، لنعصم المصطلح من الانزلاق والتحيز وسوء الفهم والتأويل. وفي هذا الجانب تحدث صاحب مفردات القرآن الشيخ الفراهي: “الخطأ في حد كلمة واحدة أنشأ مذهبا باطلا، وأضل قوما عظيما، وجعل الملة بددا”[8].

علم الكلام من الدفاع عن التوحيد إلى التحيز الطائفي

 الناظر اليوم فيما كتب في العقيدة ودواوين الفرق يجد أكثرها نائيا عن مقتضيات نصوص الوحي والروح العامة والمقاصد الكلية للقرآن والسنة، ومنحازا للتعصب المذهبي، فبعد أن كان الدافع لنشأة علم الكلام هو الدفاع عن العقيدة كما قال الإمام الغزالي وهو ” علم يحفظ عقيدة أهل السنة ويحرسها عن تشويش أهل البدع ” [9] تحول إلى علم يدافع عن المذهب والفرقة الواحدة ومبادئها فينتصر لما تقرره ويجرح ما ترفضه، وهو ما جعل علم الكلام ينحرف عن وظيفته الأولى، لذلك فأي تجديد لعلم الكلام دون تحريره من عقال المذهبية والتحيز الطائفي هو مجهود بلا ثمرات وبلا نتائج إيجابية.

 إلا أن هناك دراسات حديثة تروم ترشيد وتجديد السؤال حول العقيدة وعلم الكلام الجديد ضمن رؤية كلية جامعة بين مقتضيات الوحي ومتطلبات وتحديات الواقع من قبيل كتابات محمد إقبال وأبو القاسم حاج حمد وطه عبد الرحمان.. فينتظر علم الكلام الجديد طبعا رؤية تجمع بين منطق الاستيعاب والتجاوز لأعماق التاريخ العقدي ويظهر هذا جليا في مقدمة ابن خلدون وهو يحث طالب العلم على سبر أغوار العقيدة وعلم الكلام استيعابا وتجاوزا لاستكشاف المعرفة العقائدية ومناهجها، من بينها المنهج العقلي الاستدلالي والمنهج الحجاجي في ترشيده وتجديده لمفهوم العقيدة وعلم الكلام في زمانه وبصفة عامة في تأطيره التاريخي للعقيدة وعلم الكلام، وهو يوضح أن لكل أمة كسبها المعرفي واستمدادها من الوحي وفق متطلبات ومقتضيات العصر ومقومات الوحي، يقول ابن خلدون في مقدمته بعد أن عرف علم العقيدة وعلم الكلام وبين مدارسه وتقسيماته وقضاياه خلص إلى القول التالي: ” وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما دونوا وكتبوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته…….لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة، إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها”[10].

 إذا قال ابن خلدون هذا في زمانه الغابر عن زماننا فعن أي علم للعقيدة سنتحدث وعن أي قضايا نروم البحث فيها وماهي قضايا علم الكلام الجديد راهنا ؟

علم الكلام الجديد والأسئلة العقدية الجديدة

 لقد آن الأوان لطرح سؤال إمكانية صناعة علم كلام جديد، فهل لنا من علم كلام جديد نسبر به أغوار الكلام القديم ونخرج من بحره لنشتغل بقضايا لها جدة وجدية وراهنية، وسائر قضايا العصر الحاضرة والتي غابت عن مباحث علماء الكلام القديم.. قضايا عامة وشاملة من قبيل التقوى والشورى والرحمة والعدل..عوض الأسئلة الغيبية التي تفرقت الأمة حول سجالاتها وإجاباتها.. فيبقى السؤال عن ماهية الجدوى، اليوم، من وجود مباحث في العقيدة كما ذكرنا آنفا في مقدمة ابن خلدون عقيدة تبحث عن ذات الإله والجرأة عليه في حين ينبغي أن نجرأ على الذات الإنسانية وماهيتها نسائلها أسئلة الوجود، والكينونة، والجعلية، من أنا ؟ وماذا أريد؟ وماسبب وجودي في هذا الوجود؟ وما كنهي أنا الذي جعلني الله خليفة له في الأرض مباهيا بي الملائكة في قوله تعالى “إني جاعل في الارض خليفة[11] سؤال جعلية وخلافة واستخلاف وتدبير وعمارة للأرض والحفاظ عليها وعلى بيئتها…ليس سؤال “كوجيتو” ديكارتي عقلي محض، إنما سؤال عقلي وقلبي فطري له استمداد من الوحي قرآن وسنة نبوية..

 مباحث لأسئلة إيمانية تعيد هيبة الإنسان الذي ضاع في غيابات جب المادة وفقدان المعنى. ليستعيد معنى كينونته وهويته الحضارية الإنسانية بالإجابات الصريحة الواضحة على أسئلة معرفية عقدية / إيمانية كلية شاملة ” ماذا يحدث للإنسان في عالم بدون إله ؟ وماذا يحدث للإنسان في عالم نسبي لا توجد فيه ثوابت ولا منطلقات ولا قيم؟ وماذا يحدث للإنسان في عالم توجد فيه حقائق بلا حقيقة ولا حق؟ ولا مصير للإنسان في عالم انفصل فيه العلم عن قيمة الإنسان؟”[12] أسئلة وقضايا يبحث فيها المتكلم المعاصر، ويبحثها علم الكلام الجديد، ” ويعود إلى إلى نصوص الدين لاستلهام أجوبتها، واقتباس الإجابات، وتنظيمها في بناء واحد، فمن المحتمل جدا ألا يستطيع ترتيبها ضمن المنظومة الكلامية التي جاء بها القدماء وهذا ما سيدفعه طبعا لترتيب منظومة جديدة.”[13] وتشكيل علم كلام جديد ودفع عجلته إلى الأمام من أجل تحقيق السعادة الأبدية في الدارين وهروبا من العبثية والعدمية وفقدان المعنى. وتحقيق الهدف المطلوب معرفيا ومنهجيا..بكلمة واحدة: الرسالة الجامعة


 ابن خلدون المقدمة ص518[1]

 ابن خلدون المقدمة ص 552[2]

 ابن خلدون المقدمة ص 520[3]

 المقدمة، ابن خلدون ص 555[4]

 سورة البقرة الاية285 [5]

 سورة البقرة الاية 177[6]

 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان رقم9 [7]

 مفردات القرآن عبد الحميد فراهي تحقيق محمد أجمل أيوب الإصلاحي دار الغرب الإسلامي ط:1 /2002 [8]

الامام الغزالي المنقذ من الضلال ص 132- 137[9]

561 ابن خلدون المقدمة ص [10]

 سورة البقرة الآية 31[11]

عبد الوهاب المسيري اليهود والصهيونية نمودج تفسيري جديد، ج 1 القاهرة دار الشروق 1999 [12]

 العقلانية والمعنوية مقاربات في فلسفة الدين مصطفى ملكيان ترجمة عبد الجبار الرفاعي ص 452 [13]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.