العالم المجاهد سيدي علال الجامعي

بسم الله الرحمن الرحيم  والصلاة والسلام على من أرسل رحمة للعالمين

يعتبر جامع القرويين من أقدم الجامعات العلمية التي تخرج منها أكبر العلماء من مختلف التخصصات والمشارب العلمية والفكرية، ولا زالت لحد الآن تستقطب الكثير من العلماء والطلبة. وهناك من علمائها الذين ذاع صيتهم في الآفاق واشتهرت مؤلفاتهم واستفادت من أفكارهم الأجيال ولا زالت كأمثال: القاضي عياض والعلامة علال الفاسي، والمفسر ابن العربي، والمؤرخ عبد الهادي بوطالب، وغيرهم كثير، إلا أن هناك من علماء فاس  الأجلاء خريجي جامع القرويين من لم يحظ بالتعريف والترجمة رغم عطائه العلمي وثرائه الفكري، ودوره البارز في الدعوة، ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين ظل اسمهم مغمورا محصورا عند فئة قليلة من تلامذتهم وممن عاصرهم وشهد على علو مكانتهم العلمية ومواقفهم الصلبة في قول الحق والصدع به.

العلامة الفقيه والمدرس سيدي فضل الله علال بن إدريس الجامعي، ينحدر من قبيلة أولاد جامع ضواحي مدينة فاس، ولد سنة 1332 هـ الموافق 1913 م بمدينة فاس، ينحدر من أسرة لها روابط وثيقة مع الدولة، وكعادة أهل فاس يلحقون أبناءهم بالكتاب على صغر سنهم لحفظ القرآن الكريم ليكون كتاب الله أول ما يستقر في قلوب وأذهان الناشئة، بعد أن استكمل حفظ القرآن الكريم التحق بحلق العلم بجامع القرويين فتتلمذ على يد كبار علمائها وفقهائها أمثال: أبي الشتاء الصنهاجي، ومحمد بن عبد الرحمن العراقي، ومحمد بن العربي العلوي، والعباس بناني،، محمد بن عبد السلام السايح، محمد بن عبد القادر بن سودة، محمد بن عبد السلام الطاهري وغيرهم كثير، فأثار انتباه كل أساتذته بانضباطه وسرعة حفظه ونبوغه وتفوقه على أقرانه، فنال إعجاب واحتضان شيوخه.

حصل على شهادة العالمية سنة 1356هـ. فنال شرف التدريس بجامع القرويين، وحصل على كرسي التدريس باستحقاق وجدارة، فدرس اللغة العربية وآدابها، فأفاد وأجاد، وحرص على تحبيب لغة القرآن لطلبته وتلامذته، وغرس فيهم حب الأدب شعرا ونثرا، فنال تقدير واحترام كل من يحضر حلقات علمه وتدريسه، ثم انتقل إلى تدريس علم الفلسفة، فأبان على مستوى عال من التحليل والنقد البناء، فزاد تشبت تلامذته به واتسعت ساعات تدريسه وكثر معجبيه.

ونظرا لمكانته بين علماء فاس العالمة، تبوأ مكانة الخطابة في مسجد الحمراء بفاس الجديد، فكانت لخطبه وقعا كبيرا في توجيه الناس للتشبث بتعاليم دينهم الحنيف، يقول عنه الأستاذ عبد القادر المصباحي في مقال ورد في مجلة المحجة : “زاول خطبة الجمعة بجامع الحمراء في فاس الجديد مدة غيرة يسيرة. فاشتهر بفصاحة اللسان، ورجاحة البرهان صادعا بالحق، ساطعا في نفوس الخلق، وكثيرا ما كانت تناله بذلك المضايقات والملاحقات فيصر ويحتسب”[1]. وعلى ذكر المضايقات التي كان يتعرض لها عالمنا الجليل يذكر أحد تلامذته أنه كثيرا ما كان يتعرض لمضايقات المخزن وتهديداته، لكن صدقه مع خالقه، وشهادته بالقسط مع الناس، جعلته يصر على مواقفه الصادعة بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم، فكان بديهيا أن  يتعرض لمحاولات السجن، ولولا تدخل جماعة من علماء القرويين الذين توسطوا له للعفو عنه، لنال حظه من تعسف المخزن كباقي العلماء العاملين.

اشتغل عالمنا علال الجامعي بالصحافة، فكان له دور مميز في الحركة الوطنية لفضح ممارسات المستعمر الفرنسي ومن كان يدور في فلكه،فكتب عدة مقالات في بعض المجلات المغربية والعربية كالمغرب وعكاظ، والتي لا زالت تضم بعض كتاباته ومنشوراته سواء باسمه الشخصي او بأسماء مستعارة لتفادي المضايقات والمنع.

وسيرا على خطى من سبقوه من العلماء والفقهاء المبرزين، ترك سيدي علال الجامعي موروثا فكريا لم يكتب له النشر، ولا زال ينتظر من يخرجه للوجود ليستفيد منه الناس خاصة وان مؤلفاته تتخللها سيرته الذاتية ومواقفه الشخصية وآرائه التي كانت سببا في محنته، ومن بين ما ينسب له من كتب [2]:

-كتاب: “شواظ من نار” حسب ما حكاه العلامة سيدي محمد الزبيري (لم ينشر).

– وكتاب:“اليد الخفية” و”برج المراقبة” وكلاهما مذكرات شخصية.

– و كتاب يتضمن رحلة أبيه إلى المشرق تحت عنوان “الحقيقة والمجاز من معالم مصر والشام والمقدس والحجاز”، ألفه أبوه ونقحه هو وأضاف إليه في حياة والده (لم ينشر).

–  وكتاب “العباس ابن أبي بكر بناني” هو أول حلقة من مشروع موسوعي كان يرمي من خلاله إلى تقديم تراجم وافية لشيوخه في القرويين.

وافته المنية في مسقط رأسه فاس في 1401هـ الموافق21 أبريل 1982 م وهو دفين المقبرة المقابلة لثانوية القرويين  التي درس بها لعدة سنوات، رحم الله عالمنا الجليل وألحقه بمن سبقه من العلماء العملين وحشرهم في زمرة خير الأنام.

وخير ما أختم به هذه الأسطر قولا في حق عالمنا سيدي علال الجامعي للأستاذ عبد القادر المصباحي: ”  ترتفع الجبال ولا ترسل غير الطلال، وإذا نهدت لم يبق لها حال ولا آل، ويشمخ العلماء فيشعون بالهدي والسناء، وإذا ماتوا لم ينقطع لهم نور ولا ضياء”[3] من أجل هذا لا يسعني في الأخير إلا أن ألتمس من تلامذته ومن عاصره أن يعملوا على التعريف به وبمواقفه الصادقة، وبكتبه التي لا زالت حبيسة رفوف لا نعلم متى سيكتب لها التحقيق والنشر، وهذا من باب الاعتراف لذوي الفضل بفضلهم.


[1]-مجلة المحجة عدد 258 بتاريخ 6 يونيو 2006.

[2] – حسب ما ورد في المرجع السابق.

[3] – المرجع السابق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: