الصراع الإسلامي الإسرائيلي ومركزية المرابطة المقدسية من زاوية فلسفية (إطلالة في كتاب ثغور المرابطة)

في ظل ألوان الأذى والظلم الذي تتلقاه الانسانية الضعيفة في عالمنا، يبقى “الإنسان الفلسطيني” هو الحاصل على القسط الأكبر من هذا الأذى، أذى الأباعد والاقارب.

 هكذا ينظر الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان نظرة مخالفة للمعهود في قضية الإنسان الفلسطيني في صراعه مع “الكيان الإسرائيلي”، الذي شبهه بالشر المطلق. في الفصل الأول من كتاب: “ثغور المرابطة”، والذي جعل له عنوان “مرابطة المقدسي ثغر الصراع الإسلامي الإسرائيلي”[1].

 وحتى يقفنا بنا الفيلسوف طه عبد الرحمان على حقيقة وطبيعة هذا الإيذاء، سلك في حديثه عن القضية الفلسطينية مسلك المقاربة الفلسفية، معللا ذلك بأن خصوصية الإنسان الفلسطيني المتمثلة في كون أرضه هي “ملتقى العوالم” الشهادي منها والغيبي، وكون إرثه “ملتقى الأبعاد” الزمني منها والسرمدي (الأزلي)، لا تفيد في معرفة حقيقتها جل المقاربات التي اعتمدت من قبل، ف “المقاربة التاريخية” تسقط بعده السرمدي، و”المقاربة القانونية” تسقط عالمه الغيبي، وأخيرا “المقاربة السياسية” فهي  تسقط “عالمه الغيبي وبعده السرمدي كليهما.”[2]   وقد أطلق على هذه المقاربة اسم “المقاربة الائتمانية”، حيث يرى أنها الطريق الهادي إلى إيقاف الإيذاء الاسرائيلي. كما ترسم هذه المقاربة قبل دفع ضرر الشر المطلق،  صورة إيذاء الفلسطينيين المتجلية في صورتين:

  • “إيذاء الأرض التي بارك فيها ربهم” وبالتالي إيذاء الذي بارك هذه الأرض أي “إيذاء الإله”.
  • “إيذاء الإرث الذي أنتجته فطرتهم” وبالتالي إيذاء “إيذاء الإنسان”

ولما كانت مسألتا الإله والإنسان لا تعنيان الفلسطيني وحده، يؤكد طه عبد الرحمان على وجوب اشتغال غير فلسطيني على دفع الأذى الإسرائيلي “الذي لحق الإله من حيث هو إله ولحق الإنسان من حيث هو إنسان”[3]   

  • احتلال الأرض وإيذاء الإله

يتجلى إيذاء الإسرائيليين للإله عند طه عبد الرحمان من خلال منازعته في إحدى صفاته وهي “المالك”، وهذا النزاع أو الحرب مع الإله ليست بالغريبة عن الإسرائيليين، فأسفارهم التوراتية ما زالت تحفظ تاريخهم المليء بنقضهم للمواثيق والعهود الإلهية، والمخالفات للأوامر والنواهي، وإذاية الرسل، “وكأنهم في حرب سجال معه”[4]

ومن خبث وظلم وطغيان الإسرائيليين أنهم  يسعون إلى أن يكونوا مالكين، والفلسطينيون مملوكين، بشتى الوسائل، فأصبح عندهم الملك يعني الوجود “فمن لا يملك أنى له أن يوجد”[5] “مستشعرين أنهم يضاهون الله في التصرف في ملكه كيف يشاء”[6].

هذا الأمر الذي دفع فيلسوفنا إلى إطلاق نعت “الإحلال” بدل الاحتلال. فمنازعتهم للمالكية الإلهية مبنية على المبدأ التالي:

  • كل ما يمكن احتلاله من أملاك غيرهم، فهو، بالضرورة، ملك لهم.
  • الإحلال هو احتلال الأرض، منازعة للمالكية الإلهية.
  • على قدر قدسية المكان المحتل، يكون الشعور بالملكية.

وبالتالي فالكيان الإسرائيلي قائم على طغيان روح التملك، والقصد من تأسيسه “الاستعداد لمزيد الامتلاك بطريق الاحلال”[7].

  • احتلال الفطرة وإيذاء الإنسان

من “الإحلال” الذي هو احتلال للأرض الفلسطينية ومنازعة الإله في المالكية، ينتقل طه عبد الرحمان إلى نوع آخر من الإذاية سماه ب”الحلول”  وهو احتلال لفطرة الإنسان، “الذاكرة التي تحفظ القيم والمعاني الأصيلة المبثوثة في روحه منذ خلقه”[8].

هذا الحلول، المتمثل في: إفساد فطرة الإنسان الفلسطيني بغية القبول بتدنيس الأرض المقدسة، ينقسم إلى قسمين: “قلب القيم” الذي هو حلول جزئي، و “سلب الفطرة” وهو حلول كلي.

  • قلب القيم: بحيث يسعى الإسرائيليون إلى قلب قيم الفلسطينيين الأصيلة إلى أضدادها، بما يتماشى ومساعيهم في إفساد هذه الفطرة والمتجلية في :
  • إفساد الذاكرة: وهي محاولة خلق اختلال في علاقة الفلسطيني بماضيه، إما قدحا أو نكرانا أو تخاذلا. ومن أمثلة هذا الفساد أن يرى الفلسطيني “أن تعلق المسلمين بالمسجد الأقصى انتهى مع تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، أو يرى أن تعظيم الصخرة يرجع إلى الأمويين، دعما لمركزهم السياسي”[9].
  • إفساد الثقة في الذات: وهو إخلال علاقة الفلسطيني بحاضره، بحيث يفقد الثقة في القدرة على التغيير، متوهما أن مصيره هذا قدر مقدر يجب مسايرته.
  • إفساد التوجه: أي إخلال علاقة الفلسطيني بمستقبله، وجعله متقلبا في تحديد مطالبه ومقاصده، فهل يذهب مذهب الاندماج مع الاسرائيليين أم يخار خيار المقاومة أم خيار المفاوضة أم يتخذ مبدأ التعايش السلمي.

فإذا اختلت علاقة الفلسطيني بهذه الأبعاد الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، يرى طه عبد الرحمان بضرورة اختلال علاقته بالمكان.

  • سلب الفطرة: ليس هو فصل بعض القيم عن الفطرة و استبدالها بأضدادها، بل هو تجريد كلي للإنسان من فطرته، وجعله تبعا لغيره صورة وروحا. وغاية الإسرائيليين من هذا الإيذاء هو جعل “الانسان الفلسطيني مرتبطا ب”الكيان الإسرائيلي” وقد سماه طه بالحلول الكلي. وذلك حسب فيلسوفنا من خلال أربعة أشكال من التضييع:
  • تضييع الطبيعة: لما كان سلب الفطرة هو ارتباط الفلسطيني ب”الكيان” كان هدف تضييع طبيعة هذا الفلسطيني هو شرعنة الوجود الإسرائيلي بأرض فلسطين، وذلك من خلال الدخول في علاقة طبيعية معه.
  • تضييع الروح: بحيث يؤثر المطبع موت فطرته على موت بدنه، والمعرفة الأسطورية على الحقيقة الروحية، وتعلقه بالمعرفة الإسرائيلية التي تضره ولا تنفعه.
  • تضييع القداسة: فلما فسدت ذاكرة المطبع، استوى عنده احتلال الإسرائيلي للأرض المقدسة والحرم المقدس والمسجد الأقصى، بغيرها من الأمكنة. بل يتعدى هذا التجريد للقداسة حتى “للمنزل” أي الكتاب، فيعبث به “على قدر ما يطلبه المحتل الإسرائيلي”[10] وهكذا يبقى المطبع على استعداد لرفع القدسية عن كل مقدس ديني امتدت إليه يد الإسرائيلي.
  • تضييع الحياء: ويتجلى ذلك حسب صاحب “ثغور المرابطة” في: نسيان النظر الإلهي، فقدان التمييز الأخلاقي، ممارسة النفاق.

ومن خلال ما سبق يرى الفيلسوف طه عبد الرحمان أن المطبع لا يقنع بتضييع الجبلة والفطرة والقداسة والحياء في نفسه، بل يسعى إلى يضيع ذلك في كل العرب وكل المسلمين. وبالتالي، “فالمطبع ذات ضائعة ومضيعة، وتضييعها ذو وجهين: تضييع للقيم و تضييع للأمم”[11].

  • ماهية المرابطة المقدسية

باشر طه عبد الرحمان حديثه عن المرابطة المقدسية بالتساؤل التالي: كيف ندفع الاحتلالين الاسرائيليين “الاحلال بالأرض” و “والحلول بالفطرة”؟ فيجب قائلا: لا نهاية للاحتلال الإسرائيلي إلا بنهايتين: نهاية دنس الأرض، ونهاية زيف الفطرة،(أي بعودة قداسة الأرض وأصالة الفطرة)[12]، والمقاومة القائمة على هذا المبدأ هي التي يسميها طه بالمرابطة المقدسية، هذا اللون من المقاومة يتميز عنده بخاصيتين لا توجد في غيره من أشكال المقاومة هما:

  • الخاصية الائتمانية لمرابطة المقدسي:

المرابط المقدسي يستمد شرعيته الروحية من حادثة إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وحقيقة المسجد كما يقول طه عبد الرحمان أنه البيت الذي لا يملكه أحد غير الله، كما أن الإنسان قد تعهد بحمل الأمانة بعد أن أبت باقي المخلوقات حملها وأشفقنا منها، فهذا المسجد (الأرض الفلسطينية) هو أمانة الإله في ذمة المرابط المقدسي.

 فكيف يقاوم تدنيس الإحلال لأرضه مقاومة ائتمانية؟ جواب طه عبد الرحمان هو : عن طريق ثلاث مستويات:

  • تجريد الإسرائيلي من المالكية: قد وصل طغيان التملك بالإسرائيليين إلى درجة نسبة ما يختص به الله تعالى لهم، فدور المرابط المقدسي هنا أن يتصدى لهذا الجشع الامتلاكي من خلال نزع صفة “المالكية” عنهم، وعدم الإقرار بأي شيء احتلوه، مهما كانت التضحيات والضغوطات. نصرة لأرضه الذي ائتمنه الله عليها. وفي هذه الصدد يوجه الفيلسوف المغربي نقذا لادغا للمؤسسات الدولية والقوانين الدولية التي وصفها بالغير منصفة، والتي اضفت صفة الدولة على الكيان الإسرائيلي الغاصب.
  • ترسيخ ثقافة الائتمان: يأتي ترسيخ هذه الثقافة عند طه عبد الرحمان في إطار إعادة بناء الإنسان الفلسطيني عقلا وروحا. فهنا يسعى المرابط المقدسي في محيطه إلى زرع ثقافة مجددة، قصدها الأول هو إخراج القضية الفلسطينية من نطاق ملكية الأرض إلى ثقافة الائتمان، بحيث يتجدد فهم الفلسطينيين لأرضهم بأنها أمانة، وملكيتها إنما هي تبع.
  • استرداد الأمانة المسلوبة: بعد أن بين فيلسوفنا أذى الفلسطينيين من بني جلدتهم الذين أفسدتم قلوبهم شهوة الحكم فظاهروا إسرائيل وأغلقوا المعابر وقطعوا المعونات وهدوا الانفاق واتهموا المقاومة بالإرهاب وتاجروا بالقضية، يتساءل عموما قائلا: فكيف إذا والحال هذه، يسترد الإنسان الفلسطيني أرضه؟ ثم يتساءل على وجه الخصوص: هل تقدر “المرابطة المقدسية” على ما لم يقدر عليه غيرها؟ فتأتي إجابة طه عبد الرحمان منطلقة من فلسفتها الائتمانية. فهو يرى أنه على المرابط المقدسي أن يغير في خطة مقاومته مقصدا ومنها. اما من حيث المقصد بحيث يتعدى مقصده المتمثل في حفظ قداسة الأرض إلى ” “حفظ ميثاق الأمانة” الذي أخذه الحق سبحانه من الإنسان”[13]. أما من حيث المنهج “فلا يبقى إذن إلا بث الروح الرباطية في كل مكان”.
  • الخاصية الإشهادية للمرابطة المقدسية:

الخاصية الإشهادية للمرابطة المقدسية عند طه عبد الرحمان تتجلى في كون الله تعالى ذرية آدم على ربوبينه و وحدانيته، فهذا الإشهاد عنده هو الأصل في وجود الفطرة. هذه الفطرة المتجلية في الإنسان من خلال المعاني الروحية والقيم الخلقية “هي عبارة عن إرادة الله فيه”[14] (أي الانسان).

فإذا كانت علامة أصالة الفطرة هي حلول إرادة الله في الإنسان، فعلامة زيفها عند طه يلزم حلول إرادة غير الله فيه، وهذا، حال الحلولي المطبع، ففطرته هي إرادة الإسرائيلي فيه.

يقسم طه عبد الرحمان المطبعين الحلوليين من حيث سعة تأثيرهم في محيطهم إلى فئتين: “فئة الافراد” و “فئة الأنظمة”، وبالتالي على المرابط المقدسي أن يقاوم تجليات الإرادة الإسرائيلية في سلوك الفرد المطبع عن طريق تحريره بشتى الوسائل من عبوديته المزيفة. كما عليه مقاومة التدبير التطبيعي للأنظمة، وذلك أن الحاكم المطبع أوقعه تطبيعه في خيانتين خيانة لنفسه بتعبيدها للإسرائيليين وخيانة لشعبه بتعبيده لهم. فواجب المرابط المقدسي هنا “أن يعمل على إخراج الحاكم المطبع من ظلمه الناتج عن عبوديتين اثنتين…كاشفا دلائل هذا التعبيد المزدوج في تدبيره للشأن العام ومساوئ تأثيره في وضع الإنسان”[15].

خاتمة                                                      

هكذا نظر مؤلف “ثغور المرابطة” إلى الصراع الإسلامي الإسرائيلي، من زاوية فلسفية قائمة على نظريته “الائتمانية”، جعلت لب الصراع وجوهره ذا طابع ديني.

 كما كشفت هذه النظرية صورة الصراع المتجلية في أنواع الأذى الإسرائيلي، للفلسطينيين باحتلال أرضهم، وللمسلمين بتطويع إرادتهم وحملهم على التطبيع، وللإنسانية بتدنيس المقدس وقلب القيم.

وبالتالي فمعركة القضية الفلسطينية ليست معركة الفلسطينيين وحدهم وإنما هي معركة العرب والمسلمين جميعهم بل هي معركة كل أحرار العالم.

وقد اختار طه عبد الرحمان مفهوم “المرابطة المقدسية” كوسيلة فعالة لرد العدوان الصهيوني، ولم يحصر هذا المفهوم في المقاومة التي تلازم الأرض المقدسة، وإنما جعله مفهوما واسعا يشمل المرابطين بأرض القدس وخارجها. 

 

[1]  الفصل الأول من الكتاب

[2]  ثغور المرابطة، ص 19

[3]  نفس المصدر ص 21

[4]  ص 21

نفس الصفحة[5]

 ص 22[6]

 ص 23[7]

[8]  ص 24

 ص 25[9]

 ص 31[10]

 ص 35[11]

 ص 36[12]

 ص 50[13]

 ص52 [14]

 ص 56[15]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: