منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشرط الذاتي للتغيير

0
اشترك في النشرة البريدية

كثر الحديث في العالم الإسلامي اليوم، كما في العالم كله عن التغيير في مستوياته الأعلى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وأصبح السعي إلى التغيير برنامج عمل عدد من التنظيمات والأحزاب السياسية، ومحور اشتغال عدد منها، باعتباره المدخل لتحقيق الإصلاح والصلاح.
ولا يجادل أحد من المسلمين في كون المقصد الشرعي من وضع الشريعة كلها هو تغيير الإنسان الفرد، وبناؤه بناء يخرجه عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا كما قال الإمام الشاطبي[1].
كما أنه لا مجال للجدال والاختلاف في مركزية الإنسان في أي مشروع تغييري، وأنه لا يرجى تغيير في المجتمع والكون إلا بتغيير الفاعل فيه، والذي هو الإنسان. وهو ما نجده بشكل كبير في مكتوبات الفقهاء والعلماء على مر العصور، بحيث يتعذر مناقشة قضية شرعية إلا ونجد فيها خطابا مباشرا للإنسان، بل ودعوة لتغيير ما بالنفس، والنظر إلى ما هي عليه، وما ينبغي أن تكون عليه، وكيف يحقق هذا الإنسان سعادته في الدنيا ويفوز بالآخرة، بل ويفوز برب الدنيا والآخرة.
ومنطلق الحديث عن التغيير في التصور الإسلامي قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ (الرعد: 11)، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: 53) ، وهو خطاب مباشر للإنسان أن تغيير الأحوال والأوضاع لا بد له من إحقاق شرطه -وهو تغيير ما بالنفس، إنه الشرط الذاتي الذي يتوقف عليه أي تغيير يرجى، كما يتوقف عليه شرط تحقيق كمال العبودية لله تعالى؛ وهو تحرره من كل عبودية لغير الله، حتى يكون عبدا لله خالصا بإرادته واختياره، كما هو عبد لله في قضائه وقدره المحتوم.

فالإنسان بناء على ما سبق هو من يحدث التغيير وهو المقصود به، وليس مجرد أحد مكونات عجلة التطور التاريخي أو التطور المادي، ذلك أنه إذا تغير هذا الإنسان انعكس ذلك على السلوك الخارجي للفرد والمجتمع، وبالتالي على النظم والمؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، سلبا وإيجابا.
وتغيير هذا الإنسان يعني تغيير ما بنفسه، إذ النفس هي جوهرة الإنسان مقر التغيير، ومنها المنطلق في أي تغيير، فمتى غير الإنسان ما بنفسه من فطرة وأخلاق وصفات حسنة غير الله عندئذ ما بنفسه وسلب منه نعمه، لأن “نعم الله تعالى على الأقوام والأمم منوطة ابتداء ودواما بأخلاق وصفات وعقائد وعوائد وأعمال تقتضيها، فما دامت هذه الشئون لاصقة بأنفسهم متمكنة منها كانت تلك النعم ثابتة بثباتها، ولم يكن الرب الكريم لينتزعها منهم انتزاعا بغير ظلم منهم ولا ذنب، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق، وما يترتب عليها من محاسن الأعمال، غير الله عندئذ ما بأنفسهم، وسلب نعمته منهم، فصار الغني فقيرا، والعزيز ذليلا، والقوي ضعيفا”[2] .
وكذلك العكس، فإن تغيير الإنسان لموقفه من نفسه، ومن خالقه، ومن الكون، هو منطلق تغيير أخلاقه وسلوكه، وتغيير ما به من فساد وانحراف، فـ”إنما يجيء التغيير من الناس والتيسير من الله”[3] .
هذا التغيير الشامل و”الجذري في تصور الإنسان لنفسه، وللعالمين الدنيويِّ والأخروي، وللمسؤولية بين يدي الله بعد الموت، هو رسالة القرآن الخالدة إلينا. ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه، فإن ضيعوا هذه الغاية فكل تغيير دونها لا حساب به، ولا وزن له في حياة البشرية (…) هي رسالة القرآن إلى الإنسان أن يغير موقفه، وينتبه لمصيره، ويُقْبِل على نفسه يُغَيِّرُ ما بها لتُقْبِلَ على ربها. وكل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته، وعقيدته، وأخلاقه، وإرادته، وحركته كلها على الأرض، لتكون حركةً لها غاية، ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ”[4] ، تغيير ينطلق من دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، من تغيير نفسه وعقله وسلكوه، ولذلك كان الأولى بالاعتبار والأولوية، والشرط الأول لكل تغيير يرجى.


[1]- الشاطبي، الموافقات، تحقيق الشيخ عبد الله دراز، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 2001م، مج: 1، 2/144. [2]- رضا، محمد رشيد، تفسير القرآن الكريم (تفسير المنار)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د ط، 1990 م، 10/33. [3]- السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت، دار الفكر، د ط، د ت، 1/115. [4]- ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، طبعة دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 2009 م، ص 88.
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.