السمات المميزة لحركة الفكر التربوي الإسلامي

    إن الفكر التربوي الإسلامي فكر أصيل اتسم بسمات استمدها من مصادره ومنابعه وحركته الحيوية، كما له فلسفته الخاصة الثابتة في رؤية الكون التي تحدد مكانة الإنسان في هذا الوجود، وعلاقته بالموجودات، وهذه السمات تصب كلها في اتجاه بلورة الشخصيات وتعديل مسار كل من التزم بنهج هذا الفكر الوسطي الرائع الفريد، ومن أهم سمات الفكر التربوي الإسلامي مايلي:

       أولا :الشمولية

إن النهضة العلمية التي يشهدها العالم اليوم، أصبحت في جوانب كثيرة منها مصدرا للدمار والخراب لأنها اهتمت بالجانب المادي وأغفلت الجانب الروحي، وتحتاج الإنسانية إلى نهضة تجمع بين المادي والروحي، في اعتدال هو طابع من طوابع الفكر الإسلامي، وميزة من مزايا الحضارة الإسلامية، التي تعد حضارة إنسانية بامتياز.

إذ الشريعة الإسلامية جاءت مضامينها وتعاليمها شاملة لكل مناحي الحياة، فلم تترك جزئية من جزئياتها إلا ولها إزاءها تصور وحكم، ومن المسائل التي اهتمت بها الشريعة الإسلامية الغراء مسائل التربية والتعليم، ذلك أن “تربية القرآن شاملة، فهي تجمع بين العبادة الحقة والسلوك القويم، وتهتم بالفرد وبالمجتمع، وتعنى بالعقيدة الصحيحة، وتدعو إلى العمل لعمارة الكون، وتشييد صرح الحضارة البناءة، من خلال الاهتمام بجوانب النفس كلها، وعبر كل الميادين الحيوية، إضافة إلى إنصاف التربية الإسلامية باستمرار وعدم التوقف؛ لمواجهة تحديات الواقع، والعمل على إعداد الإنسان للحياة الدنيا وللحياة الآخرة؛ من خلال توازن سلوكي يحقق قضية الاستخلاف في الأرض والفوز في الدار الآخرة”(1)، إنها حقا تملك منظومة متكاملة لكل ما يتعلق بالإنسان والكون والحياة.

 

          ثانيا :الوسطية

إن الوسطية والاعتدال التي أضحت سمة بارزة في التصور الإسلامي، استطاع هذا الفكر أن ينبذ كل فكر منحرف وكل تفكير مضطرب، ويرفض كل ذهنية شاردة أو متصلبة أو متطرفة، ذلك أن كل التيارات الفكرية الغالية والمتعصبة، باد جلها، وبقي بعضها شاهدا على الصراع المذهبي، الذي مزق وفرق كلمة الأمة مدة غير يسيرة من الزمن.

“ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد”(2).

ثم إن الوسطية وسام شرف لهذه الأمة المحمدية، بهذه الوسطية استحقت أمة الإسلام أن تكون شهيدة على الناس، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(3)، فالإسلام دين وسط بين الإلحاد وتعدد الآلهة، وبين الإسراف في المادة وإهمال الروح، فوسط الشيء المادي هو مركز التوازن فيه كما يلاحظ في كفتي الميزان  -مثلا- ، فهذا التوازن المادي يقابله من الناحية المعنوية العدل والاعتدال، فالعدل في مجال السلوك والعمل والفكر هو المقابل للتوازن في لغة المادة، و”بهذا يتبين أن الوسطية ليست معيارا بشريا تحدد من خلاله الفضائل، لكنها خاصية أختص بها دين الإسلام، وتميزت بها شرائعه، فالدين وأهله براء من الانحراف، سواء الجانح إلى الغلو، أو الجانح إلى التقصير”(4).

وقس على ذلك بالنسبة للتربية والتعليم، فيتأرجح المربي ومنهجه بين المزح والحزم، بدون  إفراط ولا تفريط، بعيدا عن الصرامة والقسوة، مبتعدا عن التساهل والتسامح.

 

 

 

           ثالثا :الواقعية

إن الشريعة بتعاليمها ليست مجرد قيم عليا تحلق في سماء التنظير المجرد الحالم، فهي ليست فلسفة مجردة بعيدة عن الواقع، ولكنها تنبثق من واقع الناس وتراعي أحوالهم، وتتلاءم مع فطر الناس وتكوينهم، وميولهم ورغباتهم، وتباين قدراتهم وملكاتهم، وما يلحقهم من نقائص وحالات ضعف، فقد رغبت بنفسها عن الانحصار في قوقعة المثالية الخيالية، إلى اقتحام معترك الحياة الواقعية.

فلإسلام يراعي واقع الحياة، من حيث إنها معبر للآخرة، ومزرعة لها، فالمرء يزرع هنا، ليحصد هناك، وحينما خلق الله تعالى الخلق وقدر فهدى، كان مما قدره على عباده أن كلفهم بعبادته، فكانت هذه العبادة في حدود طاقة الإنسان وما يتحمل، مراعيا حالات المسلم المختلفة من السفر والمرض، فشرعت الرخص؛ كالفطر للمسافر في رمضان، وكالقصر في الصلاة…، يقول صاحب كتاب أصول الدعوة: “وإنما تظهر واقعية الإسلام في إيجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق، وعدم إلزامه بما كان لازما له أو واجبا عليه، أو محرما في الأوقات العادية؛ فالضرورات تبيح المحظورات…”(5).

فالتربية الإسلامية تربية واقعية يمكن تطبيقها، فلا تكليف فيها بما لا يطاق، ولا تغرق في المثالية التي تقعد بالناس عن الامتثال، يقول الله تعالى ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾(6)، فهي تطابق فطرة الإنسان، بحيث يوظف هذا الإنسان جميع طاقاته، فينطلق يعمر الأرض، ليقوم بأمانة الاستخلاف، وتحمل مسؤولية العمران والبناء، لا يقف في وجهه حاجز من التصور الاعتقادي، ولا من المنهج العلمي، فكلاهم مطابق لواقعية الطبيعة البشرية وللظروف المحيطة بها في الواقع، ومن ثم يتسنى للإنسان المؤمن أن يحقق من الإبداع المادي وفق ما يلتزمه من الصلاح الأخلاقي، بما يحققه من الرفعة والتطهر.

فالفكر التربوي الإسلامي ينطلق  في كل خطواته من خرائط مرسومة وخطط دقيقة مأمونة.

 

          رابعا :الإيجابيّة

إن الشريعة الإسلامية رسالة الله لعباده، بحملها يضمن المؤمن فلاحه، وبتركها يشقى ويلق أثامه، فهي المنهج الأقوم والطريق الأعدل، الذي يكسب السعادة والثناء في الدنيا، وينجي من عذاب الهون في الآخرة، ولما كان الإنسان الإيجابي مدرك أن له في الحياة رسالة، يكون المؤمن أكثر قابلية للتفكير الإيجابي، باعتبار الرسالة التي يحملها ويسعى جاهدا لتأديتها على أكمل وجه، كما أن هذه الرسالة التي هي الإسلام تحمل في طياتها الدعوة إلى إيجابية الفرد نحو نفسه، ونحو المجتمع من حوله.

ثم إن الإنسان يتوق للسعادة ويسعى لها، مهما كان عمره، ومهما كان الزمان أو المكان الذي يعيش فيـه، ليضفي على وجوده بهجة تنسيه ما ألم به من شقاء، وإن مما يمكن الإنسان من الوصول إلى مراده أن يقوم بطرد الأفكار السلبية التي تحد من قدراته، والتي تضيع جهوده في سبيل تحقيق ما يصبو إليه من أهداف في حياته.

“ومن هنا ندرك أهمية التفكير الإيجابي فالإنسان يستطيع أن يقرر طريقة تفكـيره فإذا اخترت أن تفكر بإيجابية تستطيع أن تزيل الكثير من المشاعر الغير مرغـوب بها والتي ربما تعيقك من تحقيق الأفضل لنفسك”(7)، إذ “يرتبط الاتجاه العقلي الإيجابي ارتباطا وثيقا بالنجاح في كل مجال مـن مجـالات الحياة”(8).

واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمواقف الإيجابية، وسعى جاهدا إلى سد منافذ التشاؤم وكل ألوان الانهزامية، وركز على غرس التفاؤل والأمل والفرح المستقبلي، وتوقع الخير بحسن الظن بالله، والنظرة الإيجابية لكل شيء، ويرشد النبي أمته إلى الالتزام بالعمل الإيجابي ومواصلة تنمية الكون حتى ولو كانت القيامة تلوح في الأفق، قال رسول االله: “إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ “(9).

إنه الحرص على حماية حقوق الأجيال القادمة في هذه الموارد الطبيعية، فيما يعرف اليوم بالتنمية المستدامة، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع، فكيف بمن يسهر على مستقبل الإنسانية جمعاء، أن يغفل أو يتقاعس في خدمتها وهو موجود في زمانه يبلغها أمر ربها، بالحكمة والموعضة الحسنة وبالتي هي أحسن، “لذا يجب علينا أن نسأل أنفسنا عن حقيقة مشاعرنا تجاه الآخرين، هل هـي مشـاعر إيجابية ؟ أم مشاعر سلبية ؟ حتى ننجح في إدارتها، وتصويب سهامنا للوصول إلى قلـوب الناس بأقل مجهود وأقصر الطرق نجاحا لفتح مغاليق القلوب”(01).

إن المتأمل في القصص القرآني من أحوال الأنبياء مع أقوامهم، وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في سيرة صحابته أجمعين، والأتقياء من بعدهم من التابعين، علم أن الإيجابية كانت حاضرة دائما في إدارتهم أمورهم، وتدبيرهم شؤونهم، وبناءهم الإجتماعي حاضرا ومستقبلا.

هذا ما وسعنا ذكره حول السمات المميزة لحركة الفكر التربوي الإسلامي، ولو لا خشية الإطالة، لأفضت القول، لكنني أكتفي هنا بما قد أبنت، بأربع سمات أحسبها جامعة مجملة، واللبيب من الإشارة يفهم.

 

       
   
 
     

 

 

(1) بديوي يوسف، وقاروط محمد، تربية الأطفال، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2001م، ص 108.

(2) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ج2، ط3، 1416هـ/1996م. ص496.

(3)  البقرة: 143.

(4) عبد الرحمن اللويحق، الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، دراسة علمية حول مظاهر الغلو ومفاهيم التطرف والأصولية، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط1، 1412ه/1992م. ص 32.

(5)  عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ج1، ط3، 1421هـ/2001م. ص76.

 (6) البقرة : 286

(7)  كيت كينان، تنظيم وتفعيل الذات، ﺍلدار العربية للعلوم، بيروت، ﻁ1، 1415ه/1995م. ص 510.

(8)  برايان تريسي، غير تفكيرك غير حياتك، مكتية جرير، الرياض، ط1، 1428ه/2007م، ص 230.

(9) رواه أحمد (12512)، واللفظ له، والبخاري في الأدب المفرد (1/168)، وقال الألباني: حديث صـحيح، سلسـلة الأحاديث الصحيحة، رقم 9.

(10) وفاء محمد مصطفى، حقق أحلامك بقوة تفكيرك الإيجابي، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1425ه/ 2004م، ص 122

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: