الزواج، بناء على أي أساس؟

من أكرم ما امتن المنان به على عباده نعمة الزوجية، حيث انعقاد الميثاق الغليظ الذي يربط بين الرجل والمرأة فيجتمعان على ما يرضي المنعم سبحانه، ويتكاملان، ويتعاونان لتحقيق مقاصده وأهدافه، في سير قاصد نحو الهدف الأكبر والطلبة العظمى: رضا الله تعالى، فيتنعمان سويا بعطائه مودة وسكنا وتراحما في الدنيا، ونعيما مقيما لا تغيب عنه الذرية الصالحة في الأخرى: “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ[1]” “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيّاَتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[2]

هي سنة مطردة في كل الخلائق، وهي عند الإنسان المكلف أخص، ليحثنا على التفكر في نعمائه وجزيل آلائه: ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[3]

صور لنا الدين الحق الزوجية أجمل تصوير، فاعتبرها السكن واللباس، والحضن الدافئ الذي يحتمي فيه الزوجان من خشونة الحياة ولأواء السعي، فيفضي كل منهما إلى الطرف الآخر، بل يفضي إلى شق نفسه ومنبع هنائه وطرف ذاته فيطمئن ويسعد.

لكن دون الاجتماع في سقف الزوجية المبارك وعشها الدافئ، خطوات لا بد من قطعها بخطى ثابتة ويقين راسخ في خيرة الله تعالى وحسن توفيقه، ارتأيت من خلال هذه الكلمات أن أجيل النظر في حقيقة هذه العلاقة وآداب الارتباط.

تمعنت في حقيقة الرباط فوجدته مقدسا. نظرت إليه فوجدت لبه عبادة وعمارة، يعبد المؤمن وتعبد المؤمنة الله ربهما حينما يستجيبان لنداء الفطرة في رحاب ما أحل الله ربهما، يبتعدان عن الحرام وتعافه نفساهما لأنه مذلة ودوابية لا تناسبان إنسانية الإنسان المكرم ولا تلائمان عفته وإذعانه لمحبوبه الذي حرم عليه الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وقف الصحابة رضي الله عنهم متعجبين من غيرة سعد رضي الله عنه فقال عليه السلام كما في الحديث المتفق عليه: “أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن[4]“.

آالله يغار علينا نحن خلقه؟ أليست الغيرة برهان المحبة؟ فكيف نبادل محبة المحبوب بالصد والبعاد والمعصية!

ثم جُلت ببصري، فوجدت الميثاق الغليظ سفرا إلى الله، ومن متعلقات السفر ومقتضياته الزاد الطيب، فكان لا بد للمسافر من قرين صالح يزيده في الله قربا ومحبة وشغفا، فكان اختيار الرفيق على أساس متين يراعى فيه حق الله، وحق النفس، وحق الأمة.

نظرت إلى السنن المطردة في الخلائق فوجدتها مبنية على التوافق والتناسق، وجلت بخاطري في الخلائق فوجدت الجم منهم يبني علاقاته على نفاق اجتماعي محض، فعدت إلى رب الخلائق فوجدت مبعوثه صلى الله عليه وسلم يُروى عنه كلام جامع مانع عظيم مؤثر ومجرب، أن ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد، وعلمت أن التعارف مطلب نظمه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حينما وجه صاحبه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وقد أراد أن يتزوج: “أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما[5]”، فعلمت أن النظر مطلوب، ينظر إليها وتنظر إليه. النظر سنة وإن منع الحياء، والنظر نظران، بعين البصر المستجلية لمظاهر الأشخاص ورسومهم، ونظر البصيرة لمن وفقه الله تعالى إلى الغوص في الجوهر والمكنون لتلتقي الأرواح على أمر قد قُدر: “الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف[6]“.

ما أجمل أن نفوض الأمر إلى الله تعالى خالقنا ومقدر أرزاقنا: “وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا[7]“.

ما ألذ أن نتذلل بين يديه ونبكيَ عند أعتابه متبرئين من حولنا إلى حوله ومن قوتنا إلى قوته.

ما أعظم أن ندعوه وهو الواعد بالاستجابة أن يختار لنا، ” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا[8]“.

ما أجل أن نناجيه وهو الأعلم بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، أن نبثه مطالبنا ونستخيره في أمرنا، كل أمرنا، وإن كان شراك نعلنا فما أحرانا بشريك حياتنا وذخر آخرتنا.

ما أجمل أن يكونا واقعيين حتى لا ينظرا إلى بعضهما نظرة مثالية ملائكية، لأسرع ما يخدشها واقع المعاشرة اليومية وتباين الطباع… التي تحتاج إلى صبر ومصابرة حتى تتوافق وتنسجم.

كم تضيع أعمار في البحث عن مواصفات لو وجدت مكتملة في أحد الخلائق ذكرا كان أو أنثى لكان حقيقا بباقي الخلائق أن تنصبه للخلافة.

كم تضيع أعمار في البحث عن المواصفات الدنيوية المحضة، وليس عيبا أن نختار من تميل إليه قلوبنا بميزان ثابت، لكن العيب أن نجعل المظهر أولى من الجوهر.

دخل أحدهم عند أحد الصالحين عارضا مواصفاته في زوج الغد طالبا العون فقال: “أريدها بيضاء من غير سمرة، طويلة من غير قصر، وممتلئة من غير سمن”، فما تركه يتم حتى قال له: “على طلبتك وقعت”، فقاده إلى المطبخ حيث توجد المواصفات مكتملة… إنها الثلاجة!

ما أجمل أن نتسلح بالذوق الكامل ونحن نتعاطى مع أمر الخطبة، ما أحسن أن تراعى الأعراف الاجتماعية، والعادة محكمة ما لم تخالف شرعا، حتى لا يقع الخاطب في حرج التعامل فيُنتقص من مروءته لخطإ كان بالإمكان تفاديه مع شيء من المشورة والنصح.

خطب أحدهم فتاة من مركز اجتماعي مرموق بخبزة وقليل من السكر، وليس القصد هنا الدعوة إلى المغالاة في المهور وهدايا الخطبة، ولكن من شأن مراعاة العادات حفظ المروءات.

الزمن الذي رفع شعار تعميق التعارف قبل الزواج هو ذاته الزمن الذي سجل أرقاما قياسية لحالات الطلاق وقضاياه التي تعج بها محاكم الأسرة، هو ذاته الزمن الذي أعرض الإنسان عن حقيقة أخيه الإنسان وبحث عن إنسان آخر افتراضي من وراء خيوط شبكة العنكبوت.

وإن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، وكل معيل عمن يعول، حتى لا يظن أن مسؤولياته لا تتجاوز مطالب المعاش، وإنما تتجاوزها لتحفظ الأهل من شرور الدنيا وسوء مصير الآخرة، فيلتقيان وقد استجمعا شروط اللقاء، على حب الله تعالى وحسن تربية الذرية، وهي من عملهما الصالح لا محالة.

لسنا بصدد تحديد أحكام الزواج التفصيلية والشروط والأركان، والأحكام الخمسة التي تعتريه، إنما هي وصلة تذكير، ونحن في موسم تكثر فيه مراسم الاحتفال. هي كلمة بسيطة يقرأها فلان أو فلانة فتثمر وتزهر، وتسهم في بناء عش متين عصي عن نتوءات الواقع وإشكالاته، فتسعد قلوب باللقاء على الله جل وعلا ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزخرف، الآية 70

[2] سورة الطور، الآية 19

[3] سورة الروم، الآية 20/21

[4] أخرجه البخاري رحمه الله في الحدود، 6454، وفي التوحيد، 6980، ومسلم رحمه الله في اللعان، 1499 وغيرهما.

[5] أحرجه الأئمة النسائي 2 / 73 والترمذي 1 / 202 والدارمي 2 / 134 وابن ماجة 1866.

[6] أخرجه الأمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة، رقم 2638، وأبو داود في سننه، الأدب، رقم 4834

[7] سورة الطلاق، من الآية 3

[8] سورة الأحزاب، الآية 36.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: