منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرؤى الحداثية لعلاقة الدين بالسياسة

0
اشترك في النشرة البريدية

ظهرت لفظة الحداثة في فرنسا بعد الثورة الفرنسية عام 1789، الثورة التي جعلت حدا فاصلا بين عهد قديم ظهر في بداية القرن السادس عشر، الذي سمي آنذاك بعهد “النهضة والتنوير”، وبين عهد حديث أيقظ أوربا من سبات القرون الوسطى على حداثة أصبحت هي منهج الحياة والتفكير والحكم، ومعلما يسترشد به الإنسان الأوربي، وأسلوبا اجتماعيا وثقافيا للحياة.

هذه الحداثة نبعت ونبتت في أوربا، فانبهر بإنجازاتها العلمية والتقنية مثقفون من بين جلدتنا فنقلوها إلى بلداننا العربية، ودافعوا عنها كبديل لثقافة ضحلة لدينا، واتخذوها عصا غليظة لهدم “ثراثنا القديم” الذي أصبح في رأيهم ركاما من منتوجات فكرية وثقافية تقادمت وأصبحت فضلات ونفايات يجب التخلص منها ورميها في مزبلة التاريخ. بل من هؤلاء الحداثيين من يتخذ الحداثة مبررا للاستعمار العسكري والاقتصادي لعالم الجنوب، الذي ننتمي إليه، والذي يجب أن يكون سوقا لترويج منتجات الحداثة إن هو أراد التخلص من ماضيه القديم ومن أغلال التخلف الموروث والسير على ركاب التطور والتقدم لدول الشمال.

إنهم يعتبرون الحداثة: ثورة الإنسان المستنير على التقاليد، وتقديس للمجتمع وخضوع لقانون العقل الطبيعي. والحداثة هي: “إنجاز للعقل، للعلم خاصة، للثقافة والتربية، لذلك يجب أن تنحصر أهداف السياسات الاجتماعية التحديثية في تعبيد الطريق التي يسلكها العقل بإلغاء التقنيات والموانع الحرفية والحواجز الجمركية. هكذا نجد أنفسنا أمام إيديولوجية حداثية تدعو إلى: إخلاء الطريق لكي يبدد “الإنسان المستنير” “ظلام التقليد” التي تتمثل عند الغرب في “المستنيرين” من أبناء الإسلام الظلامي”[1].

هذه هي الحداثة إذن، كما صاغها الأوربيون الحداثيون وروجوا لها، حداثة لا تعترف بالقيم الأخلاقية ولا بالمعتقدات والمقدسات ولا التقاليد ولا الأعراف، لا تؤمن بالله ولا بالآخرة، ولا البعث ولا النشور، ولا الموت ولا القبور. حداثة لائكية مبدؤها “الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الديني بحيث لا تمارس الدولة أية سلطة دينية ولا تتمتع الكنائس بأية سلطة سياسية”[2].

المزيد من المشاركات
1 من 15

لكن مثقفينا المنتدبين لترويج الحداثة في بلداننا نقلوها إلينا مبتورة من عمقها اللائكي خشية الاصطدام مع العقل العربي المسلم المبني على “المعتقدات الدينية” اللاهوتية – كما يسمونها – و”التقاليد المجتمعية”. فأفرغوا الحداثة الفرنسية الأصل، اللائكية المذهب، من إلحادها وحملوها حمولة قومية عربية علمانية حتى تتوافق البضاعة مع متطلبات السوق. حديثنا في هذا البحث سيكون – إن شاء الله – عن رؤية هؤلاء الحداثيين العرب للدين، وبالضبط الإسلام وعلاقته بالأمة، أي العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي.

أولا: رؤية الحداثيين للدين:

1. الرؤية المختزلة للدين:

هذه الرؤية تنبني على إقصاء الدين من جميع جوانب الحياة وتحصره في الجانب التعبدي فقط. فقد عرف محمد أركون الإسلام فقال: “فكلمة إسلام في القرآن تعني الدين الأولي والشعيرة النقية والطاعة العاشقة والكلية”[3]. فهو يختزل الدين الإسلامي في شعائر تعبدية روحية، وحركة محددة تؤدى في أوقات معينة، وطاعة مطلقة للرب دونما اجتهاد ولا تصرف. فالإسلام عنده: دين الانقياد المطلق الذي لا يصلح معتنقه إلا للقبوع في ركن المسجد يسبح ويحوقل، ويترك شؤون دنياه يتصرف له فيها الخبراء الحداثيون.

ثم يضيف ويقول: “يوجد هنا معطى تاريخي أعظم ينبغي أن يوحد كل تأملنا وتفكيرنا: فقد اعتاد الجميع على إبراز الأديان التوحيدية بصفتها وحيا معطى أو نزولا لله في تاريخ البشر بحسب ذلك المجاز القرآني (التنزيل) الذي يجد مقابلا له في العقيدة المسيحية القائلة بتجسيد الله في يسوع المسيح الإبن (…) إن هذا المعطى متعال ومقدس. ويهدي البشر في تاريخهم الدنيوي لكي يحصلون في نهاية المطاف على نجاتهم في الدار الآخرة”[4].

فالوحي المنزل كما صوره أركون ينبني على أن: الله هو الذي يقول الحقيقة – القانون – للبشر، وهو الذي يحدد الوسائل التي تمكن الإنسان من نيل الخلاص الأبدي عن طريق اتباع الحق باستمرار ودون تخاذل أو تردد. وهذا الحق مشكلته أنه واحد مطلق غير قابل للمناقشة. وبالمعنى الحرفي للكلمة – أي الحق – شمولي وإجباري، فهو لا يقر الاستثناء ولا النسبية ولا الفروق الخفية ولا التاريخ ولا المراجعة، وهو يساوي في ذلك بين الإسلام والمسيحية.

وكل هذه التصورات في رأينا خاطئة للأسباب التالية:

أ – السبب الأول: إن المفهوم القرآني للإسلام لا ينحصر في المستوى التعبدي الروحاني فقط. بل يشمل جميع جوانب حياة الإنسان الدينية والدنيوية. فالله تعالى أمر عباده في القرآن بأداء الشعائر الدينية كما أمر بالحكم بما أنزل الله، وأمر كذلك بإقامة العدل بين الناس والمساواة بينهم، وأمر بالأخذ بيد الضعيف والضرب على يد الظالم، وحث على طلب العلم وغير ذلك مما ينفع الناس. فالمفهوم القرآني للإسلام إذن، يشمل جميع جوانب الحياة: الجانب التعبدي والجانب الاجتماعي والعلمي والسياسي والاقتصادي.

ب – السبب الثاني: يقابل أركون الإسلام بالمسيحية وبالتالي يسقط أكاذيب وأضاليل الكنيسة المسيحية على الإسلام. وهو بذلك ينهج منهج الأوربيين في تعاملهم مع الدين. الأوربيون الذين لا يزالون يعيشون على هاجس اسمه الدين، دين صنعته لهم الكنيسة واتخذت لها بموجب ذلك السلطة المطلقة في جميع مجالات الحياة.

كان الناس يعيشون تحت إرهاب الواعظ المزمجر وتحت سوط “اليد الدنيوية” يد الجلاد الذي كان ينفذ أحكام المحاكم الكنسية النائبة عن الله في الأرض، فتولد عند الأوربيين بسبب ذلك القهر والتعذيب حقدا كبيرا جعلهم يثورون كلما سمعوا حديثا عن الدين. أما الإسلام فجاء وحرر الناس من الرق ومن العبودية، وكرم المرأة بعد ما كانت وصمة عار في المجتمع. جاء الإسلام رحمة بين الناس وساوى بين الضعيف والقوي، وآخى بين الفقير والغني وبين المرأة والرجل، وألف بين قلوب الخلق بعد ما كانوا قبائل متناحرة. فالفرق إذن بين الإسلام والمسيحية كبير وشاسع، بل لا مجال للمقارنة بينهما.

ج – السبب الثالث: يصور صاحب هذا الرأي الإسلام كذلك بأنه الانقياد المطلق والانصياع الأعمى دونما نقاش. وهو بذلك ينفي أصلا من أصول الدين الذي هو الاجتهاد في تنزيل الأحكام، فالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب، هي مصادر عقلية تفتح للإنسان بابا واسعا للاجتهاد والتشريع.

2. الرؤية المجزأة للدين:

هذه الرؤية تقسم الإسلام من حيث الممارسة إلى ثلاثة أقسام: الإسلام الشعبي والإسلام الرسمي والإسلام السياسي. يرتبط الإسلام الشعبي بآليات التدين التقليدي حيث تكتسب “العبادة” صفة العادة المتكيفة مع تقاليد المجتمع المحلي وخصوصياته الثقافية والحضارية والاجتماعية. والإسلام الرسمي يرتبط بالمؤسسة الفقهية المشيخية التي غالبا ما تكون جهازا منصبا من أجهزة الدولة. ويمكن وصفه على نحو ما بإسلام “رجال الدين”. بينما يرتبط الإسلام السياسي نظريا – حركيا بشعار الدولة الإسلامية”[5].

هذا الأسلوب التجزيئي للإسلام يعتمده أغلب منتقدي الإسلام ليسددوا إليه سهامهم جزءا جزءا. فيأخذون هذا الجزء أو ذاك منفردا وحده، ثم يعمدون إلى نقده وتجريحه، خصوصا، حيث يحاكمونه على أساس منظور آخر يقوم على منطق غير منطق الإسلام. فيسجلون بذلك نصرا سهلا، ويضعون المدافع عن الإسلام في مواقع ضعيفة وهو يدافع عن ذلك الجزء.

فالإسلام جاء شاملا للأقسام الثلاثة السالفة الذكر: القسم العبادي والقسم العلمي والقسم السياسي، ويناقش في كلياته لا في جزئياته. فلو نوقش كل قسم من هذه الأقسام على حدة خارج الإطار الإسلام الكلي يفتقد كثيرا من معناه ولا يصبح قسما منطقيا، فلو نوقش الجانب العبادي سيصبح ما بين يدينا مسيحية لا إسلاما وإذا نوقش الجانب العلمي على حدة سيصبح ما بين أيدينا فكرة أو إيديولوجية، وإذا نوقش الجانب السياسي على حدة سيصبح ما بين أيدينا حركة أرضية نضالية مصلحية.

ولهذا، إن الانزلاق في مناقشة أي قسم من الأقسام على حدة لا يجعل من الممكن الحديث عن الإسلام بشكل موضوعي ومنطقي.

3. أولوية الواقع على الدين:

والرؤية الثالثة للدين لا تقول بحصره في المجال التعبدي ولا تجزيئه إلى أجزاء متفرقة، بل لا ترى بأسا في الإبقاء على ظاهر الدين لكن تفرغه من محتواه الباطني. فهي ترى بذلك ضرورة إلغاء الأحكام الشرعية “القديمة” واستبدالها بأخرى جديدة. فالدكتور حسن حنفي مثلا، يرى ضرورة “إعادة تفسير التراث – الدين – طبقا لحاجات العصر”[6] ويرى أن الخطأ يكمن في كوننا “نأخد نفس الاختيارات – أي الاختيار القديم – بالرغم من تغير حاجات العصر”[7] لذلك أسس قاعدة تقول: “الواقع له أولوية على كل نص”[8].

إلى هذا الاتجاه ذهب أيضا الدكتور النويهي بقوله: “الحقيقة التي يشهد لها التاريخ هي أن القيم الأخلاقية ليست قوالب ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، بل هي تطور دائم وتبدل مستمر، وسر هذا أنها ليست اعتبارات نظرية بل هي أمور حيوية جدا، متصلة أشد الاتصال بضرورات المجتمع وظروفه، مرتبطة بنظمه السياسية وأقواله المادية وأوضاعه الاقتصادية وطرق تحصيله للرزق، فهي تتغير أو ينبغي أن تتغير، كلما تغيرت هذه الظروف واختلفت هذه الضرورات”[9]. فأصحاب هذه الرؤية يرون أنه مع تغير الأنماط الحضارية واللحظات التاريخية يتغير كل شيء، حتى القيم فهي تتغير حسب أحوال الناس وأوضاعهم. فلا مبادئ ثابتة، ولا قيم محافظة، ولا معتقدات راسخة. ندور حيث ما تدور بنا الحضارة والتكنولوجيا.

إن نحن سلمنا بهذا الرأي، وأخضعنا الدين للواقع، ووقفنا عند كل قضية على حدة وأسقطنا عليها أحكاما مختلفة باختلاف الواقعة وظروفها وملابساتها فإننا سنكون أمام قضية واحدة بأحكام متعددة، فتصبح بذلك الأحكام والتشريعات لا دور لها ولا معنى.

ميزان الترجيح عند النويهي ورفاقه في (مدرسة “اليسار الإسلامي”) هو الواقع، هو السيرورة التاريخية. والشاهد عندهم في ذلك أن الوحي الإلهي انتقل بالإنسان من الأهلية إلى الإسلام عن طريق تغيير القيم السائدة آنذاك، ونحن مطالبون اليوم باستبدال تلك القيم الإسلامية بقيم جديدة تنقلنا إلى مجتمع الحضارة والتقدم.

لذا فهم ينادون بضرورة تأسيس علم جديد اسمه “أولوية الواقع”، علم ننسلخ بموجبه عن أصول الدين وعلوم الشريعة، ونخضع للواقع المفروض علينا ونؤسس له علما يتناسب معه.

خبير فقه الأولويات المعاصر الدكتور يوسف القرضاوي عرف الواقع في الإسلام فقال: “مراعاة واقع الكون من حيث هو حقيقة واقعة، ووجود نشاهده ولكنه يدل على حقيقة أكبر منه ووجود أسبق من وجوده، وهو وجود الواجب لذاته، وهو وجود الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا”[10].

عندهم الواقع مقدم على النص، بل صانع له، وعند عالمنا الجليل الواقع تابع للنص تبع المخلوق للخالق وتبع الأحوال لمدبرها.

ثانيا: رؤية الحداثيين لعلاقة الدين بالسياسة:

كل الأصناف التي ذكرنا من الحداثيين تميز بين ما هو ديني وما هو سياسي وترى ضرورة الفصل بينهما وإن من وجهات نظر مختلفة، لكنهم يلتقون في نقطة واحدة وعند قضية واحدة، هي إقصاء الإسلام عن الحياة العامة وإقصاء الإسلاميين من المجال السياسي ليحشروا في المساجد يسبحون ويحوقلون ملء خمولهم مع العاجزين.

فأركون يعبر عن موقفه من هذه القضية فيقول: “وأما من الناحية الإسلامية فإننا نجد أن استمرارية “الوهم” (بالمعنى الفرويدي) وتفاقمه هما اللذان انتصرا تاريخيا. فالمتخيل الديني التقليدي لا يزال في النظام السياسي والاجتماعي شيئا يسيطر عليه الوحي المعطى أو ينبغي أن يسيطر عليه”[11].

ثم يضيف قائلا: “وهكذا انتصر في كل مكان اليوم – وبشكل كلي – خطاب عقلانية التغير، هذا الخطاب الذي ساد وانتصر في عهد أعضاء الجمعية التأسيسية من الثوار الفرنسيين، وبهذا المعنى فإن للثورة الفرنسية مكانة النموذج المثالي الأعلى الذي يقف في مواجهة النموذج المثالي التقليدي لمعطى الوحي”[12].

يرى أن الدين الإسلامي عدو الحداثة، لأن نظرياته ماضوية وهي لذلك مستحيلة التطبيق ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى النتائج المأساوية التي جربت في الماضي وآلت إلى ضعف المقاومة للغزاة وإلى الانحطاط الحضاري والتقهقر الذي جلب الاستعمار.

أما أصحاب النظرة التجزيئية للدين فيرون أن النظام الاجتماعي الذي يختفي وراء وحدة السياسي بالروحي نظام يقوم على تمييز اجتماعي طبقي صارخ. وبالنظر إلى طبيعة هذه الوحدة التي لا تتيح فرصا للتنفس الصحي والتطور الطبيعي، تبدو عملية تصفيتها ضرورة فكرية – اجتماعية سياسية لا مفر من التصدي لها بشجاعة[13].

لذا وجب عندهم فصل الجزء الروحي الديني عن الجزء السياسي الاجتماعي حتى لا يقع الجزء الثاني تحت سلطة الأول فتصادر حرية الفكر ومعها حرية الاجتهاد وينطوي منطق المطلق على استيعابه واحتوائه بشكل كامل أو إبعاده ورفضه بشكل مطلق.

فالمطلق الروحي، يقول حلمي شلبي: “إذا ما أراد أن يجسد نفسه في تعبير سياسي فليس من المتاح لمثل هذا التعبير إلا أن يتبع نفس الروح (…) أي أن يكون تعبيرا سياسيا قاطعا يفتقر نظامه الخاص إلى مساحة للتعبير الديمقراطي أو الاختلاف السياسي”[14].

أما أصحاب نظرة “أولوية الواقع” أو “الواقعية التراثية” كما سماها الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “الإسلام والقومية العلمانية”، فيرون أن لكل مقام مقالا، وأن لكل طور تاريخي ولكل خصوصية ظرفية إيديولوجية تناسبهما وبالتالي فلكل زمن شريعته.

صاغ علي شريعتي، إمام هذا الاتجاه، قانونا أسس بموجبه مذهبا للتعامل مع الدين وعلاقته بالسياسة فقال: “وهناك قانون فحواه: إننا في ظل ظروف اجتماعية معينة تستدعي كلاما خاصا، وتتبنى أهدافا معينة وطرح قضايا معينة. إذا وجهنا الأذهان وشغلنا بأمور أخرى نكون قد ارتكبنا الخيانة مهما كان ما يطرح من قبيل الحقائق العلمية أو الدينية أو الفلسفية ولو كان بين أيدينا من الأدلة لإثباتها ألف دليل”[15].

إنه قانون التدليس، فلا حق ولا باطل، لكن واقعية انتهازية.

علق الأستاذ عبد السلام ياسين على هذا القانون فقال: “فالقانون واضح، كأن يقول: مهما كانت الحقائق التي نؤمن بها ومعنا لإثباتها ألف دليل، فحذار أن نظهرها أو نستعملها، بل نستعمل الشعارات التي تروج سياسيا ونتبنى الأهداف الرائجة عند الشعب. إيمانا بأن الدين إيديولوجية مرحلية، وأن العقلانية الليبرالية أو الماركسية هي الحق، وأن الاشتراكية هي العلم وهي المستقبل، كل هذا نكتمه حتى تتمكن أقدامنا في الساحة الشعبية، ولن يكون لنا هذا أبدا إن لم نحرك “المخزون النفسي” – على حد تعبير حسن حنفي – للجماهير يرفع شعارات الإسلام”[16]. أصحاب هذا الرأي، رأي التدليس، يرون أن الأمة الإسلامية لما تنضج تاريخيا، لما تصل إلى طور تستطيع معه تقبل “الحقائق الصادقة” القائلة: إن الدين هراء تسلت به البشرية في طفولتها، والإسلامولوجيا أداة مداهنة للحصول على ثقة الجماهير المعبودة الغالية. هذا الموقف بديل إيجابي عن النواح العاجز الذي يسود أوساط المستغربين أسفا على انقطاعهم وغربتهم على الجماهير التي ترفض كل ما عدا الإسلام. فعلي شريعتي ومدرسته طليعة متقدمة في هذا الميدان، تخرج منها العديد من تراثيينا الحداثيين أمثال حنفي وفودة والعروي.

خاتمة:

والحقيقة من هذا كله أن هذه الرؤى الثلاث لم تظهر إلا كرد فعل على الصحوة الإسلامية المباركة التي عمت كافة أقطار البلدان الإسلامية وسحبت البساط من تحتهم، يؤسسون نظرياتهم هاته لفصل الدين عن السياسية، ويعلنون عزمهم على فرضها في بلاد المسلمين لقطع الطريق على أبناء هذه الحركة ونشر خطهم السياسي الهادف إلى إقامة الدولة الاشتراكية العلمانية.

يقولون إن الدين لا علاقة له بالسياسة، والله تعالى أرسل كافة رسله لإحداث انقلابات سياسية يتم بموجبها إقامة دولة إسلامية تكون فيها العبودية لله وحده، كان آخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قاد غزوات وعبأ حروبا ونظم هجرة لإعداد القوة وعقد معاهدات التعايش مع اليهود وتصالح مع قريش وربط أحلافا مع القبائل، كل ذلك كان من أجل بناء دولة إسلامية.

ويأتي بعد ذلك بعض مثقفينا ممن تتلمذوا على يد الغرب وأحلافه ليعلمونا أن الدين والسياسة ضدان لا يلتقيان.

قال الله عز وجل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)[17].

فالله تعالى أمر أن تكون منا أمة (أي جماعة) خاصة منظمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن الانتماء لهذه الجماعة قربة عظيمة وشرف عند الله كبير. وأن هذه الأمة الخاصة واجبها الأول أن تنكر المنكر الأول وهو الحكم بغير ما أنزل الله. وأن تأمر بالمعروف الأكبر وهو إقامة دين الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – آلان تورين، نقد الحداثة، نقلا عن كتاب الإسلام والحداثة للأستاذ عبد السلام ياسين، ص 45.

[2] – معجم روبير، نقلا عن المرجع السابق، ص 73.

[3] – أركون، الحركات الإسلاموية، ترجمة هاشم صالح، مجلة الوحدة، العدد 96، ص11.

[4]– أركون، المرجع السابق، ص 13.

[5] – جمال بارون، الخطاب الإسلامي السياسي، مجلة الوحدة، العدد 96، ص 17.

[6] – حسن حنفي، التراث والتجديد، ص 2.

[7] – نفس المرجع، ص 20.

[8] – نفس المرجع، ص 88.

[9] – محمد النويهي، نحو ثورة في الفكر الديني، ص 64.

[10] – القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، ص157.

[11] – أركون، مرجع سابق، ص 13.

[12] – أركون، مرجع سابق، ص 13.

[13] – حلمي شلبي، التمزق الفكري والروحي في مصر، مجلة الوحدة، العدد 96، ص 88.

[14] – حلمي شلبي، مرجع سابق، ص 88.

[15] – عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، ص37.

[16] – عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، ص 38.

[17] – آل عمران، الآية 104.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.