الدولة_المدنية: تَهَافُتٌ نَظَرِيٌّ أَمْ تَجَاوُزٌ لِلدَّوْلَةِ الْحَدِيثَةِ؟ (2)

نستأنف حديثنا عن الدولة المدنية بعدما أكدنا في الجزء الأول من هذا المقال على الخلاصات التالية:

— أن مصطلح الدولة المدنية، مصطلح مُحْدَثٌ في سياق عربي محض.

— أن المصطلح كما يُتداول في السياق العربي، يعتبر مصطلحا غريبا عن الحقل النظري الذي تحددت فيه الدولة إبستيميا بكل أنماطها.

— أن مصطلح Etat civile في كل المعاجم الفرنسية وحتى الإنجليزية civil statut لا يشير البتة إلى الدولة، بقدرما يشير إلى القانون المنظم للأحوال الشخصية.

— أن مصطلح الدولة المدنية كما هو متداول عربيا يكون متماهيا مع الدولة الحديثة عند اللائكيين، اللهم إضافة شرط تحييد الشأن الديني عن الشأن العام وجعله شأنا خاصا. في المقابل يكون مزايلا للدولة الحديثة عند الاسلاميين، إذا ما استحضرنا نمط الحكم الراشد الذي يسعى التيار الإسلامي لإحيائه وتجديده وفق معايير عصرية لا تمس بجوهر مشروعه. فاللائكيون يدعمون قيام فضاءات دولتية بديلة للفضاءات الدينية التي خلفها التاريخ، في حين أن الإسلاميين يسعون إلى تقليص دور الدولة مقابل الفضاء المدني المناسب لطبيعة الحياة الإسلامية القائمة أساسا على الأخلاق والتعاون والدعوة إلى الخير والفضيلة. وقلنا أن كلا الطرفين يختبئ وراء الدولة المدنية محتفظا ببسط مشروعه في مناخ يقبل بالتعددية والاختلاف.

— توصلنا كذلك أن الدولة الحديثة ليست مدنية تعريفا، بل هي مؤسسة حكم تجسدت فيها سلطات شبه مطلقة حازت بموجبها حق التحكم في كل ما هو مدني.

— ثم خلصنا إلى أن الدولة الحديثة تغولت وتضخمت إلى حد لم تترك فيه مجالا لأي ممارسة نابعة من الحرية والاختيار المدني. الأمر الذي أدى إلى طغيان القانوني على الأخلاقي في كل مفاصل وتفاصيل الحياة الفردية والجماعية.

كل هذه المعطيات تدفعنا لنتساءل: ألا تعبر الديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني في الدولة الحديثة شاهدة على مَدَنِيِة الدولة، وأن الأفراد والجماعات بممارستهم لحرية الاختيار، هم من يحدد نمط الحياة التي يريدون؟

أنطلق من فرضية مفادها أن الدولة الحديثة القائمة اليوم على الديمقراطية بكل أشكالها لم تتمكن بتاتا من تحرير الفضاء المدني، بل لم تُمَكِّنْ المجتمع من اكتساب سلطة توازي على الأقل سلطة الدولة. وقد يتعجب الكثير من القراء من هذا التشخيص للدولة الحديثة، ومحدودية الديمقراطية تمكينَ الناس من حرية التصرف في الفضاء المدني. صحيح أن النظام الديمقراطي فيه بعض التمكين للناس، لكنه تمكين لا يُسْمَحُ به إلا بعد التسليم المطلق بالاستحواذ الشامل للدولة على سلطة القرار. هذه هي العقدة التي يجب الانتباه إليها واستحضارها، ونحن نتحدث عن علاقة الديمقراطية بالفضاء المدني؛ هل يا تُرى أن الديمقراطية تنتمي إلى الفضاء المدنيcivil society، ام تنتمي إلى الدولتي under state control ؟ دائما تقترن الديمقراطية بوصف “اللعبة”، التي تحدد الدولة سلفا قواعدها، وشروطها،

وحدودها، وزمن صلاحيتها…، ولا تسمح لأي كان  بدخول مُعتَرَكِها إلا بعد التسليم التام لمقتضياتها المسبقة، والتي تضمن حتما استحواذ وتغول الدولة على السلطة.

 إن حديثنا عن تغول الدولة يعني أننا وإن مارسنا الديمقراطية في أسمى مظاهرها، نكون أمام صورة للاستبداد المُقَنَّعِ،وهذا ما أكده أليكسيس دوطوكفيل في كتابه

“De la démocratie en Amérique”

حيث يؤكد في الجزء الثاني من هذا الكتاب ضرورة حماية الأفراد من الاستبداد الديمقراطي، فيسمي هذا النمط من الدولة، بالدولة الديمقراطية المستبدة Etat démocratique despotique

وهذا النمط من الاستبداد يشير بالضبط إلى ولوج الدولة عميقا في كل تفاصيل الحياة الفردية والجماعية، بل احتكارها القول النهائي في كل مجالات الحياة. صحيح أن الديمقراطية وضعت كوابح وموانع للديكتاتورية، لكنها لم تفلح لحد الساعة من كبح هيمنة الدولة على المجتمع واستعمارها للفضاء المدني. ويمكننا أن نستحضر هنا الفضاءات التي كانت مَدَنِيًَةً واستعمرتها الدولة الحديثة وعلى رأسها التعليم، فالنظام المدرسي الحديث أصبح شكلا من أشكال التجنيد الإجباريي الذي يجعل من عملية التدريس والتعليم وسيلة لغسل أدمغة المتعلمين وحشوها بما يمجد منظومة الحكم القائمة في أفق إنتاج إنسان مطيع يخدم الدولة، وهو ما يسميه دوركهايم بدور المدرسة في إعادة إنتاج العلاقات السائدة( أبوية السلطة /أبوية الدولة). فالتعليم عبر التاريخ كان فضاء مدنيا بامتياز، وكان يتسم بالتنوع والاجتهادات المحلية والجهوية، بل وأحيانا اجتهادات فردية حيث كان أغلب الميسورين يُدَرِّسُونَ أبناءهم في بيوتهم. ولم يكن التعليم مرتبطا بسوق الشغل، بل كان حاجة اجتماعية وقيمة في ذاته، وليس وسيلة لتحقيق مآرب أخرى. ويكفيك أخي الكريم أن تستحضر الأكاديميات التي أسسها الفلاسفة في اليونان، بأنفسهم، واستقبلوا فيها الطلبة، وقس على ذلك مدارس الفقهاء، والزوايا والمساجد زمن الدولة الاسلامية، حيث كان التعليم فضاء مدنيا بامتياز. لكن سرعان ما أصبح التعليم في الدولة الحديثة أمرا سياديا تتحكم فيه، ليس كما يشاع لتوفير خدماته، بل لتترجم من خلاله أهدافها، وتحقق غاياتها وتضمن لنفسها الاستمرارية، خاصة وأن الدولة الحديثة المرتبطة بالغرب قد نشأت في ظل انهيار الكنيسة التي كانت تشغل هذه المهمة، فكان لزاما إحداث مؤسسة تتحكم فيها الدولة كما كانت تتحكم فيها الكنيسة.في حين أن سياقات التعليم في الحضارات السابقة (صينية/مصرية/هندية/ اسلامية) كان أمرا مدنيا محضا.

هناك فضاءٌ ثانٍ جَرَت السيطرة عليه وهو من أكثر الفضاءات المدنية فاعلية وهو القانون الذي أصبح سلاحا في يد الدولة، تقمع به كل تحرك مدني يغرد خارج سربها، فتعتقل بموجبه المعارضين، وتقمع الاحتجاجات، وتمنع التظاهرات… . ناهيك أن الدولة الحديثة بهيمنتها على “القانوني” قضت على عدة فضاءات مدنية كانت تُحَلُّ فيها الخلافات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية من خلال وجوه وشخصيات ومجالس اعتبارية، أدت ولردح من الزمن دور الوساطة من خلال آليات التراضي والتحكيم. كما أن الناس في الجغرافيا الإسلامية كانوا يلجأون إلى العلماء والحكماء وإلى أخلاق الدين والعرف لمعرفة حدود التصرف والسلوك. فالقانون الحديث بإجراءاته الصماء أبعد ما يوصف بأنه اجتماعي مدني، تتكفل به فئة تَدَّعِي أنها مفوضة للتشريع، لتضع قوانين غالبا ما يكون المجتمع المدني معارضا لها تماما؛ ومثال ذلك تشريع الزيادة في الضرائب على السلع المستهلكة، وتفويت القطاعات العمومية للخوصصة، والتخلي عن الوظيفة العمومية…، وهنا تكمن الهوة الساحقة بين المجتمع الذي وَهَّمَتْهُ الدولة انه يمارس حريته عبر الاختيار الديمقراطي، وبين ما تنتجه الديمقراطية من نخب سياسية تصبح مجرد موظفين لتمرير قرارات الدولة، سيما وان الدولة تضمن لهم رواتب معتبرة، وتقاعد مريحا تنسيهم في الأصوات التي بَلَّغتهم تلك المكانة. وهذا ما جعل الناس اليوم يعزفون عن التصويت لأنهم فقهوا السياسة! وبالإصافة إلى التلاعب المكشوف في توظيف التشريعات القانونية، فإن القانون كأداة محتكرة من طرف الدولة، لم يكتف بالمجال السياسي والاقتصادي، بل تعداه إلى الاجتماعي في أدق خصوصية الأفراد، ليتَدَخَّلَ في نظام الأسرة، ونمط الأسرة، وحجم الأسرة، وتحديد العلاقات داخل الأسرة… حتى وصل الأمر في بعض الدول إلى تقنين الإنجاب، وتقنين زواج المثليين، ووضع مساطر للطلاق،

ناهيك عن تحديد ما يجوز فعله وما لا يجوز في تربية الأبناء… . وعوض أن يكون الفضاء المدني هو الحاكم في مثل هذه الأمور إما أخلاقيا أوعرفيا أودينيا، خاضت الدولة الحديثة في كل مجالات الحياة، وأصبحت تسيطر على المدني من خلال ثلاث مداخل؛ التنظيم، والتحكم، والقمع:

— تنظيم السلطة للحياة المدنية(سنرى في الجزء الثالث طبيعة هذا التحكم).

—  التحكم في المدني من خلال هيمنة الدولة على كل المجالات الحيوية(تعليم، قانون، مؤسسات، ثروات…).

— قمع كل نشاط مدني معارض. وينطبق هذا الوصف بجلاء على النظم الإستبدادية.

وهذه الصفات الثلاث هي دائمة الحضور في سلوك كل دولة حديثة لكن بنسب متفاوتة حسب نظام الحكم( يجب التمييز هنا بين نظام الحكم، ونمط الدولة.فقد يكون النمط واحدا و النظم متعددة).

ليظهر لنا مما سبق، أن الدولة الحديثة ليست مدنية تعريفا وواقعا، بل هي مؤسسة تسلطية بامتياز، وإن كان تسلطها مغلف بالديمقراطية والحريات الفردية، وصدق ماكس فيبر حين رأى أن أهم ما تتميز به الدولة الحديثة احتكار حق استخدام العنف. ولئن كان هذا الاحتكار مبررا ومنطقيا كونه ينفي الفوضى والتقاتل بين الناس، إلا أنه أَكْسَبَ الدولة قسطا طافحا من التغول على المجتمع، أدى إلى تجيير العنف البيني إلى العنف من جهة واحدة تمتلك فيه الدولة أدوات رهيبة للقمع والمراقبة والتحكم. وباستطاعتنا هنا استحضار عدة أمثلة، كقمع احتجاجات أحزاب الخُضْرِ ضد  العولمة الاقتصادية في معظم الدول الديموقراطية، وقمع المعارضة في كاتالونيا واعتقال رمزها، و قمع حراك الريف بالمغرب وحبس رموزه بما يزيد عن 300 سنة نافذة، وتشميع بيوت لأصحابها لأنها كانت تأوي أفرادا يمارسون حقهم في التجمع كحرية مدنية، ومنع الأفراد من المكوث في دور العبادة(الاعتكاف) بحثا عن الأمن الروحي والسكينة النفسية. منع فئة من الناس من الاستجمام في الشاطئ او الغابات او الفضاءات العامة لا لشيء إلا لكونهم لا يوافقون مزاج الدولة. في مثل هذه الحالات نرى كيف أن الدولة تستنفر قوى القمع الضخمة لتخنق كل حركة معارضة وتهمشها عن طريق تحويل مطالبها إلى قضايا تخالف القانون وتمس بأمن واسقرار الدولة.بهذا الأسلوب الذي يجمع بين نعومة أخطبوط المؤسسات الدولتية، وقمع الأجهزة التسلطية، تصبح الدولة الحديثة أداة في يد نظام الحكم، غايتها إفراغ المجتمع من كل أدواره المدنية التي لا تَفْتِلُ في حبل الدولة المُكَبِّلِ لكل حركة خارجه. إن استحضار الذهن لطبيعة الدولة الحديثة وحرصها الحثيث السيطرة على شُعب الحياة المختلفة أمر مهم جدا في فهم  “السياسي” le politique من جهة، وفي استجلاء أكذوبة الدولة المدنية المتناهية مع الدولة الحديثة من جهة أخرى؛ فالأولى هدفها تحرير الفضاء المدني وإعطاء المجتمع السلطة التي تليق به، مع حصر وظيفة الدولة في حفظ النظام العام، وضمان المبادئ العامة كالعدالة والمساواة والحرية…، بمعني آخر إعادة الاعتبار لعنصر التربية والأخلاق والإبداع والمبادرة الفردية والجماعية، وهذا لا يمنع ان يكون للدولة قوانين ونظام تعليمي ومؤسسات…، لكن في الوقت ذاته يجب تمكين المجتمع من حقه في اختيار أطر تنظيمية موازية للدولة، تكون بمثابة مشاتل تجارب، إما تؤكد نجاعة خيارات الدولة، او تكشف عن قصورها، فتكون بدائل عملية ومجربة يمكن توسيعها وليس تعميمها، إذ ليس هناك مشروع انساني عملي مكتمل، وإنما هي تجارب تتلاقح لتنتقل من كمال إلى كمال. وهنا يتدخل أهل التنفيذ ليتساءلوا كيف يمكن الجمع بين قوة الدولة وقوة المجتمع، لعل هذا الإشكال هو ما يؤرق اليوم الكثير من المفكرين والفلاسفة، وعلى رأسهم المفكر الفرنسي Bertrand badie في كتابه

Les deux états: pouvoir et société.

لنخلص أن إضفاء طابع المدنية على الدولة يقتضي تحرير الفضاء المدني المستعمر من قبل الدولة، وإعادة الاعتبار للمجتمع كعنصر تفاعل مدني. وهذا ما دفعني إلى تخصيص الجزء الثالث من هذا المقال، لأتحدث فيه عن واقع المجتمع المدني في ظل الدولة الحديثة، وما ينبغي أن يكون عليه في ظل الدولة التي سميناها مؤقتا دولة مدنية!

 

                                       فؤاد هراجة

                      باحث في الفلسفة والفكر المعاصر

 

الأحد 20 رمضان 1440 الموافق 26 ماي 2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: