الدولة المدنية بين التجربتين الغربية والإسلامية

مقدمة:

لقد اختلفت الرؤى في شأن الدولة المدنية، ودون الغوص في هذه الآراء، فالدولة المدنية ببساطة تعني مجتمع المدينة الحضري، وهي تشكل مجتمع جديد بعلاقات جديدة توصل الناس في ظلهما إلى اختراع الدولة كأول صيغة سياسية بشرية، وهم الذين يختارونها لتمثل كيانهم وهويتهم، ويحكمها حاكم موظف لدى الدولة، ويحتكمون إليها ويخضع الجميع إلى قوانينها المستمدة من موافقتهم ورضاهم.

تنحرف الدولة عن صفة المدنية عندما يصادرها الفرد كيفما كان، حاكما بفعل القوة التي يملكها لتصبح دولة الحاكم التي تعددت صفاته في التاريخ باعتباره حاكما مستبدا، أو طاغية، أو ديكتاتوريا، أو عائليا، أو عسكريا…فإذا وقعت الدولة في يد الفرد المستبد أو جماعة أقلية أو أكثرية يتسلطون على بقية المواطنين سقطت منها صفة المدنية، لأنها في الأصل دولة كل سكان المدينة، وحاكمها يكون ممثلا لجميع المواطنين وهو موظف لديهم، وليست دولة الحاكم، ومع تطور الدولة واتساع رقعتها الجغرافية وكثافتها السكانية أصبحت الدولة المدنية دولة سكانها يرغبون في العيش المشترك في ظل سيادتها على الجميع دون تمييز بمن في ذلك الحكام، كما أنها ليست مع المدينة ضد الريف وليست ضد القبيلة أو العكس، فهي تتعامل مع الجميع باعتبارهم شركاء في الوطن حتى وإن اختلفت أديانهم ولغتهم وأعراقهم.

يكون الحاكم الديني ممثلا للدولة الدينية وهي مناقضة للدولة المدنية إذا ادعى صلته بالسماء ليلزم الناس بتعاليمه المطلقة التي يدعي أنه يتلقاها، وحينئذ ليس بوسع أحدهم أن يعارض ذلك لأنه إن فعل إنما يعارض مشيئة الله، بينما في الدولة المدنية يخضع الحاكم المدني لاختيار الناس وللمحاسبة والمساءلة والعزل والتغيير، ولا تمثل أي فرد أو فئة، فهي دولة محايدة، لا تركن إلى البعض ضد البعض الآخر، فهي لا تحمي فئة المسلمين مثلا دون فئة اليهود أو المسيحيين أو غيرهم.

يشترط في الدولة المدنية أن تكون التشريعات الحاكمة محل رضا المواطنين سواء كانت هذه التشريعات ذات مرجعية دينية إسلامية في المجتمع المسلم أو يهودية في المجتمع اليهودي أو مسيحية في المجتمع المسيحي، أو قوانين وضعية كما هو حال الدولة العلمانية المعاصرة في العالم حيث تتعدد مرجعية التشريعات في الدولة بين دينية وطبيعية ووضعية.

بعد هذه المقومات المختصرة للدولة المدنية فما مدى حضورها في التجربتين الإسلامية والغربية المسيحية؟ وهل صحيح أن مفهوم الدولة المدنية في التاريخ الحديث والمعاصر تشكل في أوروبا المسيحية حيث أن الدولة المدنية جاءت تعبيرا ورفضا للدولة الدينية؟ وكيف نشأ الفهم الخاطئ في الثقافة الإسلامية كون الدولة المدنية مرفوضة في الإسلام؟ للجواب على هذه الأسئلة وغيرها يقتضي ذلك توضيح الأمر سواء بالوقوف على نشأت دولة الإسلام الأولى، أو على مفهوم الدولة الدينية من زاوية العلاقة بالإسلام، إذ أن دولة الإسلام ليست دولة دينية، وإن صح ذلك فإن وجدت في تاريخ الإسلام دولة دينية حيث يحتكر الحكم الكهنة والقساوسة فهي انحراف عن تعاليم الإسلام.

  1. الدولة في التجربة الإسلامية

سؤال الدولة في الإسلام، ينصب أساسا على علاقة الدين بالدولة، هل هي علاقة تضاد؟ أم هي علاقة تبعية؟ أم الدولة محايدة لا دخل للدين فيها؟

إن الدين الإسلامي دين جاء به الوحي، بينما الدولة اجتهاد بشري عقلي، لذلك لا نجد لها صدى في نصوص الوحي، فهل الدولة ركن من أركان الدين، أو شرط من شروط انتشاره واستمراريته؟ هل الدين يأمر بالدولة أو هي قرينة له؟ هل الدولة منزلة من السماء على السواء مع الدين؟

وجود الدولة في الإسلام حقيقة أكدتها التجربة الإسلامية الأولى في عهد النبوة، وعهد الصحابة رضي الله عنهم، وقد أكدت كذلك أن الدولة في الإسلام وسيلة والدين غاية، لقد وجدت فعلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما وأنه قد تركهم ولم يشر عليهم كيف يديرون شؤونهم الدنيوية بعده وشؤون الحكم والقيادة، فقد أعطى لهم مساحة كبيرة من التفكير وإعمال العقل في التحاور والتشاور لاختيار خليفة للأمة التي تختار من يمثلها، أما إن كان قد أشار عليهم، فسيعتقد أنه خليفة للرسالة وليس للأمة.

قد تأسست الدولة في التجربة الإسلامية على أساس ميثاق جامع بين أفراد الأمة، حيث لا نجد ذكرا للدولة فيها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وضع ميثاق الأخوة بين قبائل العرب، لأن الأخوة من أهم الأسس المتينة في الأمة المسلمة، إذ يقول تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)([1])، فالأخوة هي غذاء الأمة، وقيمة من قيمها، وجاء في نصها: ”بسم الله، هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.. وبنو النجار، وبنو ساعدة، وبنو جشم، وبنو عمرو، وبنو النبيت، وبنو الأوس، أنهم أمة واحدة من دون الناس”([2]) والوثيقة طويلة، يمكن إجمال أبرز بنودها فيما يلي:

  • تأكيد وحدة الأمة وترابطها وتمايزها.
  • تميز الأمة الإسلامية عن سواها من الأمم.
  • إعلاء عنصر الإيمان ورفع شأن المؤمنين.
  • تكافل المسلمين وتكاتفهم في الحرب.
  • إقرار المساواة بين المسلمين وتكافؤهم في الكرامة والحقوق.
  • الأمة الإسلامية أمة تدعو إلى الحق وتعمل به.
  • إجماع الأمة الإسلامية ضد الظلم والبغي كان من كان.

هذه البنود تعد دستورا للدولة في علاقة أفراد الأمة فيما بينهم في السلم والحرب، في التكافل والمساواة، والحق والعدل، ومحاربة الظلم والفساد، وكل هذا تحميه الأمة، فأين هي الدولة في الوثيقة؟ إنها باختصار وسيلة تختارها الأمة بعد الاتفاق على الميثاق لتنفذ بنودها، وتسهر على حمايتها، ومن هذه الوثيقة الفريدة في التاريخ تتضح علاقة الأمة بالدولة في الإسلام، فهي تؤسس للفقه السياسي في الإسلام، فالأمة هي الأصل والدولة فرع، ولا وجود للدولة دون وجود الأمة، وعلى هذا الأساس يخطئ من يستعجل بناء الدولة قبل بناء الأمة/الجماعة المسلمة، لأن بناء الأمة وتأسيس مقصدها الجامع، أولى الأولويات، وهذه الوثيقة تعتبر دليلا قاطعا على ذلك.

لما تولى أبو بكر الصديق رضي الله الخلافة، خطب في الناس فقال: “أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله”.([3])

خليفة المسلمين الأول يؤكد على مدنية الدولة التي سيحكمها، فهو فرد من أفراد الأمة، لا خيرية له عليهم، فلهم الأمر في تقويمه خيرا أو شرا، وهنا إشارة في غاية الأهمية، حيث أن الأمة تحتضن الدولة تعينها في حالة استقامتها، وتقومها في حالة انحرافها، فسلطة الرقابة بيد الأمة، فرجالها “لهم السيادة الشورية، وعليهم مراقبة مجالِس القرار، ومؤسسات القضاء والشرطة والجيش والحسبة والمظالم والاقتصاد والتصنيع والتعليم والإعلام” ([4]) كما يؤكد خليفة المسلمين على القيم والأخلاق الإسلامية التي تعتبر ميثاقا يربط كل أفراد الأمة وهو واحد منهم، وقد سار الخلفاء بعد أبي بكر رضي الله عنه على نفس السياسة الشرعية للدولة، ولا داعي لاستدعاء المواقف الكثيرة في هذا الشأن،([5]) هكذا تأسست الدولة الإسلامية المدنية الأولى قبل انحرافها وانقلابها من دولة مدنية إلى دولة استبدادية فقدت الأمة سيطرتها عليها، فأصبحت تحكمها العائلة الملكية تتوارثها جيلا بعد جيل، لأن الدولة الإسلامية تفقد صفة المدنية كلما أصبحت الدولة في قبضة الحاكم المستبد، فتبتعد عن هموم الأمة بل تصبح ضدها لأنها تمثل الحاكم وعائلته والمقربين منه، لكن الأمة ظلت حامية للدين، وممثلة له.

ربما يقال أن هذا الانقلاب على الدولة الإسلامية الأولى من باب عدم اهتمام الإسلام بالدولة، واعتبارها وسيلة فقط، وهذه سنة طبيعية في التاريخ، لكن إذا ما توفر عنصر الجماعة أو الأمة الإسلامية، فمن حقها المطالبة بالدولة، وهي تحصيل حاصل للحفاظ على هويتها والدفاع عن مصالحها، وصد التهديدات المحيطة بها، ومن هنا فإن الربط بين الإسلام والدولة شرطه وجود الأمة، وإن لم تتوفر الدولة الحاضنة يمكن للأمة أن تدفع عنها أعداء الإسلام المهددين لكيان الأمة، بإعلان راية المقاومة والجهاد وقد حصل هذا مرات عديدة في التاريخ.

إن الشريعة الإسلامية في نطاق الدولة تتخذ طابعا قانونيا صرفا وتمثل أحد المصادر التشريعية الرئيسة لها، وهي عبارة عن أحكام ومقاصد تمس مصالح الأمة وشأنها العام، لا تشمل كل تفاصيل الحياة التي تجد الدولة نفسها معنية بذلك.

الدولة في الإسلام تأخذ بالتشريع الإسلامي ما دامت تمثل الأمة المسلمة التي تحتكم إلى شريعة دينها، والغرض منه التكليف فهو يختص بالعقيدة والقيم الإسلامية والعبادات والمعاملات ويتسم بثبات الأصول ومرونة الفروع، ويمنح الإنسان فسحة كبيرة للتفكير في أشياء سكت عنها وتركها الاجتهاد، بعكس القانون الوضعي فمصدره عقل الإنسان مع الأخذ بعين الاعتبار بالمعتقدات والقيم الاجتماعية والاحتياجات المتجددة، ويتسم بالتغيير والنقض والقبول والرفض حسبما تقتضي حاجة الإنسان وتطوره.

من هذه الاطلالة المختصرة على تجربة الدولة في الإسلام، يظهر لنا مدى الفرق بين الأمة والدولة، فالأمة هي الأصل، وهي مكون دعوي، والدولة فرع للأمة وهي مكون سياسي، فالأمة عابرة للحدود وهي صفة ملازمة لتشكيل الأمة الإسلامية منذ عهد النبوة وما بعده باعتبارها جماعة مؤمنة لا تقبل الانحباس في حدود الدولة بل هي أمة عابرة للمكان تجسيدا لخاصية عالمية الإسلام في قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ([6]) أما الدولة فـتـتحدد جغرافيا وسكانيا وتاريخيا وسياسيا بحدود تقبل التوسع حسب ازدواجية مواطنة الأمة، لأنها تحتضنها حيثما وجدت، إلا إذا تحولت الدولة إلى دولة فئة واحدة أو عائلة فهذا شأن آخرن آأن.

  1. الدولة في التجربة الغربية

في التجربة الغربية المسيحية يمكن التمييز بين مرحلتين:

المرحلة الأولى: الدولة الدينية (دولة الكنيسة) حين نشأت الدولة الكنسية في أوروبا القرون الوسطى، حيث كانت سلطة الكنيسة هي المهيمنة على الدولة والمجتمع، فكان الحكم فيها يجسد الدولة الدينية، لادعائها تفويضا من الله، ولا يزال الأثر الوحيد للدولة الدينية المجسدة لهذا المنحى قائما في مؤسسة الفاتيكان حيث سلطة البابا الدينية لكل المسيحيين في أنحاء العالم، ويمكن اعتبار التجربة الشيعية في الفكر الإسلامي هو بمثابة انحراف على نفس ما وقع للكنيسة، حيث تم إنشاء دولة دينية شيعية حين أضفوا العصمة على الإمام الحاكم، ورفضوا الخروج عليه لأنه يمثل إرادة الله في الأرض، وبناء على هذا الوصف فإنه يقودنا إلى سؤال هل تعتبر الدولة الإسلامية دولة دينية؟

يتضح جليا أنه لا وجود للدولة الدينية في الإسلام خصوصا في الفترة الأولى، رغم ما وقع لها من انحراف بعد ذلك، حيث انتقضت عروة الحكم، وحاول بعض الحكام أن يدّعوا طغيانا واستبدادا أنهم ظل الله في الأرض، إلا أن الشريعة الإسلامية باستقلال مصدرها الإلهي كان مرد تنفيذها وتطبيق أحكامها موكول إلى العلماء وليس إلى الحكام، لذلك فشلوا في أن ينشئوا دولة دينية ويكونوا هم ناطقوها الرسميون.

المرحلة الثانية: الدولة العلمانية، إن الدولة المدنية تتطابق مع بعضها في المؤدى الوظيفي باعتبارها دولة كل المواطنين، لكنها لا تتطابق من حيث الهوية، فلكل دولة مدنية هوية خاصة بها.

العلمانية الغربية تعني فصل الدين عن الدولة وسياستها، فهي ترفض الحكم الديني باسم السماء وتشترط أن يكون الحاكم بشريا خاضعا للاختيار والمساءلة والحساب والعزل، وتغلب التشريع الوضعي على ما عداه وترفض التشريع الغيبي السماوي، وهذه المقتضيات كانت ردا على الدولة الدينية الكنسية التي بسطت نفوذها في التاريخ الأوربي الوسيط وكانت سببا في تخلفه قرونا، وبالتالي فإن العلمانية الغربية تمثل إحدى الهويات السياسية للدولة المدنية في أوروبا المعاصرة، لكن ليس كل دولة مدنية هي علمانية بالضرورة فقد تكون دولة علمانية وقد تكون إسلامية وقد تكون يهودية وقد تكون نصرانية أو بوذية أو هندوسية، لأن الدولة المدنية لا تتعارض مع الدين، وليست ضده وليست معه، إنها دولة لكل المواطنين على اختلاف أديانهم وعقائدهم وثقافاتهم، وإلا لما كان أهل الذمة من غير المسلمين ضمن رعايا الدولة الإسلامية.

العلمانية الحقيقية بقدر ما تبعد الدين عن السياسة فإنها لا تبعده عن حياة الناس ومجتمعهم، فعلمانية فرنسا المتشددة وهي التي تأسست على أنقاض الثورة الفرنسية نتج عنها إبعاد الحكم الكنسي عن الدولة وليس إبعاد الدين عن المجتمع لا تحارب الكنيسة ولا تمانع الدولة العلمانية من مزاولة الناس طقوسهم الدينية في دولة علمانية همها الأساس أن لا يتدخل الدين في السياسة.

  1. مدنية الدولة الإسلامية

إذا كانت الدولة العلمانية دولة مدنية رغم أنها تمثل وتدافع عن هوية معينة، فهل الدولة الإسلامية دولة مدنية كذلك؟

عندما يكون معظم سكان الدولة مسلمون حتى لو كان الحكم غير إسلامي وليس للشريعة حيزا في قوانينها وأحكامها، فهذا لا ينزع عن الدولة صفة الإسلامية لأنها تمثل جماعة هويتها إسلامية، وإذا ترأس حاكم مسلم دولة أغلب مواطنيها غير مسلمين فلا تعتبر دولة إسلامية لأنها تمثل هوية غير إسلامية، ولا عبرة بحاكمها.

إن وجدت دولة دينها الإسلام مثل الدول العربية المعاصرة، وتكون الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا وحيدا للتشريع في هذه الدولة، رغم مخالفتها لهذا التشريع في جزئياته، ففي هذه الحالة يكون الحاكم بالضرورة مسلما بسبب وجود الأغلبية المسلمة.

النتيجة التي نخلص إليها هي وجود تعدد الهويات للدولة المدنية، وليس لوصف الدولة بالمدنية أي علاقة بالإلحاد أو الإسلام، وهنا نؤكد على أن الدولة المدنية العلمانية جاءت نتيجة صراع مع دولة الكنيسة، فتم فصل الدين عن الدولة ورفض حكم الكنيسة المنشئة للدولة الدينية، فكانت العلمانية هي رفض للحكم الكنسي المستبد وليس رفضا للدين.

الدولة المدنية لا تحددها العلمانية كهوية سياسية ملازمة، فهويات الدولة قد تكون علمانية وقد تكون إسلامية أو يهودية أو غيرها، إن هذه الهويات بمثابة موجه للدولة المدنية المعبرة عن خصوصية أمة من الأمم.

إن الدولة المدنية تقيم وزنا للخصوصية الثقافية والدينية والتاريخية للإنسان المواطن في دولتها، أي أنها لا تخرج مواطنيها من خصوصياتهم الثقافية والدينية ولذلك نجد أن الدولة في اليابان دولة مدنية لكنها بهوية بوذية وليبرالية وعلمانية، والدولة العبرية المحتلة لفلسطين هي دولة مدنية ولكن بهوية يهودية علمانية ليبرالية، والدولة في أوروبا عموما هي دولة مدنية ولكن بهوية مسيحية ليبرالية علمانية، والدولة في الصين هي دولة مدنية بهوية بوذية اشتراكية علمانية، وهي في تضاد مع الليبرالية الغربية، وقد نجد أن دولة مدنية هويتها علمانية ومجتمعها مسلم مثل تركيا، ويفترض أن تكون الدولة في البلاد الإسلامية المعاصرة دولة مدنية تضم المجتمع الإسلامي بهوية إسلامية، حتى لمن ينشد دولة الخلافة الإسلامية فلن تكون إلا دولة مدنية لكل المواطنين وليس دولة تخص الخليفة الحاكم.

خاتمة:

من خلال هذا البحث المقتضب نسجل في الأخير ما يمكن اعتباره خلاصات واستنتاجات البحث في الدولة المدنية في التجربتين الغربية والإسلامية:

  1. في الإسلام الأمة تحتضن الدولة المدنية، فسلطة الرقابة بيد الأمة، تدعمها في حالة استقامتها، وتقومها في حالة انحرافها، كما وقع في تاريخ المسلمين، وتصبح الأمة ممثلة لمبادئ الإسلام، حاملة لأمانة الدعوة الإسلامية.
  2. وضع الرسول صلى الله عليه وسلم دستورا فريدا للأمة تدير به شؤون دولتها باعتبارها وسيلة تختارها، فالأمة هي الأصل والدولة فرع، ولا وجود للدولة دون وجود الأمة.
  3. الدولة في تاريخ المسلمين انحرفت عن تمثيلها للأمة، فأصبحت تمثل العائلة الملكية، وبقيت الأمة حامية لمبادئ الدين الإسلامي.
  4. الدولة في الإسلام تأخذ بالتشريع الإسلامي ما دامت تمثل الأمة المسلمة التي تحتكم إلى شريعة دينها.
  5. تعدد الهويات للدولة المدنية، فليس كل دولة مدنية هي علمانية بالضرورة، لأن الدولة المدنية لا تتعارض مع الدين، وليست ضده وليست معه، إنها دولة لكل المواطنين على اختلاف أديانهم وثقافاتهم.
  6. الدولة الإسلامية دولة مدنية، وليست دولة دينية، فحاكمها مدني موظف في مؤسستها، تقوم على قيم العدل والمساواة وتحتكم إلى شريعة الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( [1] ) – سورة الحجرات، آية: 10.

( [2] ) – سيرة ابن هشـام، ابن هشـام المعـافري، تحقيق: محمد علي القطب ومحمد بلطة، المكتبة العصـرية، بيـروت، 1992، الجزء الثاني، ص:126.

( [3] ) تاريخ الرسل والملوك، ابن جرير الطبري، دار التراث – بيروت، الطبعة: الثانية – 1387 هـ. ج: 3.ص: 210

( [4] ) الإحسان، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة: الأولى، 1998، ج: 1. ص: 156

( [5] ) لمراجعة هذه المواقف الخالدة في تاريخ الرسل والملوك، لابن جرير الطبري.

( [6] ) سورة الأنبياء، آية: 107

اظهر المزيد

د. عبد الرحيم خطوف

أستاذ وباحث بمركز ابن غاري للأبحاث والدراسات الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: