الدنيا دار بلاء وابتلاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الإنسان مجبول على حب الراحة، شغوف باكتساب كل أسباب السعادة، متناسيا أن الدنيا دار بلاء وابتلاء، لا دار سعادة، أو راحة واستقرار، قال الشاعر:

ثمانية تجري على المرء دائما *** وكل امرئ لابد يلقى الثمانيه

سرور وحزن واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر ثم سقم وعافيه

لماذا كانت الدنيا دار بلاء؟

قال أبو الهيثم:” البلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله المحنة، والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل للحسن بلاء، وللسيئ بلاء[1]“. وقيل إذا أطلق البلاء أريد به الشر، فإن أريد به الخير قيد بقرينة، كقول زهير بن أبي سلمى:

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

لقد جعل الله عز وجل الدنيا قائمة على الابتلاء، بالخير والشر لينظر أي الناس أحسن عملا، وقد جاء ذلك مبينا في غير ما آية من القرآن الكريم، منها قوله تعالى:” وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[2]“، قال القرطبي:” أي خلق ذلك ليبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته، وعلى البعث[3]“.

ومنها قوله جل وعلا:” إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[4]“، قال ابن إسحاق:” أي أيهم اتبع لأمري، وأعمل بطاعتي[5]“.

ومنها قوله تعالى – مبينا أن الابتلاء قد يكون بالخير كما يكون بالشر على حد سواء -:” وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[6]“، قال القرطبي:” أي نختبركم بالشدة والرخاء والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم[7]“.

وقال تعالى أيضا:” الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[8]“،  قال السدي:” أي أكثركم للموت ذكرا وأحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا[9]“.

فالله عز وجل إنما جعل الابتلاء بالخير والشر ملازما للعبد ليختبر صبره، ويمتحن شكره، فيكون بذلك مستحقا للجنة، أو النار، ولله در ابن عطاء الله السكندري عندما قال:” لا تستغرب وقوع الأكدار – ما دمت في هذا الدار – فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها، وواجب نعتها”.

فالدنيا دار زوال وانتقال، ولذلك كانت دار بلاء واختبار، والآخرة دار بقاء واستقرار، ولذلك كانت دار جزاء وإحسان، قال ابن عطاء الله السكندري:” إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار – لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها”.

لماذا كان الأنبياء أشد الناس بلاء؟

لقد هانت الدنيا على الله جل وعلا، ومن هوانها عليه جعلها في يد المؤمن والكافر، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال:” أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟” قالوا: نعم، قال:” والذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء[10]“.

فلذلك كان الأنبياء أبعد الناس عن الدنيا، وأشد الناس بلاء، حتى يعلم من هو دونهم، أن توافر متاع الدنيا عند أحد من الناس ليس علامة قرب من الله، كما ظن ذلك صاحب الجنتين، إذ زعم ذلك كما جاء في قوله تعالى:” وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا  كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا  وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا[11]

والأنبياء هم أصفياء الله من خلقه، جعلهم بفضله سادة الناس، وأئمة المتقين، ولذلك كانوا أشد الناس بلاء، كما ورد عن مصعب بن سعد بن مالك، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال:” الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة[12]“.

فتحمل الأنبياء لشدة البلاء علامة على كمال الاقتداء بهم، هذا الاقتداء الذي أمرنا به في قوله تعالى:” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[13]“. وفي قوله جل وعلا:” قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ[14]

كما أن تعرضهم لشدة البلاء دليل على أنهم أكرم خلق الله على الله، اصطفاهم لنفسه، وصنعهم على عينه، فعن سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أحسن العبد فألزق الله به البلاء فإن الله يريد أن يصافيه[15]“.

وعن كعب قال:” ما كرم عبد على الله إلا ازداد عليه البلاء شدة، ولا أعطى عبد صدقة فنقصت، ولا أمسكها فزادت في ماله، ولا سرق سارق إلا حسب من رزقه[16].”

فتبين مما سبق أن الأنبياء كانوا أشد بلاء لأنهم أقرب إلى الله وأكرم الخلق على الله أولا، ولأن الله يضاعف لهم الأجر ثانيا، ولأن الله جعلهم للناس أئمة يقتدى بهم ثالثا.

هل البلاء علامة رحمة أم علامة عقوبة؟

الأصل في البلاء أن يكون رحمة من الله جل وعلا بعبده المبتلى، يطهره به من ذنوبه، فعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه[17]“.

وعنه أبي أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده، وماله، ونفسه حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة[18]“.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ من يعمل سوءا يجز به، أكل سوء عملنا به جزينا؟ فقال:” غفر الله لك يا أبا بكر، ثلاث مرات، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك البلاء؟ ” قال: قلت: نعم، قال: ” فهو ما تجزون به في الدنيا[19]“. فالبلاء يطهر المؤمن من الذنوب، والخطايا، كما يطهر الثوب البيض من الدنس، ولذلك كان الصالحون أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء.

كما أن البلاء من علامات الإيمان، فالمؤمن مصاب، عكس المنافق الذي قد لا يتعرض لأذى، فعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” مثل المؤمن كالزرع لا تزال الريح تفيئه، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كالشجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد[20]“.

كما أن عظم البلاء مفتاح لعظم الأجر، وعلامة على محبة الرب للعبد، فعن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط[21]“.

وقد يحب الله سماع صوتك بالثناء عليه، والرضى بقضائه فيبتليك لذلك، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله عز وجل يقول للملائكة: انطلقوا إلى عبدي، فصبوا عليه البلاء صبا، فيأتونه فيصبون عليه البلاء، فيحمد الله، فيرجعون فيقولون: يا ربنا صببنا عليه البلاء صبا كما أمرتنا، فيقول: ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته[22]“.

وعن ابن مسعود أو غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ” إن الله تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه، فمن حبه إياه يمسه البلاء كيما يسمع صوته[23]“، فاحذر أن يبتليك الله ليسمع صوتك بالثناء والرضى، فلا يسمع منك إلا الجزع والشكوى، فإن من سخط فله السخط.

وبالبلاء يرفع مقام العبد عز وجل رفعة لا ينالها ولو وصل عمل الليل بعمل النهار، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الرجل لتكون له الدرجة عند الله تعالى، فما يبلغها بعمل حتى يبتلى في جسده فيبلغها بذلك البلاء[24]“.

فكل ما مضى يدل على أن البلاء يصيب العبد فيكون رحمة به من الله إن كان على استقامة، فإن كان على غير استقامة وأصابه بلاء فقد يكون ذلك تذكيرا له بضرورة الرجوع إلى خالقه جل وعلا، قال تعالى:” وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[25]“، وهذه أيضا رحمة، فرحمة الله سبقت غضبه، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لما قضى الله الخلق ، كتب كتابا عنده : غلبت ، أو قال سبقت رحمتي غضبي ، فهو عنده فوق العرش[26]“.

وقد يكون البلاء عقوبة، فإذا ردك البلاء إلى خالقك ردا جميلا، وزادك منه قربا، وعليه إقبالا فأسمعته صوتك بالثناء والرضى فالبلاء بلاء رحمة، أما إن زادك البلاء تيها وبعدا عن الله وسخطا على قضاء الله، ولم تُسمع ربك إلا الشكوى منه لخلقه، أي أنك تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، فتلك علامات الإفلاس، والبلاء بلاء عقوبة، قال سهل بن عبد الله: ” البلوى من الله على جهتين: فبلوى رحمة وبلوى عقوبة، فبلوى رحمة يبعث صاحبها على إظهار فقره وفاقته إلى الله وترك تدبيره، وبلوى عقوبة يترك صاحبها على اختياره وتدبيره[27].”

وقال الجنيد بن محمد: ” البلاء على ثلاثة أوجه، على المخلطين عقوبات، وعلى الصادقين تمحيص جنايات، وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات[28]“”

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه[29]“.

فضل الصبر على البلاء وثوابه:

بما أن البلاء أصله رحمة، يطهر به المؤمن من ذنوبه، ويعلو به قدره عند ربه، حتى وجد من يفرح بالبلاء فرح غيرهم بالعطاء، فعن سعيد الخدري انه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضع يده عليها فوجد حرارتها فوق القطيفة، فقال أبو سعيد: ما أشد حر حماك يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر” ثم قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال:” الأنبياء” قال: ثم من؟ قال:” العلماء” قال: ثم من؟ قال:” ثم الصالحون” كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء[30]“.

بل إن الناس غدا يوم القيامة يتمنون لو أنهم وجدوا من البلاء في الدنيا ما لا طاقة لأحد به، لما يرون من جزاء الصبر على البلاء وثوابه، فعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض[31]

فأهل البلاء صبروا في الدنيا، وتحملوا حسبة لله، فكان الجزاء من جنس العمل ” إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ[32]“، بل أظهروا الرضى بقضاء الله، فلا جزع، ولا شكوى، فعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة العصر وصلاة الصبح، فتصعد ملائكة النهار في صلاة العصر، ويبقى فيكم ملائكة الليل، وتصعد ملائكة الليل في صلاة الصبح وتبقى فيكم ملائكة النهار، ويقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون، وتركنا فيهم رجلا لم يصبه خير قط ولا بلاء قط إلا علم أنه منك، فيقول: ابتلوا عبدي، وزيدوا عبدي، قال سفيان: لا ندري بأيتهما بدأ فيبتلونه، ثم يقول: ابتلوه، فيبتلى، ثم يقول: ابتلوه وهو أعلم فيقولون: انتهى البلاء أي رب، فيقول: زيدوه فيزاد، ثم يقول: زيدوه فيزاد فيه، ثم يقول: زيدوه وهو أعلم، فيقولون: انتهى المزيد أي رب، فيقول: كيف تركتم عبدي في البلاء، وكيف تركتموه في الرخاء؟ فيقولون: أي رب أصبر عبد وأشكر، فيقول: اكتبوا عبدي ممن لا يبدل ولا يغير حتى يلقاني[33].”

وعن الأصبغ بن نباتة قال: دخلت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحسن بن علي نعوده، فقال له علي رضي الله عنه: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ قال: أصبحت بحمد الله بارئا. قال: كذلك إن شاء الله. ثم قال الحسن رضي الله عنه: أسندوني. فأسنده علي رضي الله عنه إلى صدره، فقال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، يصب عليهم الأجر صبا”، وقرأ: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب[34]“.

والصبر رزق من الله جل وعلا، يهبه من يشاء من عباده، ثم يهبه جزاء صبره، وثواب تحمله، رغم أن الصبر عطاء كالثواب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله ينزل الرزق على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر البلاء[35]“.

فالصبر ينزل على قدر البلاء، والتكليف بما لا يطاق محال، فلا يليق بمؤن أن يقول هذا فوق طاقتي، أو لم تعد لي قدرة على التحمل، أو تحملت من البلاء ما لا أطيق فالله قال وقوله الحق:” لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[36]

أيهما أفضل البلاء أم العافية؟

اختلف الناس في المفاضلة بين العافية والبلاء، فمن نظر إلى جزيل العطاء لمن صبر على البلاء أحبه، واستحيى أن يسأل الله رفع البلاء، فعن ذي النون قال: ” اعتل رجل من إخواني فكتب إلي أن ادع الله لي فكتبت إليه: سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك الغم، واعلم يا أخي أن العلة مجزلة، يأنس بها أهل الصفا والهمم والضياء في الحياة، ذكرك للشفاء ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء، ومن لم يأمن التشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهمة على أمره، فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن الشكوى، والسلام[37]“.

وعن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه خوفا في نفسها ولا ماله[38]

وعنه أيضا قال: ” البلاء ملح المؤمن، إذا عدم البلاء فسد حاله[39]“.

وعن سفيان قال: لا يفقه عبد حتى يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة[40]

وذهب قوم إلى تفويض الأمر لله تعالى، فهو أعلم بما يصلح عباده، فصار عندهم البلاء والعافية سواء، فكلاهما من عند الله تعالى، لقوله جل وعلا:” وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[41]“.

وعن ابن عباس قال: قال نبي من الأنبياء: اللهم، العبد من عبيدك يعبدك ويطيعك ويجتنب سخطك، تزوي عنه الدنيا وتعرض له البلاء، والعبد يعبد غيرك ويعمل بمعاصيك فتعرض له الدنيا وتزوي عنه البلاء، قال: فأوحى الله إليه أن العباد والبلاء لي، كل يسبح بحمدي، فأما عبدي المؤمن فتكون له سيئات فإنما أعرض له البلاء وأزوي عنه الدنيا فتكون كفارة لسيئاته وأجزيه إذا لقيني، وأما عبدي الكافر فتكون له الحسنات فأزوي عنه البلاء وأعرض له الدنيا فتكون جزاء لحسناته، وأجزيه سيئاته حين يلقاني[42]

وذهب آخرون إلى اختيار العافية، لما وردعن أبي الدرداء قال: كنت جالسا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يذكر العافية، وما أعد الله لصاحبها من عظيم الثواب إذا هو شكر، ويذكر البلاء، وما أعد الله لصاحبه من عظيم الثواب إذا هو صبر. فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ورسول الله يحب معك العافية[43]

وعن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: رأى إنسانا به بلاء، فقال: ” لعلك سألته أن يعجل لك البلاء ” قال: نعم قال: ” فهلا سألت الله العافية ، وقلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار[44]“.

بماذا يُدفع البلاء؟

هل يمكن دفع البلاء؟

نعم يدفع البلاء بأمور منها:

1- الصحبة الصالحة في الدنيا تنفع وتدفع، وفي الآخرة تشفع، فالجار الصالح يدفع الله به البلاء عن جيرانه، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء[45]“. فكيف بمحبة الصالحين وصحبتهم، فإنها تجلب كل خير، وتدفع كل سوء، ولله در القائل:

إن الطباع تسرق الطباع***فاختر لصحبتك من أطاع

2- الدعاء مخ العبادة وجوهرها، فيه إقرار بالعبودية، واعتراف بالعجز، ورفع الحوائج لمن يقول للشيء كن، فيكون، ولذلك يجمل بالمؤمن أن يملأ حياته بالدعاء سرا وجهرا، في الرخاء قبل الشدة، فإذا حلت به شدة علم يقينا أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من البلاء، وأمر بالتعوذ منه، فعن بسر بن أرطاة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” اللهم أحسن عاقبتي في الأمور كلها، وأجرني من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة “، وقال: ” من كان ذلك دعاءه مات قبل أن يصيبه البلاء[46]“. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء[47]“.

وعن سعيد الخدري وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” ما من مسلم يدعو الله بدعوة إلا استجاب له، فهو من دعوته على إحدى ثلاث: إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن تدخر ( يؤخر ) في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من البلاء مثلها[48]“.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة[49]“.

3- الصدقة من أعمال البر العظيمة، ومن صنائع المعروف التي تقي فاعلها مصارع السوء، فعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وإن صلة الرحم تزيد في العمر، وتقي الفقر. وأكثروا من قول: لا حول ولا وقوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة، وإن فيها شفاء من تسعة وتسعين داء، أدناها الهم[50]“.

فالصدقة من العمال الجليلة التي يدفع بها البلاء، ولأن المرض بلاء، بل قد يكون من أعظم أنواع البلاء، فقد جاء عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” داووا مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وأعدوا للبلاء الدعاء[51]“.

وجاء في حديث آخر ذكر البلاء نصا، فعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها [52]“.

ففي الصدقة مد يد العون للفقير والمحتاج، وفيها تفريج كربات أهل الكرب فناسبت بذلك أن تكون من أسباب رفع البلاء لأن ” الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه[53]

خاتمة

اعلم وفقني الله وإياك أنه لا يخلو حي من بلاء في جسمه، أو أهله، أو ماله، حتى قيل لو كان المؤمن في صخرة صماء لسلط الله عليه من يؤذيه، وأن كل بلاء يهون على المؤمن ما لم يكن في دينه، فعن الشعبي، أن شريحا قال: ” إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني[54].”

فإن كنت في البلاء مخيرا فإياك أن تقدم ما ينبغي تأخيره، فعن يونس بن جبير قال: شيعنا جندبا إلى حصن المكاتب، فقلنا له: أوصنا، فقال: ” عليكم بالقرآن، فإنه نور الليل المظلم وهدى النهار، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، وإن تجاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك؛ فإن المحروب من حرب دينه، وإن المسلوب من سلب دينه، وإنه لا غنى بغنى بعده النار، ولا فقر بفقر بعده الجنة، إن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها[55].”

واعلم أن كل بلاء تصاب به، فقد أصابك ما هو منه أعظم، يوم فقدت سيدك وحبيبك رسول الله، وحرمت رؤيته، وصحبته، ولله در القائل:

 

اصبر لكل مصيبة وتجلد * واعلم بأن المرء غير مخلد

أو ما ترى أن المصائب جمة * وترى المنية للعباد بمرصد

من لم يصب ممن ترى بمصيبة ؟ * هذا سبيل لست فيه بأوحد

فإذا ذكرت محمدا ومصابه * فاذكر مصابك بالنبي محمد

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– تفسير القرطبي، ج 1، ص 387

[2]سورة هود، الآية 7

[3] تفسير القرطبي، ج 9، ص 9.

[4] سورة الكهف، الآية 7.

[5] تفسير القرطبي، ج 10، ص 348.

[6] سورة الأنبياء، الآية 35.

[7] تفسير القرطبي، ج 11، ص 287.

[8] سورة الملك، الآية 2.

[9] تفسير القرطبي، ج 18، ص 207.

[10] المستدرك.

[11]–  سورة الكهف، الآيات 32-36.

[12]صحيح ابن حبان

[13]سورة الأحزاب، الآية 21.

[14]سورة الممتحنة، الآية 4.

[15]مصنف ابن أبي شيبة.

[16]المطالب العالية

[17]رواه مسلم

[18] صحيح ابن حبان

[19] السنن الكبرى للبيهقي

[20] صحيح ابن حبان

[21]سنن ابن ماجه

[22]المعجم الكبير للطبراني

[23]المسند للشاشي

[24] المطالب العالية

[25]سورة السجدة، الآية 21

[26]صحيح البخاري

[27] حلية الأولياء

[28]حلية الأولياء

[29]المستدرك للحاكم

[30]المستدرك للحاكم

[31]سنن الترمذي

[32]سورة الزمر، الآية 10

[33]المطالب العالية

[34]المعجم الكبير للطبراني

[35]المطالب العالية

[36]سورة البقرة، الآية 286

[37]حلية الأولياء

[38]المعجم الأوسط

[39]حلية الأولياء

[40]مصنف ابن أبي شيبة

[41]سورة الأنبياء، الآية 35

[42]مصنف ابن أبي شيبة

[43] المعجم الأوسط

[44]المعجم الأوسط

[45]المعجم الأوسط.

[46]المعجم الكبير للطبراني

[47]رواه البخاري

[48]المعجم الصغير للطبراني

[49]المستدرك للحاكم

[50]المعجم الأوسط للطبراني

[51]السنن الكبرى للبيهقي

[52]المعجم الأوسط

[53]جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه

[54]شعب الإيمان للبيهقي

[55]المطالب العالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: