منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدعوة إلى الله استقرار واستثمار

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين، وقائد الغر الميامين، وعلى أزواجها الطاهرات أمهات المؤمنين، وعلى ذرياته الأطهار، وأصحابه الأخيار، وإخوانه الأشراف من أئمة التقوى والهـــــــدى، وأمراء الدعــــــــــوة

 

الدعوة إلى الله ..استقرار واستثمار.

محمد عبد الرحمان بن الطالب

نص الانطلاق:

المزيد من المشاركات
1 من 64

قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾[1].

أولا- التوطئة:

ثانيا- المعنى الإجمالي للآية:

ثالثا- قرة العين:

  • قرة العين في الأبناء.
  • قرة العين في الزوج وبين الأزواج.

رابعا- إمامة المتقين:

  • تأويل كلمة [إماما].
مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

ب- استثمار الاستقرار الأسري في الدعوة.

خامسا- خاتمة وتوصيات.

أولا- توطئة:

تأتي صفة الدعاء، والتضرع إلى الله تعالى، ضمن صفات عباد الرحمان التي ذكرها الله تعالى في حقهم في سورة الفرقان المكية. والمقصد العام من الدعاء هو الاعتراف بالافتقار إلى الله تعالى من خلال التذلل إليه بالطلب، والتملق إليه بالإلحاح. وبالنسبة لعباد الرحمان، علاوة على ذلك، بمثابة الفسحة الإلهية والمتعة الربانية. فهذه الآية الكريم تأصل لدعاء الرابطة الذي يشمل النفس والأزواج الصالحين والأبناء البررة، بل يتجاوزهم ليشمل أنفس الخلق من سلف الأمة وخلافها. كما أنها تؤسس لقواعد الاستقرار الأسري الذي يعد الدعامة الحقيقية للاستمرار الدعوي.

فكلما نجح الداعية في بناء أسرة مستقرة، واستشعر مسؤوليته في انذار عشيرته القريبة، قويت عزيمته في الصدع بالحق لعموم الناس بتبليغه للرسالة وأدائه للأمانة. مصداقا لقول رسول الله ﷺ:« كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع من مال أبيه، وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»[2]، والدعوة مسؤولية خاصة المسلمين وعامتهم، وهي تحتاج إلى سراج يستضئ به، وإلى ظلال النبوة يستظل بها، وكنف الصحبة تحتضنه.

في هذه المدارسة سنتدبر هذه الآية الكريمة، من سورة الفرقان، لنقتبس منها أسس الاستقرار الأسري، وأصول الاستمرار الدعوي، استنادا إلى النماذج الناجحة التي جاء بها كتاب الله تعالى، وبناء على المواقف الحازمة المستنبطة من السيرة النبوية الشريفة. وعلى العموم فإن العديد من المشاكل الأسرية تحل بتحقيق قرة العين في الزوج والأبناء، كما أن مفتاح انتشار الدعوة وانتصارها يحتاج إلى إحياء القدوة في السلوك أو الإمامة في التقوى.

فكيف تصير الذرية والأزواج قرة عين؟ وكيف يصبح الداعية قدوة في المجتمع؟

ثانيا- المعنى الإجمالي للآية الكريمة:

تفيد هذه الآية الكريمة إلحاح عباد الرحمان في الدعاء، والتضرع لله عز وجل أن يهبهم سبحانه وتعالى ما تقر به أعينهم، من التقوى والصلاح، وما فيه أنسهم وسرورهم من جهة أزواجهم وذريتهم، باعتبار أن [مِنْ] الواردة في الآية تفيد ابتداء الغاية؛ أي أن التقوى تأتي من جهتهم. كما أنهم طمعوا منه أن يجعلهم قدوة يُقتدى بهم في الخير، وأن يصيروا للمتقين أماما. وقد صيغ [يقولون] إلى المضارع للدلالة على الاستمرارية في الطلب، والإلحاح في الدعاء، والهمة في العزم، والتماس أسمى المعالي، وأغلى الأماني.

وإذا استقرأنا حالهم وصفاهم عرفنا- كما قال السعدي رحمه الله-” عرفنا من هممهم وعلو مرتبتهم أنهم لا تقر أعينهم حتى يروهم [يقصد أصحابهم واقرانهم وأزواجهم] مطيعين لربهم عالمين عاملين، وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم، فإنه دعا لأنفسهم لأن نفعه يعود عليهم، ولذلك جعلوا ذلك هبة لهم [هب لنا]، بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين، لأن بصلاح من ذكر يكون سببا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم”، لذلك كان دعاؤهم الثاني أن يجعلهم الله تعالى” أئمة يقتدون في الخير بنا” على حد تعبير البغوي- رحمه الله-، وهو رأي ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن انس. وقال غيرهم من المفسرين:” هداة مهتدين [ودعاة] إلى الخير”، فاحبوا – كما قال ابن كثير رحمه الله- :” أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهن، أن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع”، واستشهد- رحمه الله- بقول رسول الله ﷺ:« إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»[3].

وتأسيسا عليه، ينبغي أن نتعلم من هذا الدعاء الجامع، وهذا التضرع الشامل المقاصد التي يحويها، والأهداف التي يرمي إليها، والأسباب التي اتخذها، والوسائل التي سلكها. ليقتدي المؤمن الصادق بعباد الرحمان، ويقتبس منهم ما يحقق به السعادة في الدارين؛ فكل مقصد من مقاصد هذا الدعاء يحتاج منا إلى وقفات للاقتداء، ومواقف للاهتداء. فالمقصد العام هو كيف تكون [إماما للمتقين] وقدوة للصالحين بعد أن تكون، بل أكون، بنفسي إماما في التقوى؟  وكيف يكون الأزواج والأبناء قرة أعين؟

ثالثا- قرة أعين:

نقف عند هذا اللفظ القرآني العظيم، وهذا المصطلح الرباني البديع، لنتسأل عن أصله، وما مراده، وماهي مقاصده ومراميه؟ فقد تردد ذكره في كتاب الله تعالى، وفي سنة النبي ﷺ.

  • فقد ورد على لسان امرأة فرعون أسية بنت مزاحم، في قول الله عز وجل تعالى: ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[4].
  • وفي قصة موسى عليه السلام، ورد هذا اللفظ أيضا في حق أمه، كما قال تعالى:﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[5].
  • وورد هذا اللفظ كذلك في حق أمهات المؤمنين، رضي الله عنهن، في قوله عز وجل:﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ﴾[6].
  • كما ورد ايضا في وصف الجنة وصفات أهلها، في قول أعز القائلين:﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[7]. في إشارة واضحة إلى الأبعاد المتعددة لهذا المفهوم، وإلى امتداده إلى الأخرة، وشموله حسنات الدنيا وحسنات الأخرة.
  • ومن أبعاده الوجدانية، ومقاماته الاحسانية ما تضمنه قوله ﷺ:« حُبّب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة »[8].

إذن، فمعاني عميقة وبعيدة وراء هذا اللفظ القرآني العظيم. إذ يقال للشيء الذي تستلطفه العين، وتأنس به، وتسر به وتسكن به: تستقر العين عليه، فلا تغادره للطفه وسروره وجماله فهو [قرة عين], أو من القرار والسكينة والطمأنينة فهو [قرة عين]، أو من الدمعة الباردة وهي دمعة الفرح والسرور، فعندما يسر الإنسان تنهمر منه دمعة باردة، على عكس دمعة الحزن الدافئة. والقر عند العرب ضد الحر ومن البرودة، والبرد موجب لاستقرار الناس في بيوتهم.

فأي معنى بعيد لهذا اللفظ، يجب أن يتحقق في أنفسنا، وفي أزواجنا وأبنائنا، وفي استقرار علاقتنا الأسرية لتغمرها السعادة الحقيقية والأبدية، والمتمثلة في طاعة الله تعالى، واتباع سنة الهادي ﷺ، وجعل هذا الخير يسري في المجتمع. وحتى نعيش حقيقة هذا الدعاء الذي تحويه هذه الآية، ينبغي التركيز في الواقع كيف يكون الأزواج قرة أعين بعضهم لبعض؟ وكيف يكون الأبناء أيضا قرة عين لآبائهم وأن يكونوا صالحين في المجتمع وفاعلين في الواقع؟

  • قرة عين في الأبناء:

يعطينا القرآن الكريم النماذج الناجحة للأنبياء في أسرهم، مع أزواجهم وأبنائهم، لنقتدي بها في حياتنا اليومية، ونهتدي بها لحل العديد من المشاكل الأسري. وفيما يلي عرض البعض من هذه النماذج التي حظيت بالذكر في كتاب الله تعالى، لعلنا نقتبس منها لطف الخطاب ولباقة الفعل:

  • فقد دعا زكريا- عليه السلام- ربه الكريم أن يهبه على الكِبَرِ ذرية، وطمع أن تكون طيبة؛ وهذه فطرة عميقة في النفس أن يطلب المرء الذرية الطيبة، كما قال الله تعالى، على لسانه عليه السلام:﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[9] بعد أن رأَى رأْي العين آيات الله ومعجزاته في حق مريم العذراء، وقد كان حسن ظنه بالله تعالى أن استجاب، كما قال تعالى: ﴿ اسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾[10]، فجمع الله له قرة العين في الزوجة والولد، بل جعل منهم أئمة يدعون إلى الخير.
  • كما أن أبناء الأنبياء وأزواجهم، إلا من شاذ منهم، كانوا أبرارا لآبائهم ومطيعين لأزواجهم. فقد قال الله في حق يحيى بن زكريا-عليهما السلام-:﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾[11]، وقوله عن عيسى-عليه السلام-:﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾[12].
  • فالداعية لا مناص له من اقتفاء آثار الأنبياء والصالحين في الدعاء للأبناء والأزواج بالصلاح، باعتباره أنه سنة الأنبياء، بل سنة الله في خلقه. فهو يدعو إليهم مهما بلغوا من التقوى والصلاح، لأن القلوب بيد الله الرحمان يقلبها كيف يشاء. فصلاح الأبناء من أعظم النعم التي تستوجب الشكر وإخلاص العبودية لله عز وجل، فهذا خليل الله ابراهيم-عليه السلام- يحمد الله الذي وهبه الذرية الصالحة﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾[13]، ونجد بعض السلف الصالح يطيل السجود، ويتهجد في الأسحار لأجل صلاح الذرية.

فالدعاء الملازم للشكر هو مفتاح [قرة العين]. فما أعظمها من نعمة عندما تكون في ظلال العبودية لله، وعندما تكون في ظلال منهاج القرآن الكريم، وفي ظلال اقتفاء آثار الأنبياء، والسير على خطى السلف الصالح، الذين جعلوا الخطوة الأولى في البحث عن قرة العين في الأبناء، تبدأ بالاختيار الأحسن للزوج الصالح.

ب-قرة العين في الزوج وبين الأزواج:

يكون الاختيار الأمثل والأحسن للزوج(ة)، لا للنظر إلى مجرد المناظر أو المظاهر، أو النسب والانتساب، فتلك أمور قد تجاوزها الإسلام مع أنه لا ينكرها، لكن ليست هي الجوهر والأساس في العلاقات الزواجية. فقد ورد في الحديث، المتفق عليه، قوله ﷺ:« تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فظفر بذات الدن تربت يداك»[14]. فالمقصود أن تتحول عادات الناس في اختيار الأزواج إلى عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، ف[قرة العين] تكون في الزوج(ة) الصالح(ة)؛ وهذا يعد من حسنات الدنيا والآخرة.

لكن إذا لم نحسن الاختيار في البداية، فهل يفوتنا الاستماع ب[قرة العين] الاستقرار الأسري؟

هنا ننتقل إلى كيف يكون الأزواج بعظهم لبعض قرة أعين، وهنا نقتفي آثر النبوية لنجدها عند، أمهات المؤمنين، نساء النبي ﷺ اللائي قال عنهن القرآن الكريم﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴿28﴾وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[15]، بالله عليكم أنظروا إلى جمال هذه الألفاظ اللطيفة المستعملة مع القوارير، والملائمة مع النساء؛ في إشارة واضحة إلى التخلي عن القساوة في الخطاب والخشونة في الفعل. فقصة نزول آيات التخيير السالفة الذكر، ترجع إلى طمع أمهات المؤمنين في التوسعة فيما هو مباح كسائر نساء المسلمين، بالنظر إلى ما فتح الله لنبيه من زينة الحياة الدنيا، فهو ﷺ أكرم الأكرمين، ولم يكن- حاشاه- بخيلا ولا فقيرا، وإنما عاش حياة الزهد وهذا شق على نسائه-رضي الله عنهن- فجاء الأمر الرباني حاسما بعد أن أمر رسوله ﷺ بهجران أزواجه شهرا كاملا، وكأنه يقول لهن هل تستطعن أن العيش بدون رسول الله ﷺ فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. فأين نقتبس نحن، اليوم، من هذه الحياة الزاهدة والمتقشفة؟

نقتبس منها الروح السامية والجوهر الثابت دون الشكل الملائم للواع المعيش، والصفة الملازمة للنبي ﷺ وأزواجه. فعندما نبحث في كثير من المشكلات الزوجية المعاصرة، نجد أسبابها مادية، ومآلها النفور المولد للاصطدام والتشنج بين الأزواج، نتيجة لاختلاف القناعات وتباين الاهتمامات، مما يهدم الانسجام المطلوب توفره في الأسرة، والاستقرار المشروط فيها. فيقتضي الأمر فهم الزوجين المعاني السامية للحياة، والمقاصد العالية للأسرة؛ وهذا الفهم السليم والسلوك الصحيح إنما يتحققان:

  • بالمجالسة التي تدعم المجانسة: كما قال الله عز وجل في نساء النبي ﷺ ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾[16]، وخطابه تعالى للناس كافة ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[17]، فما أجمل أن يكون الزوجان ذاتا واحدة، لتحقق المجانسة بينهما بالمودة والرحمة.
  • المصاحبة التي تقوي الصحبة: فالزواج هو ميثاق غليظ، يتقاسم الزوجان المسؤولية في الحفاظ عليه. فهذا أبو الدرداء-رضي الله عنه- يقول لزوجته:” إذا غضبتُ فرَضِّيني، وإذا غضبتِ رضيتك، وإلا لن نصطحب”، وفي الحديث الشريف:«لاَ يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة إن كره منها آخر»[18]
  • الوقاية طريق التقوى: قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾[19]، في إشارة واضحة إلى إنذار العشيرة، وربطهم بخالقهم الضامن للأرزاق كما قال عز وجل:﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾[20]، إذ الصلاة عماد الدين، وجوامع الطاعات، ومعراج العبد إلى ربه، وعنوان لوحدة المسلمين، وتوحيدهم الله تعالى، والتفاهم حول إمامهم الذي يقتدون به في أقولهم وأفعالهم.

رابعا-إمامة المتقين:

يعد تحقق [قرة العين] في الزواج والذرية- على أساس التقوى والصلاح- بمثابة استقرار الأسرة. هذا الاستقرار ينبغي أن يستثمر في الدلالة على الخير، وتعميم التجربة الناجحة في المجتمع واعتماد المرجع الواقعي الذي يستأنس به الناس ولا يستنسخونه، بل يقتبسون منه ما يلائم خصوصياتهم وظروفهم. لأجله دعا عباد الرحمان أن يجعلهم أئمة للمتقين، كما قال تعالى:﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾؛ إذ المقصود بهذا الدعاء هو علو همة المسلم وخاصة الداعية، وطلب معالي المقامات، والانخراط في الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسول الله ﷺ. كما أنهم وجعلوا بيوتهم بيوت دعوة مفتوحة. فالداعية الطموح لا يكتفي أن يسأل الله تعالى أن يكون من المتقين بل إماما للمتقين. فلنا وقفة مع كلمة [إماما] وتأويلها، لنخلص إلى العلاقة بين مطلب قرة العين، ومطمح الإمامة.

  • تأويل كلمة [إماما].

يظهر أن كلمة [إماما] وردت مفردة، بالرغم من كون سياق الآية ورد بالخطاب الجماعي. غير أن فاضل السامرائي[21] يرى أن هذه الكلمة المصدرية تحتمل الإفراد والجمع، إذ هناك أمثالها في لغة العرب والقرآن الكريم، ككلمة الطفل في قوله تعالى:﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾[22]، والضيف﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾[23]، وكذا الخصم، والرسول…

وقد اختلف المفسرون مند القديم، في تأويل كلمة [إماما] الواردة في الآية على لسان عباد الرحمن، من خلال التركيز على أصل الكلمة ومعناها. وأذكر فيما يلي مجمل ما جاء في أقوالهم بتصرف، كما ورد في تفسير الطبري[24]:

  • كلمة إمام جمع كلمة آم أي قاصد، كما في قوله تعالى:﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾[25]، أي اجعلنا قدوة أو جعلنا نأتم ونتبعهم وننتفع بهم.
  • كلمة إمام جمع لكلمة أئمة، كما قال الحسن البصري-رحمه الله-:” اجعلنا نقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا المتقون”، وقوله أيضا”: من استطاع منكم أن كون إماما لأهله، إماما لحيه، إماما لحيه، إمام لمن واراء ذلك فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب”.

والمقصود العام هو المبادرة إلى الخير، والتأسيس له. فلا يكتفي الداعية أن يكون في نفسه وفي أهله فقط، بل أن يكون قدوة لغيره وإماما للصلاح؛ وهذا الأمر له الأصل في السنة النبوية الشريفة، مصداقا لقولهﷺ:« إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ»[26]، وهذا يدخل أيضا في عموم قوله ﷺ:« مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»[27]. فكما أن هناك أئمة للخير-جعلنا الله منهم-  هنا ائمة للشر- أعادنا الله وإياكم منهم- كما قال الله عن فرعون ومن على شاكلته:﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾[28]، فالمحظوظ منا من استعمله الله تعالى في خدمة دعوته ووسيلة لهداية عباده، بل هذا تشريف قبل أن يكون تكليفا.

ب- استثمار الاستقرار الأسري في الدعوة:

إن استشعار المسؤولية الدعوية، والأمانة التبليغية أمر جلال، ووسيلة لاستمرار الدعوة إلى الله والانخراط فيها. وإن كان من باب أولى أن يبدأ المسلم بنفسه وإلزامها حمية التقوى، ثم إنذار عشيرته الأقرب فالأقرب، لتكون سنده في الطريق، ورفيقه في المسير. ولا ينس الداعية أنه مجرد مبلغ عن رسول الله ﷺ، فلا ينصب نفسه قاضيا يلزم هذا، ويحكم على ذاك، ويدين هذه، ويتهم تلك، بل يقتدي بإمام الأمة في الدعوة، وأئمتها من بعده. إنما يبدأ الداعية بمن يرعاه من باب تبرئت الذمة التبليغية، والمسؤولية الدعوية، كما جاء في الحديث الشريف «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ »[29].

وليست الرعاية الأسرية، إلا الاحتضان بمفهومه الدعوي، بأن يكون ” المُحتَضن محتَضنا قبل ذلك، ولأجل ذلك، حتى يُضيف إلى مؤهلاته الفطرية، والبيئية الذاتية؛ فردية كان أو جماعية، مؤهلات أخرى تربوية تنموية، أو تكوينية تدريبية، تواصلية تفاعلية تشاركية، وتناصحية تشاورية تباذلية تكاملية تكون الزيادة بعد حسنى، والإضافة النوعية للمتمنى والمتبنى بما يتسنى من انفتاح واحتكاك ومذاكرة ومدارسة وإعداد وفق عملية مسؤولة ورعاية”[30]، أي أن مسؤولية المُحتضِن تكمن في تأهيل المُحتَضن وتخليقه وفق المنهاج النبوي. ولنستمع إلى أهل الاختصاص في الدعوة، ومن كان لهم سبق في الاحتضان، وباع في التأهيل، وحظ وافر في الخلق والتخلق، يقول الإمام عبد السلام ياسين:” الأعضاء في الجماعة محملون، فمن أتانا واردا تحمله الجماعة وتحتضنه في دفء الصحبة، لكن الجماعة تنتظر منه أن يستجمع قواه باطراد يواكب يقظة همته، وتمنُّن، وصدق عزيمته ليحمل مع الجماعة وتحت إمرتها أعباء الجهاد”[31]، فحمل الأسرة هم الدعوة، والاهتمام بشأن المسلمين من أحسن المزايا، خاصة إذا كان البيت بيت دعوة يحتضن المقبلين على الله تعالى، ويأويهم من الفتنة، ويأهلهم للانخراط في الدعوة، ويقدمهم نماذج متخلقة في المجتمع.

وبناء عليه، فإنه ”لا استقرار دعوي إلا باستقرار أسري”[32]، إذا البيوت الأسرية ينبغي أن تكون مراكز تكوين، والبيوت الدعوية مدارس تأهيل، بل المعاشرة هي الكاشف الحقيق لصدق الداعية من نفاقه، ألا ترى أن البعض يكونون حمائم في المجتمع نسورا في بيوتهم! فإن لم تنطلق القدوة في البيوت المحصنة بذكر الله تعالى، والمحصلة للحكمة النبوية الشريفة، فأين تنطلق؟ وإن لم يكون البيت حاضنا للذرية والأزواج، فمن يحضنهم؟ هل البيئة الملوثة التي تخنقهم، أو الرفقة السيئة التي تحرفهم؟ فتأتي الولاية بين المؤمنين، والمسؤولية الدعوية بين المسلمين بالأمر بالمعروف والتهي عن المنكر لتسعف المخنوق، وتنقد المنحرف. مع العلم أن” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، هما العمل التضامني الذي يوقف الولاية بين المؤمنين والمؤمنات على قدم”[33].

خامسا- خـــــاتــــمـــــــة:

نتساءل في الختام، ما هو الرابط بين دعاءي [ قرة العين وإمامة المتقين]، وما العلاقة بينهما؟ يقول العلماء إن استقرار البيت يجعل هذا البيت علامة للخير، ودعامة للاستمرار الدعوي، و وضربوا مثلا بأسرة ابراهيم الخليل-عليه السلام- تلك الاسرة الربانية التي جعل الله مواقفها مناسك يتعبد بها الله تعالى، نموذجا يحتذى به، ومقاما يتطلع إليه:

  • فهذه الام هاجر الصابرة، والمتحسبة والزوجة المحتسبة لأمر الله، والتي تعلمنا منها حسن التوكل على الله، وحسن احتضان الولد ثم من كان حولها من العرب في مكة، والأويين إليها.
  • وهذا الابن المطيع اسماعيل- عليه السلام- الذي ابتلى برؤية الذبح، واستجاب لنداء الله تعالى.
  • وذاك الوالد ابراهيم-عليه السلام- الذي كان وحده أمة، بل إماما في الدين.

ومن التوصيات الجامعة، التي نخلص إليها في مدارستنا لهاتين الآيتين، والتي نقتبس منها ما نعالج به أحوال أسرنا، ونستثمر بها الفرص الدعوية :

  • التحلي بصفة عباد الرحمان الإحدى عشر في سورة الفرقان وهي: التواضع, والحلم, والتهجد, والخوف, وترك الاسراف والاقتار, والنزاهة عن الشرك، والزنى والقتل, والتوبة، وتجنب الكذب, والعفو عن المسيء, وقبول المواعظ , والابتهال الى الله. فتلك جوامع الصفات لمن أراد أن يتعظ.
  • التخلي عن الصفات المناقضة لعبد الرحمان.
  • التجلي في تمتين العلاقة الزوجية ومعرفة أثرها في الدعوة والسلوك إلى الله تعالى. وحسن تربية الأبناء، وتلمس حكمة التعامل معهم في الواقع. وجعل البيوت بيوتا دعوية مفتوحة، كما قال تعالى:﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[34].

[1] -سورة الفرقان: 74.

[2] صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم. ح(1829).

[3]صحيح مسلم: كتاب الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، ح(1631) عن أبي هريرة- رضي الله عنه-.

[4] -سورة القصص: 09.

[5] -سورة القصص: 13.

[6] -سورة الأحزاب: 51.

[7] -سورة السجدة: 17.

[8]سنن النسائي، ح(3939) من حديث أن بن مالك- رضي الله عنه-. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح الباري(3/15).

[9] -سورة السجدة: 17.

[10] -سورة الانبياء: 90.

[11] -سورة مريم: 14.

[12] -سورة مريم: 28.

[13] -سورة ابراهيم: 39.

[14]صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، ح(5090). وصحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، ح(1466).

[15]-سورة الأحزاب: 28، 29.

[16]-سورة الأحزاب: 34.

[17]-سورة الروم: 21.

[18]صحيح مسلم، كتاب الرضاع ، باب الوصية بالنساء، ح(2672).

[19]-سورة التحريم: 06.

[20]-سورة طه: 131.

[21]– فاضل صالح السامرائي (و سنة 1933م)، استاذ في جامعة الشارقة لمادة النحو والتعبير القرآني. له حلقات في تفسير القرآن على قناة الشارقة.

[22]-سورة المائدة: 02.

[23]-سورة الذاريات: 24.

[24]– محمد بن جرير، الطبري(224هـ، 310هـ): جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ط1، 2001م، دار هجر، القاهرة.

[25]-سورة الذاريات: 24.

[26]– سنن الترمذي: ح(2675) وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

[27]– سنن ابن ماجة، ح(237).

[28]-سورة القصص: 41.

[29] – متفق عليه: أخرجه البخاري ح(2554)، ومسلم ح(1829)،

[30]– منير، ركراكي: معالم في طريق الاحتضان والتأهيل والتخليق، ط1، 2019م،  مطابع افريقيا الشرق، ص23.

[31]– عبد السلام، ياسين: المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط3، 1994م، ص175.

[32]معالم في طريق الاحتضان والتأهيل والتخليق، م.س. ص107.

[33]– عبد السلام، ياسين: تنوير المؤمنات،  ط1، ج1، دار البشير، مصر، ص270.

[34]-سورة يونس: 87.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.