التشديد في أخـذ الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

وبعد؛

كنت تحدثت عن فضل قرض المحتاج، وحسن قضاء الـدَّين، وعن ثواب من أنظر معسرا، لكن في المقابل لا ينبغي التساهل في الديون والإكثار من الاستدانة، فقد أصبح من القضايا التي وقع فيها كثيـرٌ من الناس، دون مراعاة لـعواقبها السيئة في الدنيا والآخرة؛ لـذلك كـرّه الإسلام الدَّين بلا حاجة ماسة أو ضرورة ملحّة، وحذّر من ذلك أشد التحذير، فالدّين هـمٌّ بالليل وذلـة في النهار، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ومن أخذها يريد أداءها أدى الله عنه؛ لأن هذه الأموال ملك للغير وحق من حقوقهم، فصارت عند المستدين كالأمانة المتعلقة بالذمة، فلا تبرأ منها ذمة العبد حتى يعطيها لصاحبها.

أولا: التشديد في أخـذ الدين والترهيب منه:

 

– عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوصِي رَجُلا، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: “أَقِلَّ مِنَ الذُّنُوبِ يَهُنْ عَلَيْكَ الْمَوْتُ، وَأَقِلَّ مِنَ الدَّيْنِ تَعِشْ حُـراًّ”)[1].

– عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان رضي الله عنه – مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ فَارَقَ اَلرُّوحَ اَلْجَسَدَ وَهُوَ بَـرِيءٌ مِنْ ثَلاَثٍ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ؛ مِنَ اَلْكِبْرِ وَاَلْغُلُولِ وَاَلـدَّيْـنِ)[2].

– عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اَللهِ أَنْ يَلْقَاهُ بهَا عَبْدٌ بَعْدَ اَلْكَبَائِرِ اَلَّتِي نَهَى اَللهُ عَنْهَا؛ أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لاَ يَدَعُ لَهُ قَضَاءً)[3].

– عن عبد الله بن عمرو بن العاص  رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يُغْفَرُ لِلشَّهِـيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ اَلدَّيْـنُ)[4].

– عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اَللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِباً، يُكَفِّرُ اَللهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟” فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ“، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: “أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّـرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟” فَقَالَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نعم وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلاَّ اَلدَّيْنُ؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عليه اَلسَّلاَمُ قَالَ لِي ذَلِكَ“)[5].

– عن سمرة قال: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ؟ أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ إِلَّا خَيْرًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَدَّى عَنْهُ، حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ)[6].

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نَفْسُ اَلْمُؤْمِـنِ مُعَلَّقَةٌ بِـدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)[7].

– قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (كَانَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فِي اَلصَّلاَةِ؛ “اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم[8]“، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيد من المغرم، فقال: (إِنَّ اَلرَّجُلَ إِذَا غَـرِمَ[9] حَدَّثَ فَكَذِبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)[10].

– عن محمد بن جحش رضي الله عنه قالَ: (كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى اَلسَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: “سُبْحَانَ اَللهِ مَاذَا أُنْـزِلَ مِنَ التشديد“، فَسَكَتْنَا وَفَزِعْـنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اَلْغَدِ سَأَلْتُهُ: يَا رَسُولَ اَللهِ مَا هَذَا اَلتَّـشْدِيدُ اَلَّذِي نَزَلَ؟ فَقَالَ: “فِي اَلدَّيْـنِ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِـلَ فِي سَبِيلِ اَللهِ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ وَعَلْيِه دَيْنٌ مَا دَخَلَ اَلْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ“)[11].

 

ثـانيـا: تحريم المطل[12]:

– عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ[13] فَلْيَتْبَعْ)[14].

– عن عمرو بن الشَّـريد، عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَـتَهُ)[15].

– عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اَللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْـلَفَهُ اَللهُ)[16].

ثالثا: وحسن التدبير، والورع في أخذ الدّيْن؛

إن من أهم خصال المؤمنين الورع والتحرز من أخذ الدّيْن لغير ضرورة، وتعلّم أحكام الديون ومراعاة آداب الإقراض والاستقراض.

لكن، وبسبب الجشع وكثرة الديون تسلل الربا إلى معاملاتنا، وتساهل بعض الناس في اكتساب المال بطرق غير مشروعة وهو ما حـرّمه الشرع الحكيم في الآية الجامعة للنهي عن المعاملات المحرمة، وهي قوله تعالى: (وَلا تَـاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَـاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّـامِ لِتَـاكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالاِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[17].

أما المؤمن الكيس الفطن فيتعامل مع الـدّين برويـة؛ يدفعـه قبل وقوعه، ويرفعـه بعد وقوعـه، ويحسم أثره عند القضاء وبعده، ومن الحكمة الاقتصاد وحسن التدبير؛ إذ أكثر الديون تُصرف في الكماليات والتحسينات، ومن الحكمة أيضا التخلص من العادات السيئة وإن جرى بها العمل في المجتمع وعدم مجاراتهم في عاداتهم المباحة إن لم تُــطق، وعدم الانصياع لبهرجة الدعاية والإعلان، والتغلب على شهوات النفس وسيطرة الهوى.

والمؤمن يستحضر دائما أمامه قول الله عز وجل: ( وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏)[18].

والحمد لله رب العالمــين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، باب: في قبض اليد عن الأموال المحرمة، في فصل: في تسديد الدّيْن، حديث رقم:5557. ج:4/ص:404.

والإمام المنذري في الترغيب والترهيب، باب: الترهيب من الدّيْن، ج:2/ص:596.

[2] – رواه الإمام الدارمي، كتاب: البيوع، باب، ما جاء في التشديد في الدَّيـن، حديث رقم: 2592. (ج:2/ص: 262).

[3]– رواه الإمام أبو داود في سننه، كتاب: البيوع، باب التشديد في الدين، حديث رقم: 3242.

[4]– رواه الإمام مسلم، كتاب: الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، حديث رقم: 119/1886.

[5]– رواه الإمام مسلم، كتاب: الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، حديث رقم: 117/1885.

والإمام مالك في الموطأ، كتاب: الجهاد، باب: الشهداء في سبيل الله، حديث رقم: 21/14/466.

[6]– رواه الإمام أبو داود في سننه، كتاب: البيوع، باب التشديد في الدين، حديث رقم: 3341.

والإمام النسائي في سننه، كتاب: البيوع، باب التغليظ في الدّيْن، حديث رقم: 4685.

والإمام أحمد في مسنده، مسند سمرة بن جندب، حديث رقم: 20252.

[7]– رواه الإمام الترمذي، كتاب الجنائز، باب: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن معلقة

بدينه حتى يقضى عنه، حديث رقم: 1078.

والإمام ابن ماجة، كتاب الصدقات، باب: التشديد في الدَّيْن، حديث رقم: 2413.

[8]– المغرم: هو الدَّين.

[9]– غرم أي؛ استدان.

[10]– رواه الإمام البخاري، كتاب: الأذان، باب: الدعاء قبل السلام، حديث رقم: 832.

والإمام مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، حديث رقم: 587.

[11]– رواه الإمام النسائي في سننه، كتاب البيوع، باب: التغليظ في الدّيْـن، حديث رقم: 4684.

[12]– المطل هو: أن يؤخر سداد الدين لصاحبه من غير حاجة.

[13]– إذا أحالك من لك عليه دين على رجل ملئ أي غني لتأخذ منه ورضي المليء فاتبع التحويل.

[14]– رواه الإمام البخاري، كتاب: الحوالة، باب: وهل يرجع في الحوالة حديث رقم: 2287.

ومسلم، كتاب: المساقاة، باب: تحريم مطل الغني وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أحيل على

مليٍّ حديث رقم: 33-1564. والإمام مالك، كتاب: البيوع، باب: جامع الدين والحول، حديث رقم: 31/40/584.

[15]– رواه الإمام أبو داود في سننه، كتاب: الأقضية، باب الحبس في الدين، حديث رقم: 3128.

والإمام النسائي في سننه، كتاب: البيوع، باب مطل الغني، حديث رقم: 4703 و4704.

والإمام ابن ماجة في سننه، كتاب: الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة، حديث رقم: 2427.

[16]– رواه الإمام البخاري، كتاب: الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها، حديث رقم: 2387.

والإمام أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة، حديث رقم: 8718، ج: 16 / ص: 299. وفيه: “أَتْـلَـفَهُ

اَللهُ عَزَّ وَجَلَّ”.

[17]– سورة البقرة/ الآية: 187.

[18]– سورة الطلاق/ من الآيتين: 2 و 3.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: