التأصيل الشرعي للمواطنة

تمهيد:

    إن موضوع المواطنة يشكل حاليا أحد موضوعات الساعة، التي تطرح  ويكثر النقاش حوله، ويعتني به المفكرون على مختلف تصوراتهم واتجاهاتهم للدور الذي تقوم به في رقي الفرد والمجتمع، وخاصة أنها صمام الأمان الذي يضمن التوازن بين الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين ويؤسس لقواعد العيش المشترك بين المختلفين.

    والإسلام قد وضح رؤيته لهذا المفهوم ممارسة وتطبيقا منذ الهجرة النبوية حيث ظهرت المواطنة عمليا في أسمى تجلياتها أمام خليط من الشعوب والقبائل بل والديانات المتعددة التي وجدت لها مكانا في المجتمع المسلم لم تجده في موطن آخر.

    وعند التأصيل الشرعي للمواطنة سيتم التركيز على المضمون الإجمالي للمواطنة لا على وجود لفظها ومشتقاتها، لأن لفظ “المواطنة” أو أحد مشتقاته سيكون مستعملاً في معناه اللغوي (المنزل تقيم به)، لأن النصوص التراثية أنتجت قبل زمن الاصطلاح، ولذلك لن نستطيع استنتاج المعنى الاصطلاحي للمواطنة في التراث الإسلامي اعتماداً على استعمال لفظها في ذلك التراث، لأنه سيكون استعمالاً في المعنى اللغوي لِلّفظ وليس في المعنى الاصطلاحي.

      لهذا سنعرض لمجموعة نصوص شرعية تدل بمضمونها على أهم أسس المواطنة المتعارف عليها اليوم من حب للوطن والعيش المشترك بين المسلمين وغيرهم وعلى قيم الحرية والعدل والمساواة.

أولا: من القرآن الكريم

  • قال تعالى: ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾[i]، فقد اعتبر القرآن الكريم الدفاع عن الوطن جهادا في سبيل الله، واعتبر أيضا الإخراج من الوطن وسيلة عقاب وزجر للمفسدين فيه حيث قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[ii]، بل جعل القرآن الكريم إخراج الإنسان من وطنه معادلا للقتل إذ إن التمسك بالوطن والانتماء إليه غريزة وجبلة في الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾.[iii]
  • قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[iv]، هذه الآية توضح وحدة النوع البشري، وصدوره عن أب واحد وأم واحدة، فالبشر كلهم كافرهم ومؤمنهم مشتركون في الأخوة الإنسانية، يقول الطبري: “ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحِّد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، مُعَرِّفًا عباده كيف كان مُبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض، وإن بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذُل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له، فقال: ﴿الذي خلقكم من نفس واحد﴾، يعني: من آدم”.[v]
  • قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُون﴾.[vi] و﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾.[vii] و﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾.[viii] و﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُون﴾.[ix] ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُون﴾.[x] فكل هذه الآيات تعتبر الأنبياء إخوة لأقوامهم الذين كفروا بهم أخوة قومية وإنسانية، ويؤكد هذه الحقيقة صاحب تفسير المنار بقوله: “أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم في النسب هودا، كما يقال في أخوة الجنس كله يا أخ العرب، وللدين أخوة روحية كأخوة الجنس القومية والوطنية، والآية دليل على جواز تسمية القريب أو الوطني الكافر أخا”[xi]، وأضاف: “وفيه أيضا: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب والوطن صالحا، سئل ابن أبي ليلى عن اليهودي والنصراني يقال له أخ؟ قال: الأخ في الدار”.[xii]
  • قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[xiii]، وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[xiv]، وقد نزلت الآية الأخيرة في أهل بيت من الأنصار سرقوا يهوديا، فكاد النبي أن يصدقهم حتى فضحهم الله وحذر نبيه من الدفاع عن الخائنين، وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك[xv]، فنزل القرآن ينتصر للإنسان المظلوم رغم كفره، ويشنع على الظالم رغم إيمانه، فهذه هي عدالة الإسلام الناجزة التي يتساوى أمامها جميع المواطنين كيفما كانت دياناتهم.

ثانيا: من السنة النبوية الشريفة

  • صحيفة المدينة[xvi] وهي المعاهدة التي كتبها رسول الله ﷺ لتنظيم العلاقات بين أهل المدينة بمختلف قبائلهم وأديانهم، فهي العقد المنظم لعلاقات المسلمين فيما بينهم وعلاقاتهم مع قبائل اليهود، وتتكون المعاهدة من 47 بندا، ويعتبرها سليم العوا دستورا ويقول: “ولا تزال المبادئ التي تضمنها الدستور – في جملتها معمولا بها- والأغلب أنها ستظل كذلك في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليوم وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها في أول وثيقة سياسية دونها الرسول ﷺ.[xvii] ويضيف موضحا تميزها عن باقي العقود: “وحق المواطنة الذي أبدعته الوثيقة وكفلته للأقليات الدينية الموقعة عليها، هو وضع أرقى من عقد الذمة وعقد العهد، لأن حق المواطنة لم يوجب جزية على أي من المنضوين تحته، ولم يحرم أحدا من ممارسة الدفاع عن المدينة بنفسه وسلاحه، وهذا هو الوضع الأنسب للدولة الحديثة، التي تميل إلى اشتراك جميع المواطنين في مسؤولية الدفاع عن الوطن”[xviii]، ويضيف أيضا مبرزا السبق الدستوري لهذه الصحيفة: “وهذه الصحيفة هي أول دستور مدون في التاريخ كله، ولم يسبق إلى مثلها أحد ولم ينسج على منوالها أحد، إلى أن صنع الإنجليز بعد ثورثهم في سنة 1215م وثيقتهم التي سموها العهد الأعظم وشتان ما بين الوثيقتين”.[xix]

لم تمنع الصحيفة حق المواطنة عن غير المسلمين حين نصت على اعتبار اليهود والمشركين من أهل المدينة رعايا الدولة الإسلامية وحددت لهم حقوقهم وواجباتهم (البنود 16-20 ومن25 إلى 36)[xx]، فمثلا: “وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم” و”وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين” فهم مواطنون ما داموا محافظين على العهود أي شروط المواطنة، وقد تناولت البنود من 25 إلى 35 العلاقة مع المتهودين من الأوس والخزرج إذ تمت نسبتهم إلى قبائلهم وجعلتهم الصحيفة تحت إطار دولة الإسلام، فاختلاف الدين بمقتضى أحكام الصحيفة ليس سببا للحرمان من مبدأ المواطنة.

  • كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض أي من أهل الذمة، فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام ، فقيل له إنها جنازة يهودي ، فقال: “أليست نفسا”، والحديث صريح في احترام النفس الانسانية بغض النظر عن دينها، وسواء في حياتها أو بعد مماتها. [xxii]
  • والرسول ﷺ تعامل مع ثمامة بن أثال [xxiii] المشرك المحارب بحق الإنسانية ورفض تجويعه وإظماءه، وهذا التعامل بالحسنى دفع ثمامة رضي الله عنه لتغيير موقفه من الإسلام رأسا على عقب، وحول بغضه للإسلام حبا شديدا، وأصبح جنديا ينصر المسلمين على أعدائهم، وهذا أحد نماذج تعاطف الرسول ﷺ مع الحالات الإنسانية من غير المسلمين.
  • عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ.[xxiv] مما يؤكد التعامل التجاري مع غير المسلمين إلى درجة رهن آلة حرب لديهم.

 

[i] سورة البقرة، 246.

[ii]  سورة المائدة، 33.

[iii] سورة النساء، 66.

[iv]  سورة النساء، 1.

[v]  (تفسير الطبري)، ابن جرير الطبري، ط4: 1400ه/1980م، دار المعرفة : بيروت، لبنان، 7/513.

[vi] سورة الأعراف، 65.

[vii] سورة الأعراف، 73.

[viii] سورة الأعراف، 85.

[ix] سورة الشعراء، 106.

[x] سورة الشعراء، 161.

[xi] (تفسير القرآن الحكيم)، المشهور بالمنار، محمد رشيد رضا، ط3: 1367ه، مطبعة المنار: مصر، الأعراف 65، 8/497.

[xii] (تفسير المنار)، محمد رشيد رضا، الأعراف 73، 8/502.

[xiii] سورة المائدة،8.

[xiv] سورة النساء، 105.

[xv] (تفسير الطبري)، تفسير النساء 105، 9/175-176.

[xvi] نسختها الكاملة في ملحق البحث، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة)، محمد حميد الله، ط6: 1987م، دار النفائس بيروت، ص57-64.

[xvii] (السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث)، علي محمد الصلابي، ط7: 1429ه/2008م، دار المعرفة: بيروت، ص332.

[xviii] (للدين والوطن)، سليم العوا، ص25.

[xix] المرجع نفسه، ص60-61.

[xx] (دستور المدينة والشورى النبوية)، محمد سليم العوا، ص135.

[xxi] صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، ح1312، 2/85.

[xxii]  (الحريات العامة في الدولة الإسلامية)، راشد الغنوشي، طبعة عام 2008م، مركز الناقد الثقافي: دمشق سوريا، ص52.

[xxiii] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال، ح4272، 5/170.

[xxiv] صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب ما قيل في درع النبي والقميص في الحرب، ح2916، 4/41.

اظهر المزيد

ّحميد نعيمي

أستاذ التربية الاسلامية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
    أخي حميد بارك الله فيك وفي علمك ونفع به امين
    وبعد فإن لي ملاحظات :
    – مادة وطن تحمل معاني الاستبداد والاستكبار لما ارتبطت تاريخيا بمخططات سايس بيكو وحاضرا بحكام الجبر والجور
    – الوطن دولة قومية تتناقض تماما مع أممية الإسلام وعالميته
    – النصوص التي أوردتها في المقال ترشد كلها إلى ضرورة تحقيق العظل وحفظ حقوق الناس
    – ثمة نصوص كثيرة تدعو إلى الهجرة في الأرض وعدم الارتباط بأرض ماإذا تعذرت عبادة الله فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: