الاقتصاد البنفسجي The violet economy

الاقتصاد في ألوان

الاقتصاد مرآة تنعكس فيها الألوان المعبرة عن حقيقة المبادئ التي يطمح المجتمع إلى تحقيقها وطرقه في تحصيل الثروة وتلبية الحاجات الإنسانية.

ويصبغ الاقتصاد بألوان التضامن، والتنمية، واحترام البيئة وثقافة الشعوب حين ينسجم مع فطرة الإنسان وغايته الوجودية، وقد يطبعه من مظاهر الاستغلال، والانتهازية وتقديس الفردية ما يجعله قاتما لا أثر فيه للمبادئ المعبرة عن إنسانية الإنسان. وتحضر الإنسان.

حينها يصبح الرجوع إلى ألوان الاقتصاد المنسجم مع الفطرة السليمة أضغاث أحلام لا علم للملأ بخبرها. وطموح دونه جبال استبداد واستعباد لا سبيل لاقتحامها إلا بنهضة الأمة.

وفي مرحلة استنهاض العزائم والهمم، وفتل حبال الصعود والاقتحام. يكون كشف الوجه المظلم للاقتصاد الجاتم على مقدرات الأمة، والتطلع إلى الألوان الحقيقية للاقتصاد التي تتحقق معها سعادة الإنسان وتحفظ فيها كرامته مهمة لا بديل عنها.

وتتعدد الألوان التي يتلون بها الاقتصاد وتتعدد معها حمولة القضايا والمبادئ التي تتقمسها هذه الألوان .

وقد حصرها البعض في سبعة ألوان، ومنهم من زاد عن السبعة ، ومنهم من رشح الاقتصاد للتلون بألوان أخرى تتباين في دلالاتها ورمزيتها.

وحسبي هنا أن أتناول من ألوان الاقتصاد أصدقها دلالة، وأكثرها ارتباطا بالواقع، وأبلغها أثرا في معاش الشعوب سلبا أو إيجابا. مع إبراز وجه تقاربها أو تعارضها مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي.

وأفتتح سلسلة: “الاقتصاد في ألوان” باللون البنفسجي. الذي يضفي على الاقتصاد في نعت بالاقتصاد البنفسجي.

فما المقصود بالاقتصاد البنفسجي أو الأرجواني؟ وهل الاقتصاد الإسلامي اقتصاد بنفسجي؟

الاقتصاد البنفسجي معناه: الاقتصاد الذي يحمل قيما ترتبط ارتباطا وثيقا بثقافة المجتمع. مما يحقق استجابة وتفاعل الكائن المثقف ـ الإنسان ـ فتكون بذلك الثقافة خادمة للاقتصاد موصلة لأهدافه. وتوصف الثقافة بأنها القوة الناعمة ذات الأثر البالغ في الاقتصاد.

ويقصد بالثقافة مجموع العقائد والقيم التي يقبلها ويمتثل لها أفراد المجتمع، وهي روح الأمة وعنوان هويتها. فلكل أمة ثقافة تستمد منها مقوماتها، ولكل مجتمع ثقافته التي يتميز بها عن غيره.

ولا يهمنا بحث دلالة اللون البنفسجي عما هو ثقافي. بقدر ما يشغلنا بحث الأبعاد والمضامين التي تعكس حقيقة ما يدعو إليه الاقتصاد البنفسجي، ومدى انسجامها أو تنافرها مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي.

جذور الفكرة ومرجعيتها انطلقت في فرنسا مع أول ملتقى دولي في موضوع الاقتصاد البنفسجي. حيث انعقد المنتدى الدولي الأول لما أطلق عليه بالاقتصاد البنفسجي في شهر

أكتوبر من سنة 2011 م تحت رعاية كل من منظمة اليونسكو والبرلمان الأوربي والمفوضية الأوروبية.

ثم توالت المؤتمرات بعد ذلك. حيث احتضن المغرب فعاليات أول منتدى إفريقي في موضوع الاقتصاد الأرجواني بمدينة مراكش في الرابع والخامس من نونبر سنة 2016

وكان محور الانشغال في هذا الملتقى الدولي: التركيز على التعبئة الثقافية وتنمية دورها لتحقيق الاستجابة لمتطلبات التطوروضمان حلول أكثر جاذبية لما تتخبط فيه الدول الإفريقية من عوائق تحول دون التنمية المستدامة. كما أن مباحثات هذا الملتقى انطلقت من قناعة مضمونها: أهمية تدارس القضايا المتعلقة بالوعي الثقافي للنهوض بعوامل التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئية.

ومن خلال تصفح البيانات الختامية لهذه المؤتمرات يتبين ما يلي:

ـ أن الاقتصاد البنفسجي يدل على الاقتصاد الذي يستدعي العوامل الثقافية لتأخذ مكانتها ضمن العوامل التي لها أثر في توجيه الاقتصاد وتحقيق أهداف الرفاه والتنمية.

ـ أن التغيرات على الساحة الدولية تؤكد فشل المخططات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تسطر في منآى عن العوامل الثقافية.

ـ أن العولمة في واقعنا اليوم تفرض حتما النظرة العالمية، والتوجه الكوني لكل مجالات النشاط الإنساني.

ـ أن الإنسان كائن متعدد الثقافات. والتي يتدخل في بنائها عامل العقيدة والانتماء الحضاري والتقاليد المجتمعية. هذا التعدد يفرض ذاته، ويحتم على المؤسسات الاقتصادية مهما بلغ امتدادها الكوني استحضاره. حيث لا يمكن التعامل على نمط  واحد مع فئة المستهلكين.

ـ أن الوعي الاستهلاكي ارتقى عند المستهلك مع تطور التكنولوجيا الحديثة وتزايد توظيف الأنترنيت في التجارة. مما يفرض في مجال المنافسة استدعاء كل العوامل التي لها أثر في الاستقطاب، ومن أهمها العامل الثقافي.

ـ أن الاستجابة للتعبئة الثقافية له أثره في تجاوز التحديات العالمية المؤثرة في الاقتصاد وأن التفاعل مع العناصر الثقافية يجعل من الممكن تقديم الحلول الأكثر إنسانية والأكثر جاذبية، والتي تتكيف مع السياقات المختلفة.

كل هذه العناصر تؤكد أن استنهاض الحوافز الاقتصادية والاستجابة للفرص المتاحة بالنسبة للفرد والمجتمع ملجمة بلجام الثقافة. فهي الموجه والمحفز الداخلي الأقوى المؤثر في الإنفاق للاستهلاك والاستثمار.

لكن الخطاب المسكوت عنه قصدا والذي يتآمر المؤتمرون ـ المتآمرون في موضوع الاقتصاد البنفسجي ـ على ستره هو دور مؤسسات الدولة ورجالاتها في تمثل ثقافة الاقتصاد إذ العوامل الثقافية المؤثرة حقيقة في الاقتصاد يجب أن تحظى بتوجه كل طبقات المجتمع.

فمن الحيف والظلم الاجتماعي الصارخ أن نطلب من الفئات المستضعفة في المجتمع التحلي بمبادئ تتملص منها الفئات المترفة.

يقول الاقتصادي الياباني يوشيهارا كيونيو “إن أحد أسباب تطور اليابان هو أنها تملك ثقافة مناسبة لذلك. ”

صحيح أن الدول المتقدمة. تمتلك ثقافة مناسبة للتطور حكومة وشعبا، قيادة وقاعدة. من رأس المثلث إلى قاعدته. وهذا من أسرار تطورها.

وما يوازي ذلك ويعادله صحة أن أسباب فشل كثير من الدول العربية امتلاكها لثقافة الفشل على مستوى قيادتها. والتي تسعى إلى تكريسها وترسيخها في سلوك المؤسسات والأفراد واتخاذها منهجا في علاقتها الدولية.

فثقافة الفشل تنخر جسد الأمة لتنتج معاول الهدم وتعرض عن عوامل البناء والتطور.

ومن ثقافة الفشل: التبعية الاقتصادية التي يقودها الحكام في أوطاننا والتي تدفع إلى تجاهل المبادرات، والشح والتقتير في تمويل الكفاءات.

وفي المقابل تدفع ثقافة التطور، والطموح إلى رفاه دول الغرب كفرنسا، وكندا، وغيرها لاحتضان كفاءاتها، واقتناص الكفاءات العربية، والبر بها، والاستفادة من خبرتها.

كما أن ثقافة الفشل والخوف وهاجس تحقيق أمن المناصب هي بالذات من تدفع حكام الكثير من الدول العربية إلى تجويع شعوبها وتقديم مقدراتها إلى الغير. طمعا في حمايته.

وإذا أمكننا توصيف ثقافة الفشل ـ في أغلب البلدان العربية ـ فلا أقل أن نصفها بالتركة التي تؤول إلى الحكام فرضا وتعصيبا كما تؤول إليهم الثروة والحكم، ويعهد إليهم معها

بوصية واجبة مفادها أن الطموح إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي، والاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح خيانة عظمى لأسيادهم، وأن استمرار الثروة والحكم رهين بترويج ثقافة الفشل، وصناعة الفشل تحت أي غطاء ممكن.

إن الثقافة التي تخدم الاقتصاد هي بالأساس ثقافة دولة تحدد وجهتها وسياستها الخارجية قبل أن تكون ثقافة مواطن مغلوب على أمره.

ومن جهة أخرى فإن لون البنفسج المعبر عن العنصر الثقافي في الاقتصاد نحتاجه أولا غراء وطلاء ينهي صدأ الفساد والرشوة والاختلاس والمحسوبية والتهرب الضريبي. وتبديد المال العام واستغلال النفوذ. قبل الترويج له في المؤتمرات والمنتديات.

فعن أي ثقافة تتحدثون؟ وأي بنفسج تقصدون؟ مالكم كيف تحكمون؟

إن ثقافة التضامن، يجب أن تظهر في سلوك الساسة وأهل الثروة والحكم في المجتمع أولا. قبل أن نلتمسها في سلوك المواطن المقهور.

والمنطق السليم للاقتصاد البنفسجي يفرض الانطلاق من القصر ثم الكوخ، ومن الحاكم ثم المحكوم، ومن مؤسسات الدولة ورجالاتها إلى عموم الشعب مقتديا ومقتفيا.

وبذلك تظهر الدعاوى المغرضة الكاذبة المتقنعة بالألوان المزيفة، ويتميز اللون البنفسجي حين يوضع على بياض الشريعة وعدلها الذي يستنهض همة الراعي والرعية لتمثل قيم الثقافة الإنسانية الممهدة لنهضة اقتصادية يتحقق فيها التضامن، والتحرر من الاستعباد.

إن ثقافة المجتمع المسلم تأبى أن يبيت المسلم ليلته شبعان وجاره إلى جنبه جوعان وهو يعلم بل ترشد المسلم ليغرف من مرقه لجاره ويقاسمه الفاكهة واللقمة… تربية بالقليل لتجود النفس بالكثير.

بل شهد التاريخ على أن ثقافة الاقتصاد والتضامن ورعاية المصالح العامة سجية عند المسلمين. لا ترفع منسوبها دعاية، ولا تفرضها سلطة.

وكم يشعر الباحث بالاعتزاز والفخر حين يجد مظاهر الوقف في تاريخ الإسلام عم نفعها الإنسان والبيئة والحيوان. فتجد من ذلك الوقف على الكلاب الضالة والقطط الشاردة لتوفير مطعمها ومشربها ومسكنها. وتجد من مظاهر الوقف من كان مقصده إطفاء وهج ضمأ الحيوانات في البراري.

وهذا ليس غريبا على دين تؤكد شريعته أن الله تعالى شكر لرجل سقى كلبا فأدخله الجنة وأدخل امرأة النار في هرة.

فأين من جمعوا السلطة والثروة من ثقافة الوقف والرحمة والتضامن. فكم جائع ومريض وذو عيال يجاورهم ويشاركهم الوطن ما حضي منهم بنظرة رحمة. وكم من شباب آثر خوض البحر عن نار الفقر والذل المحرقة في وطنه.

إن من أبرز تجليات الثقافة المؤثرة في الاقتصاد: التورع عن المال العام الذي ولغ فيه من ولغ، ولعق الإناء إلى القاع. ورفع بصره طامعا في كسرة الفقير والمسكين لينقض عليها ما وجد لذلك حيلة وسبيلا.

صلى الله وسلم على من نام على الحصير، وما شبع من خبز الشعير، وما ذل ولا احتقر مسكينا ولا فقير، ورضي الله على من حكم فعدل. وعلى من أنفق من ماله النصف والكل.

هكذا تكون الثقافة خادمة للاقتصاد، وهكذا رسم التاريخ ألوان البنفسج الزاهية.

إذ لا معنى للاقتصاد البنفسجي إن كان الهدف تكريس الثقافة الاقتصادية على المحكوم دون الحاكم وعلى الرعية دون الراعي.

ومن جهة أخرى يجب على الفئة المستضعفة أن تعي أن الاقتصاد البنفسجي يمكنها من إدراك حجم قوتها. وأن تؤمن بأن بيدها من العوامل الثقافية ما إن أحسنت تدبيره كان لها الكلمة والأثر في العديد من القضايا الاقتصادية.

فعلى كاهل الشعب يقوم الاقتصاد وعلى عاتق المستضعفين يغتني أهل الثروة وتتضاعف مداخيلهم.

إن فئة الشعب العريضة التي تعيش على حد الكفاف، والقليل منها من يصل بجهد جهيد لحد الكفاية. كلها معنية بترشيد ثقافة اقتصادية تدفع لوبيات السلطة والمال لاحترام كرامة الشعب واستحضار تطلعاته للرفاه والتنمية.

وأظن أن سلاح المقاطعة في الآونة الأخيرة يؤكد بلا شك على أثر البعد الثقافي في الاقتصاد. وهو سلاح ذو جدوى فتح بوثقة أمل لإعادة الثقة لفئة المستهلكين التي ظلت ردحا من الزمن تتحمل الزيادات المتكررة في الأسعار التي فاقت قدرتها الشرائية.

آن الآوان لاستحضار البعد الثقافي في الاستهلاك والاستثمار، وتحقيق الفهم الواسع لقوله تعالى: ” ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما. ” سورة النساء. الآية 5.

فأبعاد الاقتصاد البنفسجي الحقيقي ترفض الغباء الاستهلاكي والانصياع وراء الدعايات المأجورة التي تريد أن تجعل الفرد كائنا مستهلكا متجردا عن القيم الأخلاقية والثقافية.

وتوجه الإنسان إلى الاستهلاك بقدر ما ينتج لا بقدر ما يتوقع أن ينتج . كما ترشده إلى الأرفق ثمنا والأحسن جودة. مما يفرض على سفهاء القوم التعقل، والرجوع طوعا أو كرها عن نظرتهم الاستغلالية، ومنطق الربح الفاحش الذي لا لون له.

في انتظار ذلك لنا الفسحة والمجال لبحث واختبار لون آخر من ألوان الاقتصاد.

آملين ألا تكون الألوان حربائية تخدع الناظر وتسحر العيون. وحقيقتها تخالف المأمول والمظنون.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: