الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آلية لتدبير الاختلاف

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آلية لإدارة الاختلاف وتدبيره، حيث يعطي الحق في إبداء الرأي المعارض، والوقوف مع الحق والمعروف، والرفض لكل منكر في حرية تامة، أمر الله تعالى به “لرفع الحق وإخماد الباطل”[2] فهو ضابط لسير نظام الحكم في الدولة الإسلامية، وضابط للعلاقات الأخرى، سواء كانت فردية أو أسرية أو اجتماعية.

فهذا الضابط يحمي المجتمع الإنساني من الظلم والاستبداد والفساد، والانفراد بالرأي واتخاذ القرار من جهة واحدة، يحمي الحقوق ويساعد على أداء الواجبات، يرد المظالم إلى أهلها، يوجه الخلاف الإنساني ويضبطه بطلب الحق وقصد الصواب، لأن تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخاذل الناس في ممارسته، مدخل لفساد الحكم، وأكل أموال الناس بالباطل، وضياع الحقوق، والتماطل في أداء الواجبات …، إلى غير ذلك من مظاهر الفساد، مما ينتج عنه خراب العمران، ولا يخفى ما ينتج عن هذا كله من نزاعات واختلافات، لا يعلم كنهها إلا الله.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممارسة حقيقية للمعارضة وإبداء الرأي السياسي والفكري، باللسان أو القلب، أما التغيير باليد فهو من اختصاص السلطة الموكل لها تلك المهمة شرعا أو قانونا، وهو ممارسة واجبة على كل قادر عليه لقوله تعالى:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:104) يقول ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة:71): “وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾(التغابن:16)”[3].

وقد ذهب جل المفسرين إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي، وبذلك يكتسب مشروعيته في أعلى مراتب التكليف الشرعي، فيكون طلبه طلبا جازما، يلحق العقاب من تركه، ويؤجر فاعله، وهو واجب على الفرد والجماعة: هيئة أو نقابة أو منظمة ..، وبذلك يكون إبداء الرأي بالمعروف ونهي المنكر، قربة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، ويسأل عنها يوم القيامة.

فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آلية لضبط اختلافات الأمة، وحماية مبادئها وقواعد شريعتها، وهو الضامن للعلاقة بين الراعي والرعية، فثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تكون رأيا عاما داخل المجتمع، يحمي المعالم الحضارية للأمة، ويوجه سلوك أبنائها نحو التفاعل المبني على النقد والتثبت لا التقليد، فإن ممارسة هذه الآلية كفيل بحماية الألفة والاجتماع الإنساني، وممارسة النقد البناء، فإنه يقوم بتطهير المجتمع من المنكر وبناء صرح المعروف.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد مقومات المجتمع المسلم، بل المجتمع الإنساني، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة:71) كما أنه أحد وظائف الدولة المسلمة قال تعالى في حق من إن مكنهم في الأرض تقربوا إلى الله بعبادات منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41) وكان من أوصاف النبي الكريم عند أهل الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(الأعراف:157).

فإن الآيات القرآنية اقتصرت في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن مجرد الأمر والنهي، بينما الحديث الشريف رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر مستويات ثلاث: اليد واللسان والقلب، قال صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان[4].

لكن بالنظر إلى الآيات القرآنية التي تحدد مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجرد التبليغ دون الهداية لأنها من عند الله، تكون هذه الآيات هي الموجه والمرشد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأن يكون دوره مقتصرا على التبليغ باللسان بالتي هي أحسن وبالقلب، أما اليد فهي من اختصاص الجهة التي تفوضها الدولة يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:104): “وأما الإنكار الذي بالقتال، فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها”[5].

فالآيات القرآنية التي تحدد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه الدعاة والمفكرين .. في التبليغ، تضع خطة طريق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تتمثل في تحديد دوره في الأداء باللسان والقلب، أما الأداء باليد فهي مهمة السلطة أو الجهة المكلفة من طرف الدولة، إلا إذا تعلق الأمر بحالات الدفاع الشرعي عن النفس أو عن الغير.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان والقلب أو باليد من طرف الجهة المكلفة في الدولة، ضمانة لتدبير الاختلاف، لأنه يعطي الحق للمخالف في التعبير عن رأيه، والحق في اعتناق الآراء والأفكار والمعتقدات، لأن القرآن يحدد المهمة في التبليغ والجدل بالتي هي أحسن، من غير إكراه ولا فرض.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتخذ صيغا مختلفة يختلف باختلاف العصور والأزمان، فالنقابات، والأحزاب والهيئات والجمعيات والتنظيمات .. كلها تقوم على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلها تنظيمات يجمعها برنامج فكري واحد، تدافع عنه وتعتبره معروفا، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:104) يقول ابن عطية فيما يرويه عن الضحاك والطبري وغيرهما: “أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة ..”[6]، صفة الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل جوانب الحياة، لأنه يتعذر القيام بهذه المهمة من كل الأمة، وخصوصا في زماننا.

ويؤكد رشيد رضا هذا المعنى عندما يرى أن الأمة ليس المقصود بها الجماعة “كما قيل وإلا لما اختير هذا اللفظ والصواب أن الأمة أخص من الجماعة فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص.”[7] وهذا الذي ذكره رشيد رضا ينطبق على التنظيمات المعاصرة من نقابات وجمعيات وأحزاب ..، فإن لهم برنامجا يربطهم، وهم يتألفون ويجتمعون كالشخص الواحد.

وقد اختلف المفسرون في الأمر هل هو للتبعيض أو للبيان، أي هل الأمر للأمة كلها، أم لطائفة وجماعة، وحكا هذا الاختلاف غير واحد من المفسرين[8]،  فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الآية، سواء كان الأمر للأمة كلها على القول بأن “من” للبيان، أم كان الأمر لجماعة أو طائفة من الأمة على التفسير القائل بالتبعيض، فكلا التفسيرين، يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضابط لتدبير الاختلاف.

لأنه في التفسير الأول يوجه الأمة كلها وجهة واحدة ويجعل لها جامعا تجتمع وتتألف عليه وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التفسير الثاني يجعل طائفة وجماعة وفئة من الأمة تتحد وتتألف وتجتمع فيما يؤلف ويوحد الأمة وينفي عنها الافتراق والنزاع، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فسواء قامت الأمة بذلك أو قامت به جماعة أو طائفة كان المقصود هو الاجتماع والائتلاف على إقامة بناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما يؤكده سياق الآية قبل، حيث أمر الله تعالى في الآية السابقة بالاعتصام بحبل الله والألفة ونهى عن الافتراق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:103).

وبالجملة فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حافظ لجامعة الأمة وألفتها، ومانع من فرقتها يقول رشيد رضا: “فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظ الجامعة وسياج الوحدة ..”[9]، فهو آلية للتعاون مع المنظمات الحقوقية العالمية التي هدفها إنصاف الشعوب وتمتيعها بالحرية، وهو تعاون على درء المفاسد وجلب المصالح المشتركة، وهو آلية من آليات التأسيس للمعارضة السياسية في الإسلام، لأن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبداء الرأي المعارض، واتخاذ موقف اتجاه واقع يخالف ما يؤمن به الآمر بالمعروف أو الناهي عن المنكر.

فهرس المصادر والمراجع:

– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية(ت: 728هـ)، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط/1، (1418ه).

– الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، الزمخشرى(ت:538هـ)، اعتنى به وخرج أحاديثه وعلق عليه: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط/3(1430ه/2009م).

– المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي(ت546ه)، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، (1422هـ/2001م).

– الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي(ت: 790هـ)، شرحه وخرج أحاديثه: عبد الله دراز، وضع تراجمه: محمد عبد الله دراز، خرج آياته وفهرس موضوعاته: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، (1411ه/1991م).

– تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، رشيد رضا(ت: 1354هـ)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1990م).

– صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري(ت:261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون طبعة، بدون تاريخ.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– تخصص العقيدة والفكر الإسلامي، مدير مركز تدبير الاختلاف للدراسات والأبحاث، فاس-المغرب.

[2]– الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي(ت: 790هـ)، شرحه وخرج أحاديثه: عبد الله دراز، وضع تراجمه: محمد عبد الله دراز، خرج آياته وفهرس موضوعاته: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، (1411ه/1991م)،1/175.

[3]– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية(ت: 728هـ)، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط/1، (1418ه)، ص:9

[4]– صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، رقم:49، 1/69.

[5]– الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، الزمخشرى (ت:538هـ)، اعتنى به وخرج أحاديثه وعلق عليه: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط/3، (1430ه/2009م)، 4/188.

[6]– المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي(ت546ه)، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط/1، (1422هـ/2001م)،  دار الكتب العلمية، لبنان، 1/485

[7]– تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، رشيد رضا(ت: 1354هـ)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1990م)، 4/30.

[8]– المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي(ت546ه)، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط/1، (1422هـ/2001م)،  دار الكتب العلمية، لبنان، 1/485

[9]– تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (ت: 1354هـ)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1990م)، 4/23-24.

اظهر المزيد

د. محمد الصادقي العماري

رئيس مركز تدبير الاختلاف للدراسات والابحاث تخصص العقيدة والفكر الاسلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: