الألماني الأسير “يوهان وايلد” في مكة والمدينة

        اتفـــــق المؤرخون والمستشرقون الأوربيون على أن البولوني ” لودفيكو دي فارتيما ” كان أول رحالة أوروبي آتي إلى جزيرة العرب، سنة 1503، والشكوك تحوم حول صحة الرواية القائلة بأن الرحالة ” كابوت ” قام بزيارة مكة المكرمة فيما بين عامي 1476 و1490…!

        كــذلـــك ما أشارت إليه المستشرقة ” جاكلين بيرن ” بأن الملك ” جان ” عاهل البرتغال قام بإرسال ” بدرو دي كوفيلها ” إلى جزيرة العرب سنة 1487، وكان يتحدث العربية، للتحقق من إمكانية الوصول إلى الهند مروراً بالبحر الأحمر، وقد أنضم إلى قافلة من المغاربة رحلت من القاهرة، الى عدن على ظهر مركب، ومنها إلى الهند،  وقد روى “كوفيلها ” قصة أسفاره، زاعماً أنه قام برحلة إلى مكة والمدينة..

        وإلــــي جانب خدمة مصالحهم التجارية، فقد كان للبرتغاليين هدفهم في شن حرب صليبية وحملات تبشير،  بدأت بتوجيه جانب من هذه الحملات إلى الحبشة.. فكان القرن السادس عشر: عصر السيادة البحرية البرتغالية على بحور سواحل شبه الجزيرة العربية، حتى تأسيس شركتا الهند الإنجليزية والهولندية في أوائل القرن السابع عشر.

        لـــــــم يبذل البرتغاليون أي جهد للتوغل داخل جزيرة العرب، بينما كان للأسرى فضل كشف بعض الجوانب من حياة العرب وبلادهم، وكان الأتراك حريصون على الإيقاع بأكبر عدد من الأسرى، ويقبلون الإفراج عمن تدفع عنهم فدية مالية كبيرة.. فكان من بين هؤلاء الأسرى ” جوزيف بيتس ” أول بريطاني وثاني أوروبي يزور مكة المكرمة سنة 1680.. وهؤلاء الأسرى يمكن أن نطلق عليهم ” رواد بالمصادفة “! .. فما هي قصة أول ألماني وصل إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة؟!

        ولــــــد ” يوهان وايلد.Johann Wile ” عام 1585 بمدينة ” نورنبرج – Nurnberg ” بجنوب ألمانيا، وعندما كان يؤدي خدمته العسكرية بالجيش الإمبراطوري في المجر، أسره الأتراك واقتادوه إلى القسطنطينية في عام 1604 ورافق سيده في رحلة الحج إلى مكة المكرمة عام 1607، واستمر أسيراً حتى عام 1609، عندما استعاد حريته وعاد إلى وطنه عام 1611، حيث كتب مذكراته عن هذه الرحلة: ” تقرير رحلة لأسير مسيحي – Travel Record of a Christian Captive ” طبعت للمرة الأولى سنة 1613 ثم أعيد طبعها سنة 1623 م.

        وقــــــــد بيع يوهان وايلد خلال فترة أسره: سبع مرات، وكانت المحطات الرئيسية لرحلته الطويلة مع سادته، والتي بدأت من نورمبرج سنة 1604: هنغاريا ( المجر ) القسطنطينية، الإسكندرية، القاهرة، ثم الرحيل براً إلى مكة سنة 1607 ثم المدينة المنورة، جدة، ثم الرحيل بحراً إلى مخا، السويس، القاهرة، سيناء، القدس ( 1608 ) دمشق، القاهرة.. تحرر من العبودية ( 1609 ) قبرص، العودة إلى القاهرة.. ثم الرحيل إلى القسطنطينية.. الدانوب، ليمبرج، كراكو، براج، ثم نورمبرج عام 1611 م.

        عقــــــب وصوله إلى القسطنطينية، بعد أسره في عام 1604، باعه الأتراك إلى تاجر رقيق، الذي باعه بدوره إلى مالك جديد توجه به إلى القاهرة، حيث باعه إلى تاجر إيراني هو الذي رافقه في رحلة الحج إلى مكة المكرمة..

        تحـركـت القافلة في الطريق البري عبر سيناء، مكونة من عشرين ألف رجل، ومائة ألف جمل، حتى وصلوا الى مدينة ” العقبة ” ومنها إلى مدينة ” ينبع ” بعد أن فقدت القافلة نحو 1500 رجل و900 جمل!

إلى مكة المكرمة

        بعـــــــد ثلاثة أيام من مغادرة ” ينبع “.. هاجم البدو القافلة، فقتلوا ثلاثمائة حاجاً وخمسمائة جمل.. واتخذت القافلة طريقها بين الجبال الوعرة ” حتى وصلنا إلى مكان معركة قديمة – يقصد غزوة بدر– في مكة “.. وأضاف وايلد بعض التفاصيل عن عادات البدو وملابسهم..

ووصف المسجد الحرام بأنه مشيد من الطوب الأحمر وله تسعون أو مائة باب ذات عقود!!.. وحول مدخل هذا ” المعبد “، تجمع عدد من باعة الجواهـر ولا شـيء غيـرهــا!

       وتـوهـم أن جميـع أرجـاء المسجد وجـدرانه مغطـاة بالـذهـب!.. ونحو خمسة آلاف، رجال ونساء، يفترشون أروقة المسجد، يبيعـون العطور بأنواعها للقادمين من بقاع الأرض.. وكتب ” يا لروعة هذه الروائح الزكية التي شممتهـا في هذا المكان فتبعث في النفس انتعاشاً وبهجـة “!

        وتحــــدث وايلد عن الحجر الأسود ومناسك الحج فقال: ” في أحد أركان بيت الله (الكعبة المشرفة ) إلى الجهة اليمنى باتجاه مشرق الشمس، يوجد الحجر الأسود وهو بحجم قبضة اليد.. كان الحجيج يقبلونه سبع مرات.. وخلال الطواف سبع مرات.. كانوا يدعون ربهم طالبين الرحمة والمغفرة ”  ووصف رحيل الحجيج وصعودهم إلى جبل عرفات، ورمي الجمرات  كما وصف بئر زمزم ومقام إبراهيم  وأشار إلى أن مجموع الحجاج القادمين من القاهرة ودمشق واليمن كان أكثر من 40 ألف حاج!

فــي المدينـة المنـورة

        وعقـــــب انتهاء مناسك الحج، توجهت القافلة إلى المدينة لزيارة ضريح النبي – صلى الله عليه وسلم – وكتب وايلد: ” توجهنا إلى المدينة، حيث كنيسة تركية كبيرة!.. ( يقصد الحرم النبوي ) وقد أتت مجموعة من العرب ( مطوفون ) إلى سيدي يسألونه إذا كان يريد التوسل إلى النبي محمد، وعندما أبدى موافقته، طلبوا مبلغاً من المال ( نصف تالار ).. وأضاف ” وذهبنا معهم والحجيج يرددون ما يقولونه من أدعية وصلوات.. وباتجاه مشرق الشمس، وقفنا إزاء غرفة مغلقة تزدان بشبكة من الحديد والنحاس المشغول، لم يكن مسموحاً لأحد بالدخول وظل الحجاج يرددون الأدعية متوسلين إلى النبي محمد، وفاطمة، وعمر ثم عثمان، وعلي، والحسين وأبي بكر “!.. ووصف القناديل التي تزين المسجد، والدراويش الذين يتكسبون باحراقهم للبخور!

        ونفى وايلد ما كان سائداً في الفكر الأوروبي في ذلك العصر بأن ” الجسد الطاهر ” للنبي معلق بسقف المسجد – داخل تابوت – بفعل جذب حجر مغناطيسي!.. وقال أنه شاهد الضريح من خلال النحاس المشبك أو المشغول مغطى بنسيج مخملي جميل معطر وقد وضعت فوقه باقات الورد كـانـــت لغة وايلد واضحة، بسيطة، ومعلوماته دقيقة، في شيء من التفصيل وأشاد بالعالم – الكوزموبوليتاني – للشرق حيث يعيش المسلمون والمسيحيون العرب والبدو، الفرس واليهود، والأرمن ” الذين يقدمون خدماتهم لكل من يقابلهم “!

        ومــــن خلال وصف رحلاته الطويلة، حرص وايلد على أن تتضمن يومياته بعض المعلومات عن المعاملات التجارية، والعلوم، وملاحظات عن السكان وكان طوال إقامته في القاهرة والقسطنطينية حريصاً على تدوين تقارير قيمة، بعضها مرتب موضوعياً والبعض الآخر على شكل حكايات أو قصص قصيرة شملت أحوال التجار، موضوعات دينية، الزواج، الختان، الأزياء، المكوس أو الضرائب، أحوال النساء، الزراعة وأحداث سياسية، وتفاصيل من الحياة اليومية.

        لقـــــــد كان ” جوهان وايلد ” الأوروبي الوحيد الشاهد على عظمة المدينتين المقدستين، بعد عصر ” دي فارتيما ” بأكثر من مائة عام!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: