الأسس الإيمانية للعمل الخيري في الإسلام

العقيدة الإسلامية هي التصور العام عن الخالق والمخلوق، والعلاقة بينهما، ثم عن الإنسان، وحياته، ووجدانه، ومصيره، علاقته بالله، وبالكون، وبأخيه الإنسان، وبهذا فالعقيدة هي التصور العام لمنهج الحياة، ومنبع القيم الإسلامية.
فطبيعة العقيدة الإسلامية ليست شيئا تأمليا تجريديا، لكنها تصور عقلي، وجداني، محرك، يؤسس النظام الاجتماعي العام، ويدفع نحو تجسيد مضامين التصور في الأعمال. ولهذا نجد دائما في القرآن الكريم عبارة (إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات)، وهي عبارة نسقية مطردة في القرآن الكريم، فالإيمان قول واعتقاد وعمل. جاء في الحديث: “الإيمان بضعون وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان“1 .
والعمل التطوعي الاختياري كباقي الأعمال الصالحة الأخرى، يستمد دعائم تطبيقه من هذا التصور العقدي الإيماني الرباني؛ فالتصور هو الذي ينمي وجدان المتطوع للإقبال على العمل الخيري والانخراط فيه بكليته. ويمكن أن نتحدث عن الإطار الإيماني للعمل الخيري من خلال الأسس التالية:

الأساس الأول: ــ المال، مال الله والإنسان مستخلف فيه:

لقد من الله تعالى على الناس بنعم جمة لا تحصى ولا تعد، ومن ضمن هذه النعم المال باعتباره عصب الحياة وقوامها، وأحد شقي الأعمال الخيرية إضافة إلى الخدمة، فمن الناس من قدّر هذه النعمة فتصدق منها وتزكى بالبعض الآخر، ومنهم من اعتبر المال ماله فأسرف فيه وبذره بلا رقيب ولا حسيب فلا هو تصدق منه ولا هو تزكى ولا رحم المستضعفين، ضناً منه أن المال هو ماله ولا أحد له الحق فيه.
فالمال في التصور العقدي الإسلامي هو مال الله والإنسان مجرد خليفة فيه؛ قال الله تعالى:﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾2 . تقرر هذه الآية الكريمة أن المالك الحقيقي للمال هو الله تعالى والإنسان مجرد خليفة ووكيل فيه، مما يقتضي منه أن يتصرف فيه وفق مراد مالكه الحقيقي الذي هو الله سبحانه وتعالى.
روى مسلم عن مطرف بن عبد الله عن أبيه، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾3، فقال: “يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس“4 .
فالنبي صلى الله عليه سلم أكد في هذا الحديث أن التصور الحقيقي للمال هو فقط ما استهلكه الإنسان من مأكل وملبس أو صدقة ادّخرها للآخرة أما ما عدا
ذلك من المال فهو يحرسه لورثته من بعده.

الأساس الثاني: تحصيل الثواب والقرب من الله تعالى:

ينبني التصور العقدي الإسلامي على أساس أن حياة الإنسان لا تنتهي بمجرد خروج الروح، وانقطاعه عن الحياة الدنيا، بل هناك حياة أخرى؛ غير أن هذه الأخيرة تقوم، في نوعيتها، ودرجتها على ما سبق للإنسان أن قدم من عمل في الحياة الدنيا، كما تقوم على أساس أن الحسنة تجازى بعشر أمثالها ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾5 ، ولا يقف المعامل عند هذا الحد وبيان ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾6 .
من هذا الجزاء المضاعف كمجسم للعمل الاختياري التطوعي، كان دور الإيمان في إذكاء الرغبة في مباشرة العمل الخيري، حيث إن الصدقة الاختيارية باب من أبواب الإحسان، والرغبة في تحصيل الثواب والقرب من الله على المال. وفي هذا الإطار ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “في كل كبد رطب أجر“7 ، كما ورد عنه أن باللقمة الواحدة، أو التمرة الواحدة، تصبح في حجم الجبل، أو أكثر: “ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل. كما يربي أحدكم فلوه8 أو فصيله9 “10.

الأساس الثالث: كفارة الذنوب:

تقوم العقيدة الإسلامية على أساس أن الإنسان يخطئ ويصيب، ومن رحمته أن جعل لهذا الخطأ حلاً؛ ومخرجا. إنسان عمل خطأ استوجب غضب الله عز وجل، فلو لم يكن هناك حل ليئس الإنسان من رحمة الله، ومع اليأس الفجور، لكن مهما كان من ذنب عظيم، استوجب غضب الله فالحل في عقيدتنا موجود قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “الصدقة تطفئ غضب الرب“11 .
إن أبواب التكفير عن الذنوب كثيرة، والعمل التطوعي الاختياري من أعظم الأبواب للتكفير عن الذنوب قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾12 .

خاتمة

من خلال ما سبق يتضح أن التصور العقدي الإيماني للعمل الخيري يتأطر ضمن هذه الأسس الثلاثة: أولا: أن المال مال الله والإنسان مجرد خليفة ووكيل فيه، ثانيا: تحصيل الثواب والقرب من الله تعالى، ثالثا: كفارة الذنوب وتجاوز عن السيئات، ضمن هذا الإطار العقدي التصوري الإيماني الرباني يزهو العمل التطوعي وينمو ويزدهر.

__________________

1ــ رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، (29/1)، رقم الحديث 9.
2ــ سورة الحديد، الآية 7.
3ــ سورة التكاثر: الآية 1 ـ 2.
4ــ رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث 2958.
5ــ سورة الأنعام، الآية 160.
6ــ سورة البقرة، الآية 261.
7ــ رواه البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، (705/2)، رقم الحديث 2363.
8ــ الفلو (بضم الاول والثاني وتشديد الواو): ولد الفرس
9ــ الفيصل: ولد الناقة عندما يستغني عن الرضاع، فيقبل الانفصال عن أمه.
10ــ رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم الحديث (1690).
11ــ رواه الترمذي رقم: 664.
12ــ سورة العنكبوت، الآية 7.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: