الأبعاد الإسلامية الكلية لمفهوم التربية

تقديم:

على الرغم من الأهمية القصوى التي يحتلها موضوع التربية، فإن اختلاف زوايا نظر العاملين في حقل الدعوة الإسلامية إليه ما بين إفراط وتفريط يجعل تناوله محفوفا بالمخاطر، أقلها كيل الاتهامات وامتطاء سجال جدالي لا ينتهي. غير أن خوضنا فيه لا نقصد منه الدخول في دوامة النفي والإثبات والأقوال والردود، بقدر ما نهدف إلى الوقوف مع أمر التربية المنتج للعمل، بقصد إصلاح سلوك الأفراد في أحوالهم بعد تصرفاتهم وأقوالهم بميزان الشرع، تماما كما ينبغي تصحيح أعمال ومقاصد كل تكتل وحركة تعمل لمصلحة الإسلام.

إن المنهاج النبوي يرمي إلى تغيير ما بأنفس الناس – فرادى- من وهن وإيمان خلق حتى يتغير ما بهم – مجتمعات- من غثائية وفتنة وضعف بين يدي العدو المتكالب، أخذا بالناموس الإلهي في التغيير القاضي، وقضاؤه الحق ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ (سورة الرعد- آية 12).

إن المتصدر لأمانة التغيير الإسلامي المنشود تنتظره تحديات، وتعترضه عوارض، ويخشى عليه من مزالق. يروي لنا أبو هريرة في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فنفهم من الحديث أن التربية تفضي إلى وجهتين: فهي تعمل على تحقيق عملية التحول النفسي من الكفر والانحراف إلى الإيمان، كما تؤدي إلى العكس.

فعن أي تربية نتحدث؟ وما هي أهميتها في حياة الداعية المجاهد، القائم بأمر الله، الملتمس سلوك النجاة إليه سبحانه؟ وما هي المنزلقات التي ينبغي تجنبها كي تكون دعوته وحركته صائبة، مثمرة في دنيا الناس، رابحة مأجورة غدا عند لقاء الله عز وجل ؟

  مفهوم التربية:

التربية في اللغة تنمية وتقويم[1]. وفي الاصطلاح الشرعي والاستعمال القرآني النبوي تغيير باطني لنفس الإنسان. التربية مفهوم واسع يختلف استخدامه بين المجموعات البشرية حسب الغاية المتوخاة من وراء هذه الأداة:”فالجاهلية تربي أبناءها، تنمي جسمهم وعقلهم وآدابهم المجتمعية، الغاية هي الاندماج في المجتمع، وإغناؤه بالمهارة المنتجة للبضاعة، والابتكار المنوع للبضاعة، والمشاركة المستهلكة للبضاعة”[2].

إن هذا النوع من التربية يقتصر على الجوانب المادية في الإنسان، ويوجهه تبعا لنظرة القائمين عليه إلى الكون والحياة والإنسان، إذ لا يوجد للروح أو القلب مكان في الأبجديات الجاهلية، بينما التربية الإسلامية “لن تكون مستحقة لاسمها إلا إذا تناولت الإنسان فأودعت قلبه إيمانا وعقله حكمة وجسمه صلابةً”[3].

الأمر هنا يتعلق بتربية متكاملة تتناول بالتهذيب كلا من قلب المسلم وعقله وجسمه. وهذه النظرة نابعة من رؤية الإسلام العامة للكون، ولدور الإنسان المسلم الاستخلافي في الأرض، الساعي في حياته الدنيا إلى تأمين مقامه الحسن في الحياة الأخرى والتشوف لأعز ما يطلب: وجه الله تعالى. والتربية بهذا المفهوم تكون وسيلة وهدفا:

فهي أولا هدف، لكونها تطمح لبث الإيمان في قلب الإنسان، والسمو به من حضيض إسلام الغفلة إلى مراتب الإحسان ومقامات القرب من المولى عز وجل، وبذر المعرفة الحق به سبحانه وبأوامره ونواهيه ونواميسه في الكون.

والتربية ثانيا وسيلة، لأنها تكشف طاقات هذا الإنسان، وتنمي قدرته على البذل والعطاء والعمل الدؤوب، خدمة لدينه ولمجتمع الأخوة المنشود، لقومة الإسلام إن شاء الله تعالى، ولأن اكتساب مجموع متميز من ثمراتها يمد المؤمن بوقود الاقتحام وطاقة المسير المطلوبة منه لتحمل أعباء الجهاد، والثبات في ساحة التدافع مع باطل يصول ويجول، مدعما بأعتى وسائل الدعاية والقوة المادية، لما جد أهل الباطل في سعيهم المحجوب عن الهداية الربانية، المحصورة أهدافه في الأرض ومتطلبات بطن الإنسان وجسمه وشهواته. هذا في وقت تخلى المسلمون عن رسالتهم إلى العالمين، ودب إلى نفوسهم الوهن بعد أن استحكم فيهم سيف العض ثم بندقية الجبر لمدة قرون من الزمن.

وبذلك تكون التربية هي الوسيلة والهدف في نفس الوقت، سواء من حيث هي سعي ملازم للمسلم في ترقيه عبر شعب الإيمان واقتباسه للحكمة، وتمرس على أعباء الجهاد والتنظيم والدعوة، أو من حيث هي أيضا وسيلة لفك الرقاب من العبودية لغير الله، والتصدي للاسترقاق السياسي، ووسيلة لإطعام المسكين واليتيم، تصديا للرق الاقتصادي ولوازمه، وحرصا على سعة الآخرة، ثم وسيلة للتكتل الاجتماعي، وصبر النفس مع جماعة المؤمنين تواصيا بالصبر والمرحمة.

وباختصار، فالتربية أيضا وسيلة لسلوك النجد واقتحام العقبة إلى الله تعالى تفاديا لكبد الدنيا والآخرة، وحبس للنفس على طاعة بارئها، امتثالا لأوامره ونواهيه وجهادا في سبيل الله لإعلاء لواء دين الفطرة.

التربية بالمنظور الإسلامي مفهوم شامل يؤدي إلى تهييء الرجل الرباني الفاعل في أحداث التاريخ، والمؤثر في الناس من حوله:”التربية تغيير لنفس الإنسان، بعث لإرادته، بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، وتحرير لعقله ببث روح الإيمان بالغيب. وبالتربية المتكاملة يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله؛ فمهما كانت درجة تقنيته، ومهما كان الوسط الطبعي الذي يعيش فيه ومهما كان جنسه وعرقه وبنية مجتمعه، فإن التربية تحول طاقته وتجندها وتطلقها”[4].

عوائق في طريق التربية:

تختزل هذه العوائق في مجموعة من الموانع التي تجعل مهمة التربية شاقة وعسيرة في واقع مفتون كالذي نعيش فيه. ويلخص الأستاذ عبد السلام ياسين هذه العوائق في ثلاثة عناصر: هي التدهور الاجتماعي، والتخلف الاقتصادي، والمسخ الثقافي. يقول:”عراقيل التربية تجتمع في أصول ثلاثة هي: الكثرة العددية المشتغلة بالتناحر والتباغض والكيد المتبادل، ضحية للفئة المترفة المستغلة، وهي القلة التي يعيش المترفون بمقتضاها وسببا لها في البذخ، فيكون بذخهم ونهبهم العائق الأول لتدبير معاش كريم يحرر الرقاب الكثيرة من كفر الفقر، وهي آخر الأمر وأوله ووسطه الخلط الثقافي والفتنة العقدية التي يجرها ذيلا من أذياله. فأولئك جميعا مسخ مثلث؛ مسخ قردي قوامه التقليد، ومظهره الطيش اللاهي. ومسخ خنزيري، قوامه الدوابية التي انحدر إليها مترفونا، ومظهره بطون مكتظة بالحرام، تلفها بطون خاوية ملايين.ثم المسخ الطاغوتي، بمقتضاه يستعبد بعضنا بعضا ويلعن بعضنا بعضا، وبأسنا بيننا شديد، قلوبنا شتى، فلا تطلع علينا الأيديولوجية بجديد”[5].

إن هذه العوائق التي يفرزها مجتمع الفتنة، وترعاها فيه الإرادة السياسية الحاكمة بغير ما أنزل الله، تجعل طريق التربية وعرا، يفرض أكبر تحد في وجه مشروع التغيير الإسلامي؛ “السؤال المطروح على فقه التجديد وعلى المنهاج النبوي في التربية والتنظيم هو: كيف نربي الإيمان في القلوب، وعلم الجهاد في العقول، ودراية التحرك بين الناس، وطلب الشهادة في سبيل الله مع الصف وبنظام الصف؟”[6]. “المنهاج الضروري لكي يصبح الطارئ أصيلا هو المنهاج الذي يربي الإنسان انطلاقا من كبده الفردي والجماعي، ويرفعه مع الجماعة إلى قمة العقبة إلى حيث ينال رضى الله دنيا وأخرى، تصعيد الهمم والجهود وتعبئتها لتكون في مستوى الجهاد، هما مهمة المنهاج النبوي وثمرته المرجوة”[7].

فكيف تؤدي التربية الدور المنوط بها إسلاميا؟

التوازن المطلوب في التربية:

إن أهم خصائص المنهاج الإسلامي هي الشمولية التي لا تغلب جانبا على حساب آخر، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربيا، وإماما، ومعلما، وقائدا في الجهاد، ورائدا في التنظيم والتخطيط. وكان صحابته رضوان الله عليهم رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، يجمعون بين همّ السلوك إلى الله عز وجل والاهتمام بدعوته والجهاد لإعلاء كلمته.

وقد وصف الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله الإخوان المسلمين بأنهم “دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية”[8].

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “التربية الشاملة القلب والفكر والأخلاق، ثم التنظيم الواعي المحكم الشوري بقيادة محبوبة مطاعة، هذه مقدمات بديهية لتأليف الشعب على كلمات الإسلام وقيادته، لتحقيق مشروع الإسلام، وتعبئة للجهاد أيا كان نوع الجهاد المتعين في الآن والمكان”[9].

تربية متكاملة، ولايكفي أو يجدي أن تكون متفوقة في إحدى الجوانب، بل إن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى منزلقات ذات نتائج سيئة على الدعوة والدعاة؛ “يجب ألا تكون السمة الغالبة على جند الله زهادة بدعوى الروحانية، ولا إغراقا في الفكر، ولا تقصيرا في الحركة…إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاث مزالق”[10].

“فإن كان صوفي الزاوية يتلقى التربية بالسند، وينشد فتح البصيرة وكمال ذاته، وإن كان العالم العامل يتلقى العلم وينشد كمال علمه وإيمانه، ذاك يصقل القلب وهذا يسلح العقل. فنحن نبحث عن المنهاج النبوي المتصل سندا وعلما وعملا، تربية وتوفيقا، نبحث عن المنهاج النبوي الكفيل بالفتحين، فتح بصيرة المؤمن السالك، وفتح النصر. سلوكان متلازمان كما كان سلوك الصحابة الأبرار”[11].

التربية الإسلامية ستكون ناقصة مائلة تشكو الخلل، وتذكي العلل إذا لم تحافظ على التوازن بين العناصر الثلاثة سابقة الذكر، متطلبات القلب والعقل والجسم لأداء رسالة الإسلام في النفس وفي المجتمع.

تزكية النفس أساس التربية:

تزكية النفس في هيكل التربية بمثابة الأساس من البناء، لا يقوم هذا إلا به، وكل بناء من دون أساس يوشك أن يقع على صاحبه مهما شمخ، ويتحول إلى أنقاض بعدما يهوي.

ورغم أن جوانب التربية كل متكامل لا يقبل التقسيم، فإن هذا لا ينفي الأهمية الخاصة لكل جانب على حدة؛ فهذا سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول لجماعة من التابعين:”أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان، فأنتم تنثرونه نثر الدقل“. ونفس المعنى ورد عن جندب رضي الله عنه في قوله: “كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتينا الإيمان قبل القرآن، وسيأتي قوم بعدكم يوتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ويضيعون حدوده وحقوقه يقولون: قرأنا فمن أقرأ منا؟ وعلمنا فمن أعلم منا؟ فذلك حظهم[12].

إنه بون شاسع بين جيل يتدبر ويخشع في قراءة القرآن، فهو يمتثل لسائر أحكامه، ويقيمه في نفسه، وبين أجيال عز فيها هذا الخشوع، فهي مزع تتجاذبها أفهام مختلفة للوحي، بفعل إرادات متفاوتة. فتناول النفس بالتزكية أطرٌ لها على الحق وإرغام لها على المكاره، وحملها على الطاعات، كل ذلك ركن أساسي بدونه لن يستطيع المسلم أن يقوم بأعباء الرسالة المنوطة به مهما أوتي المجتمع الذي ينتمي إليه من مظاهر القوة المادية: “ما يكون الوجود الاستعراضي للحركة الإسلامية في الشارع والجوامع إلا ضربا من الدعاية المضللة إن كان جند الله يحملون اللقب زورا، إن كانت الأمراض القلبية والنفسية واللسانية والأخلاقية تعشش تحت الجلباب واللحية والقميص”[13].

إن مظاهر القوة السياسية لا تغني الجماعة الإسلامية شيئا إن لم يكن سداها لحمة الحب في الله عز وجل، ومقصدها رضى الله تعالى، والتنافس فيما عنده، وهي كذلك لا تغني الداعية المسلم من الحق شيئا إلا عندما يكون حظه من شعب الإيمان وافرا يفيض من نورانيته على من حوله ما يضيء به الطريق للتائهين في ظلام الفتنة وغلس الجاهلية.

فبدون أن يكون علاج النفس من مرض الوهن، وتجديد الإيمان في القلوب، وتعهدها بذكر الله، ودوام الوقوف بين يديه بالبكاء والضراعة والتذلل والشوق إلى وجهه الكريم هو الشغل الشاغل للمؤمن، فإن عمله للإسلام وحركته ودعوته لن تلبث عاجلا أو آجلا أن تنقلب إلى مشاكسة مع المشاكسين، وأخذا وردا في عالم المداهنة السياسية في دنيا الناس شرودا مع النفس والهوى…فأولى مرامي التربية علاج أمراض النفس ورقي بها في منازل السالكين ومقامات الأصفياء، ترق من منزلة لأخرى: “التربية تنمية وارتفاع، إسلام فإيمان فإحسان”[14].

ومراتب الدين التي يقرها الكتاب والسنة لا تنال بالتمني والغفلة، وإنما دونها ذكر الله عز وجل وصحبة للذاكرين، وسلوك وسط جماعة الذاكرين، يزكيه صدق الهمة وصدق الأوبة وصدق العمل والمعاملة: “المسلمون مراتب، والبواعث مراتب، والنيات مراتب. وإنما تقرب بين المستويات التربية. التربية تنمية الإيمان والطموح، التربية صعود إرادي وتصعيد مستمر، التربية اقتراب من الكمال وتقريب، التربية قدح زناد القلب والعقل، إشعال فتيل، تعبئة طاقات فردية لتندمج في حركية اجتماعية يعمل فيها العاملون بجهد متكامل ينفع الله به الأمة”[15].

وما دام لكل مهنة أو صنعة رواد مهرة يجيدونها ويعلمونها لكل جديد يرغب في ممارستها، ولكل علم علماء يلقنونه لمن دونهم، ولكل فن أهله ورجاله يعدون مرجعا في التوجيه، وملجأ عند التيه، وقدوة في التنفيذ، فإن التربية بدورها لا تتم من فراغ، وإنما تتأتى بصحبة ولي مرشد يكون منارا للطريق، وملاذا للحيران، وطبيبا للقلوب،”لا بد لك في الطريق من دليل يدلك على الله، رفقة يربط الله عز وجل بمثالهم واستقامتهم في السير قلبك”[16]. “أولياء الله يحبهم ويحبونه، يسعى المؤمن لمحبتهم ليدرجوه ويعلموه محبة الله ورسوله، وما لصحبة الأخيار من غاية إلا أن يدلوك على الله ويحببوه إليك”[17].

ليس في هذا الأمر ضربا من الوساطة بين العبد وربه كما تذهب إلى ذلك بعض الأذهان القاصرة، فارتباط الصحابة رضوان الله عليهم بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بذلك المعنى، وإنما كان بقصد الدلالة على الله ومعالجة أمراض النفوس والأخذ بها إلى الغاية العظمى، رضى الله عز وجل، ولذلك نال الصحابة هذا المقام، وتلك التسمية تبين حرصهم على ملازمة شخص الرسول صلى الله عليه وسلم والتلمذة على يديه، ليس فقط من أجل استيعاب الأحكام والإحاطة بالتشريعات، فهذه إحدى وظائف النبوة، ولكنهم تعلقوا بالجناب الشريف وآثاروا محبته على النفس والأهل والمال واسترشدوا به في سلوكهم إلى الله تعالى وطلب وجهه الكريم ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ (سورة الكهف- الآية 17).

وأهمية الصحبة والإمام المصحوب لا تعني أن هذه التربية لا تتم إلا في خلوة، وإنما تكون في صميم المجتمع ووسط مجامع الناس. وليس في التربية ما يدعو إلى الانعزال داخل أسوار أو سياج، وإنما هي محاضن تتنوع بتنوع مناحي الحياة؛ والتربية بذلك لا تنفك عن الجهاد في واقع الحياة اليومية للناس ومنتدياتهم وفي خضم جماعة المسلمين “التربية الأم والأسرة والمسجد والمدرسة والجامعة والإعلام، وتلك محاضن الإسلام المحتلة اليوم بجحافل الغزاة”[18].

يقول الإمام عبد القادر الجيلاني: ” أحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب، لابد لك من شيخ حكيم عامل بحكم الله عز وجل يهذبك ويعلمك وينصحك “[19].

التربية بهذا المفهوم سلوك تدرك معانيه في حضن الصحبة الدالة على الله تعالى، ولا سبيل لمن انغلقت أجفان بصيرته أن يدرك كنهها، ولا لرواد المعارك الكلامية أن يتفيؤوا ظلالها أو يتذوقوا طعمها.

 الزاد العلمي جزء لا يتجزأ من التربية:  

لقد اقترنت التربية في المفهوم الإسلامي بالعلم، يتضح من خلال الآية التي تبين وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم:

﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (سورة الجمعة-الآية 2). فتعليم شرع الله والإحاطة بأوامره ونواهيه وتعليم الحكمة عمليتان ملازمتان لوظيفة تزكية النفوس وتلاوة آيات الله، ومجموع هذه الوظائف تشكل أوصافا لـ”المربي المعلم[20]، والعلم كما هو معلوم إمام كل عمل، ودونه تصبح الأعمال خبط عشواء لا قرار لها ولا وجهة. ومن آكد ما يستوجب العلم هو عبادة الله عز وجل التي لا تتم عن جهل. والعلم المطلوب لا يتجاوز إحدى ثلاث، مرتبة كما يأتي:

      أولها: العلم بما فرض الله تعالى وسنّ رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وهو واجب إذ بدونه تتعذر عبادة الله تعالى كما أراد سبحانه أن يعبد، روى عبد القدوس بن حبيب أبو سعيد الوحاظي عن حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعي قال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(طلب العلم فريضة على كل مسلم)[21]، وهذا هو العلم النافع، وأعلاه المعرفة بالله عز وجل أو العلم اللدني الذي لا يتأتى بالكتب، بل يمنحه الله تعالى لمن أحبه من أوليائه وأصفيائه: ﴿فوجدنا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ (سورة الكهف ـ الآية 64).

     ثانيها: الإحاطة بما خلق الله تعالى في هذا الكون وما أودعه من نواميس وسنن جارية، والبحث في أسرار المادة المسخرة لامتلاك القوة التي أمر المسلمون بإعدادها إرهابا لأعداء الله وأعداء المؤمنين، وهو فرض كفاية يسقط عن المسلمين إذا قام به بعضهم.

 ثالثها: لا يليق بالمؤمنين أفرادا أو جماعة أو دولة إغفاله وهو الإحاطة بالواقع المعيش وإدراك العناصر الفاعلة والعوامل المؤثرة فيه سلبا وإيجابا.

ولقد كرم الله تعالى العلماء وأعلى منزلتهم، لكن فضل علمهم يذهب في مهب الريح إن لم يتم تزيينه بالعمل، ولا خير في تحصيل علمي ونهل معرفي إن كان على حساب حظ القلب من الإيمان ونصيب الجوارح من العمل:”ينبغي للتربية الإيمانية الإحسانية أن تربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل”[22].  ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين:”يغلب كثير من إخواننا الإسلاميين الاهتمام بالتكوين الفكري والتجديد الفكري وهو أمر لا جدال في أهميته، لكنه ليس التربية التي نريدها شاملة عميقة قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية حركية تنظيمية بعد”[23].

الإعداد العلمي واحد من أهم مرامي التربية، لكن ثمة ضوابط وحدودا إن خرقت تجعل من وظيفة هذا العلم معكوسة ومن أهدافه منتكسة ونتائجه وبالا، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن من أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان)[24].

“إن الواعظ الحكيم القدوة بالمثال والتواضع الصادق لهو النبراس في الظلام، لا مسعر الحروب الكلامية الجدلية ضد الأنام. إن فقيه القلوب يسقي الناس من زلال محبة الله ومحبة رسول الله لهو الشفاء، لا من تجف لرؤيته وسماع “هدرته” الحلاقم “[25].

التربية والحركة، أية علاقة ؟:

الحركة خوض للواقع، جهاد في الميدان، احتكاك مع الناس، معاملات مالية، علاقات اجتماعية، سلوك ومواقف تجاه الآخر…فهي تسع مجموع الأعمال التي يقوم بها المؤمن الشاهد بالقسط وسط الناس، أداء لرسالة الدعوة، وقياما بأعباء الجهاد بشتى أصنافه، جهاد الكلمة الطيبة، جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جهاد الحجة والإقناع، الجهاد بالمال والوقت والجهد والنفس في سبيل الله. الحركة إذا مفهوم واسع يرتبط أساسا بتجسيد واقعي لمبادئ واقتناعات يحملها الفرد، وهي خوض معمعان التغيير بالنسبة للجماعة.

ومن ثم فالعمل الحركي ليس هينا، إذ يتطلب مواجهة الشدائد وتحمل النوائب المرتبطة بخوض لجج الواقع المفتون، ولا يمكن تصور حركة بمفهومها الإسلامي إلا إذا كان ضابطها التربية بمفهوم التزكية التي توفر الباعث والحافز الذاتي فضلا عن الإطار النظري والمعرفي المحدد لمسار العمل، الأمر الذي يدفع إلى التنفيذ وخوض أساليب التغيير بما تتطلبه من جهاد مضن ودائم لا يقبل الفتور. “السير الثابت الخطى بلا فتور إلى ساحة الشهادة في سبيل الله هو ما نريده ممن نربيهم من الناس وممن ننظمهم من جند الله. التربية بداية السير، فمتى كانت متينة على هدى من الله كان الجهاد ممكنا، وإن أخللنا في التربية فلا يصح أن ننتظر نصرا من الله. من المسلمين من تغلب حركيتهم تربيتهم، فسرعان ما ينقلب العمل الإسلامي في النية عملا حزبيا سياسيا في الفعل. إنها خطوات إلى الموت في سبيل الله، فمهما كانت الهمة الفردية لدى كل مؤمن لا ترتفع بصاحبها على كل العقبات نية كان السير إلى الموت في سبيل الهوى، ومتى كانت القوة الجماعية لخلل في همم الأفراد لا تستهدف رضى الله كان الفشل”[26].

إن تزكية النفس أساس لا يمكن الاستغناء عنه، ومتى خبت تربية الإيمان في القلوب كلت العزائم وخارت الهمم وملت النفوس وتقاعصت عن الواجبات، وكلما كان زاد المؤمن من التربية الإيمانية وافرا وتاقت روحه إلى ما عند الله وحطم من النفس كبرياءها وغرورها وطهر درنها وحبسها على الطاعة، هانت المصاعب والمشاق واستمد المؤمن طاقة الاقتحام ووقود السير.

الحركة أيضا برهان صدق التربية الإيمانية بتجسيد مُثُلها على أرض الواقع عمليا وأخلاقيا، وقدرة على التحرك حين يعجز الآخرون، وعلى العطاء حين يمسكون، فهي تمحيص لنصيب الفرد من الإيمان، إذ على قدر هذا الإيمان تنعكس القدوة ويكون النموذج ماثلا للعيان. الحركة امتحان لقدرتنا على تبليغ كلمة الله إلى الناس وعلى إقناعهم بمشروع الخلاص الإسلامي، الفردي والجماعي، وبالحل الإسلامي، وامتحان أيضا لقدرتنا على دحض الشبهات والأباطيل التي ما فتئ أعداء الإسلام يروجونها ويحاولون إلصاقها بالمسلمين بشتى الوسائل مكرا ودسيسة.

والتأكيد على انضباط حركة المسلم، فردا وجماعة، بضابط التربية الإيمانية لا يعني الهروب من الواقع واعتزال فتنة عمت المجتمع، والتطهر من دنس الدنيا واختيار غير ذات الشوكة. فقد كتب عبد الله بن المبارك رضي الله عنه إلى الفضيل بن عياض رضي الله عنه الذي فضل جوار الكعبة والاعتكاف بالمسجد الحرام رسالة جاء فيها[27]:

                       يا عابد الحرمين لو أبصرتنا                   لعلمت أنك في العبادة تلعب

من كان يخضب جيده بدموعه                   فنحورنا بدمائـنا تتخضب

وإن كان من مبرر في الأزمان الغابرة للهروب من الواقع إلى قنن الجبال إيثارا لخويصة النفس، وحفاظا على وحدة المسلمين أن تنفرم، فلم يعد اليوم من مبرر لاعتزال هموم الأمة وشرع الله معطل، والأمة مشتتة إلى أقطار متصارعة، ومزع متناثرة، وأشلاء ممزقة، وأعداء الإسلام في بلاد المسلمين وخارجها يعيثون فسادا في الأرض والديار ويفتنون الناس عن دينهم.

وفي الختام:

إن التربية الإيمانية تطلب توازنا بين عناصرها الثلاث دون إفراط أو تفريط، فترجيح كفة العمل الحركي معناه السقوط في الحزبية، تيه في مقتضيات السياسة، والاكتفاء بالجانب العبادي وتطهير النفس في التربية معناه الانزياح إلى ركن من أركان الزوايا، وإيثار للنفس على شؤون المسلمين وتغليب التحصيل العلمي على غيره من حاجيات القلب ومتطلبات العمل الدؤوب لخدمة الإسلام معناه اعتلاء برج نخبة لا ترتبط بالواقع. ومن ثم وجب على المتصدرين للواجهة الجهادية في العمل الإسلامي أن يتسلحوا بالعلم وقودا لهذا العمل، بل أن يتطلعوا لمقامات الإحسان والسعي لأعز ما يطلب دنيا وأخرى: وجه الله تعالى، مقتحمين بذلك العقبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يفرزها مجتمع الفتنة مع الحرص الدائم على حفظ التوازن المستمر بين متطلبات القلب والعقل والجسم في هذه التربية:”التربية أم ومدرسة ومسجد. والتربية خروج من حيز متسيب إلى فضاء منضبط. والتربية تعلم وعلم. والتربية مؤشر استيقظ قلبه، وتحرر عقله، والتربية دخول في حيطة التكليف، وتسربل بسربال الشريعة، في كنف الشريعة”[28].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا المقال بمجلة “منار الهدى”، العدد 7، ربيع 2006، من ص 101 إلى ص 109. 

[1] “رباه تربية وترباه أي غذاه، وهذا لكل ما ينمى كالولد والزرع” مختار الصحاح

[2]  عبد السلام ياسين، الإسلام غداً، مطبعة النجاح ـ الدار البيضاء ـ 1973 ـ ص 599.

[3] نفسه

[4] م . ن . ص600.

[5] م . ن . ص616.

[6]  عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفاً ـ الطبعة الثانية ـ 1992 ـ ص14.

[7]  عبد السلام ياسين ً حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ً مطبوعات الأفق ـ الدار البيضاء ـ 1994 ـ ص ص12ـ 13.

[8]  رسائل الإمام الشهيد حسن البنا

[9]  حوار مع الفضلاء الديمقراطيين  م.س ـ ص12- 13

[10] المنهاج النبوي  م.س ـ ص 51.

[11] م. س –  ص 366.

[12] أخرجه ابن ماجة مختصرا.

[13]  حوار مع الفضلاء الديمقراطيين م.س ـ ص 11.

[14] عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل، مطبوعات الأفق ـ الدار البيضاء ـ 1997 ص 84.

[15] م. ن ـ ص100.

[16] المنهاج النبوي م. س ـ ص138.

[17] م. ن ـ ص 137ـ138.

[18] حوارالماضي والمستقبل م . س ـ ص 87.

[19] الفتح الرباني ـ ص 105.

[20] عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، مؤسسة التغليف والطباعة للشمال ـ الرباط ـ الطبعة 1،1994. ص 34.

[21] ـ رواه ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس والطبراني في الأوسط والخطيب في التاريخ عن الحسين بن علي رضي الله عنهما.

[22] المنهاج النبوي  م. س ـ ص15

[23] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين م.س ـ ص 11.

[24] رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح.

[25] عبد السلام ياسين، الرسالة العلمية، مطبوعات الهلال ـ وجدة ـ الطبعة الأولى 2001 ص85.

[26] المنهاج النبوي  م. س ـ ص14.

[27] سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، الطبعة الأولى 1997- دار الفكر- لبنان. الجزء7 ص 624.

[28] حوار الماضي والمستقبل م. س ـ ص 88.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: