اتخذوا في بيوتكم مساجد

يقول تعالى ” والله جعل لكم من بيوتكم سكنا[1]، فالبيوت من أكبر المنن والعطايا الإلهية، امتن الله بها على عباده، تسكن إليها نفوسهم وتطمئن إليها قلوبهم، ويأوون إليها ليستتروا وينتفعوا. وتعد البيوت من مستلزمات سعادة الإنسان على وجه الأرض خصوصا إذا كانت واسعة ومريحة، قال صلى الله عليه وسلم: ” أربع من السعادة المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء[2]؛ والمرء مأمور بشكر نعم الله عليه، ومن هذا الشكر أن يطاع الله في البيت ولا يعصى، وأن يذكر ولا ينسى، لأن “مثل البيت الذي يذكر فيه الله والذي لا يذكر مثل الحي والميت[3] ومما يساعد على ذلك أن يتخذ المؤمن في بيته مسجدا، بمعنى غرفة للصلاة يعتني بتنظيفها وتنظيمها وتطييبها، يدخلها أهل البيت ليصلوا فيها الفرائض والسنن، وليذكروا الله فيها وليتلوا كتابه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ” أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب[4]. فنجد الواحد منا يسهر على أن يكون لديه مطبخ وغرف النوم والضيوف و… ولا يفكر في غرفة للصلاة، في حين كان السلف الصالح يحرصون عليها، ويجعلونها من أولوياتهم؛ فلم يكد يخلو منزل من مسجد، شهد على ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته”[5].

ومسجد البيت يدخل في عموم قوله تعالى”وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ “[6]، قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بتخريبها، ومنعهم من الصلاة فيها، فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم، ويصلوا فيها خوفا من فرعون، وهذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس. وقال مجاهد:” خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرا”[7].

-ويدل على ذلك أيضا، ما رواه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة و في كلام عائشة عن أبي بكر الصديق أنه ” ابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن “[8].

 وعليه فإن أبا بكر كان هو أول من بنى مسجدا في بيته. ونجد كذلك، ما رواه الإمام البخاري أن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى” قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم سأفعل إن شاء الله، قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر فقمنا فصفنا فصلى ركعتين ثم سلم”[9].

ويدخل مسجد البيت في الأحاديث الكثيرة التي رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  في صلاة  النوافل في البيت:

– عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة[10] .

– وعن عبد الله بن سعد رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال  ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة” [11].

ويظهر من ذلك اشتهار مساجد البيوت عند السلف، فقد بوب الإمام البخاري في صحيحه، باب المساجد في البيوت، لذلك نجد الكثير من السلف اتخذوا في بيوتهم مساجد فهذه جويرية رضي الله عنها اتخذت مسجداً في بيتها، وزينب رضي الله عنها اتخذت مسجداً في بيتها أيضاً، كما روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه. وهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه اتخذ في بيته مسجداً، وأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه.

 والمسجد المقصود هنا إما أن يكون غرفة تخصص للصلاة والذكر، أو يكون جزءا من غرفة كغرفة النوم مثلا، ولا تجري عليه أحكام المساجد فلا يسن للداخل فيه أن يصلي ركعتين، ولا يكون فيه اعتكاف، ولكن يُستحب أن يصلي المسلم ركعتين عند الدخول إلى البيت و ركعتين عند الخروج منه، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مخرج السوء، و إذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مدخل السوء”[12] .

وفي الختام أقول إن الناس في هذا الذي نحن بصدده بين إفراط وتفريط؛ فهناك من تجده يحافظ على الصلوات المكتوبة وحتى النوافل في المسجد، في حين هناك من لا يدخل المسجد أبدا، ويصلي كل صلاته في البيت، ولا ينبغي لا هذا ولا ذاك، بل ينبغي تنوير البيوت بصلاة النوافل فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، فلا تجعلوها قبورا[13]، فعلى المرء أن يحافظ على صلاة الجماعة، وينور بيته باتخاذ مصلى فيها، يصلي فيه النوافل والرواتب.


[1] – سورة النحل: الآية 30

[2] – رواه ابن حبان 1232

[3] – رواه البخاري( 6407) ومسلم( 779)

[4]– رواه الإمام أحمد 6/279؛ وأبو داود (455)

[5]– صحيح مسلم- كتاب المساجد ومواضع الصلاة- باب صلاة الجماعة من سنن الهدى.

[6]– سورة يونس- الآية 87.

[7]– تفسير البغوي- ص 607- دار ابن حزم

[8]– رواه البخاري(3905)

[9]– رواه البخاري- 407.

[10]– رواه الشيخان والترمذي

[11]– صحيح أبو داود ( 205 ) ، صحيح ابن ماجة ( 1378).

[12] – السلسلة الصحيحة- 1323.

[13] – أخرجه السبعة إلا أحمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: