“إني رزقت حبها”

اعتراف جميل من زوج محب لزوجه بعد سنوات من وفاتها، وبعد زواجه بكثير من النساء غيرها، وعتاب مغضب مقتضب فهمته جيدا الزوج الشابة الغيور التي لا تكاد تفهم كيف يكثر زوجها من ذكر “عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر” في حضرتها تظن أن الله قد أبدله خيرا منها. فقالت “والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير”
فما الذي أثار غيرة[1] الشابة من عجوز ميتة لم ترها قط ؟؟؟
كان صلى الله عليه وسلم لا يمر عليه اليوم إلا ويذكرها [2]، ويتعهد صديقاتها بالهدية وفاء لذكراها[3]، ويُفرحه كل ما يُذكِّره بها حتى صوت أختها وهي تستأذنه في الدخول عليها[4]. ويغضب الغضب الشديد إن تُحدِّثَ عنها بسوء فيُذكِّر بقيمتها “آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء”
إنها من أعظم وأروع قصص الحب في التاريخ، بدأت بين الشاب الفقير ذي الخمسة وعشرين ربيعا والسيدة الثرية ذات الأربعين حولا والتي لم تزدها سنوات العشرة الخمسة والعشرين إلا توطدا ومثانة. ولعل لحظة الوداع الأخيرة تختزل لنا جمال ورقة العلاقة الأبدية التي جمعت بين هاتين الروحين
دخل رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ ‌وسلم على السيدة خديجة رضي الله عنها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، فوقف ينظر إليها، والألم يعصر قلبه الشريف ثم قال لها “بالكره مني ما أرى”. فتجيبه وهي تجود بنفسها لباريها بابتسامة عجزت الأقلام عن تفسيرها ولعلها تعزيه فيها أو لعلها أرادت ان تبقى ذكراها ابتسامة خالدة في ذاكرة حبيبها.
ولنتعرف على السيدة خديجة من خلال الاحاديث النبوية التي تبرز جوانب مهمة من شخصيتها:
فهي صاحبة الخلق الكريم قبل الإسلام، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْهَا : “مَا رَأَيْتُ مِنَ صَاحِبَةٍ لأَجِيرٍ خَيْرًا مِنْ خَدِيجَةَ مَا كُنَّا نَرْجِعُ أَنَا وَصَاحِبِي إِلا وَجَدْنَا عِنْدَهَا تُحْفَةً مِنْ طَعَامٍ تُخَبِّؤُهُ لَنَا[5]فكان الكرم لها طبعا.
وهي العاقلة اللبيبة :”يَا ابْنَ عَمّ إنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ مِنِّي وَشَرَفِكَ فِي قَوْمِكَ وَسِطَتِكَ فِيهِمْ وَأَمَانَتِكَ عِنْدَهُمْ وَحُسْنِ خُلُقِكَ وَصِدْقِ حَدِيثِكَ” خطبها علية قومها ورفضتهم لتختار الصدق وحسن الخلق.
وهي الحكيمة منطقا البليغة التي كانت عبارات مواساتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين خَشِيَ على نفسه لما فاجأه الوحي “أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق”[6]من أبلغ ما نطقت به العرب.
فنالت رضى الله في الدنيا والبشارة بالجزاء الوافر في الآخرة روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَتَى جِبرِيلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “يَا رَسُول الله: هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَب.”[7]


[1] – “عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : ” مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، فَرُبَّمَا ، قُلْتُ : لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ ، فَيَقُولُ : ” إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ”متفقٌ عَلَيهِ

[2] – عن مسروق عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها

[3] – عن انس قال كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا اُتي بهدية قال : « إذهبوا بها إلى بيت فلانة فانها كانت صديقة لخديجة إنها كانت تحب خديجة »

[4] – في الصحيحين من حديث عائشة- رضي الله عنهما – قالت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ هَالَةَ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ”

[5] –  الذرية الطاهرة النبويةللدولابي، باب استئجار خديجة النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج لها في تجارة.الحديث رقم 8،

[6]– جزء من حديث طويل صحيح مسلم كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث160

[7] – متفق عليه واللفظ لمسلم ، كِتَاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ ، بَاب فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ …حديث 4467

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: