إدماج الشعائر التعبدية في النضال السياسي.

بعد وفاة الرئيس الشرعي لمصر، صلى عليه مسلمو المشرق والمغرب صلاة الغائب، أحيانا في إطار التبني الرسمي، وأحيانا خلسة من الأنظمة السياسية، وأحيانا في مواقع نضالية خارج سيطرة الأنظمة، مثل ما قام به طلبة مغاربة في مواقع جامعية متعددة، ومثل ما قاموا به اليوم في تظاهرة الرباط.
بعض الإخوة كتبوا مستنكرين هذه التصرفات، وهي بالمناسبة تتكرر بتكرارا الشرط والمناسبة، فهل الأمر مبتدع في حياتنا السياسية؟ أم كان معمولا به من غير نكير؟ 
بالرجوع إلى التاريخ المعاصر حيث سهولة نقل المعلومة من منطقة إلى أخرى، نجد استشهاد المناضل النقابي فرحات حشاد قدس الله روحه، وما أن انتشر خبر مقتله، حتى توالت حركة التضامنات والاحتجاجات في العالم العربي، وخصوصا في المغرب العربي، حيث كان مجرد التعاطف واستنكار مقتله يعد حركة احتجاجية ضد الفاعل الرئيس، وهو الإجرام الفرنسي.
قرر الوطنيون المغاربة إقامة صلاة الغائب على المناضل الراحل، وقرروا تفاصيلها وجزئياتها، حيث أوكلوا إلى كل واحد أن يتوجه إلى مسجد بعينه، وأن يطلب بعد صلاة الجمعة من الإمام إقامة الصلاة، وإذا امتنع – نظرا لبطش المستعمر- يتقدم ذلك العضو لإقامتها، مع ما في ذلك من تضحية ومخاطرة. كما عينوا مجموعة مساعِدة تقوم بعد الصلاة في جنبات المسجد المتعددة للدعوة للصلاة، وهذه تقنية في التعبئة الجماهيرية.
في هذا السياق، تقدم بنعبد الله الوكوتي رحمه الله إلى إمام المسجد، ولما رفض وفرّ، تقدم الوكوتي رحمه الله وصلى بالناس، وما أن أتم صلاته حتى اندس في المصلين ليتفلت من المخبرين الذين أسرعوا إلى المحراب ليتعرفوا على الإمام. وبعدها توجه إلى بيت أحد الوطنيين ولم يغادر بيته إلا ليلا.
وعلاقة بموضوع الشعائر التعبدية، فإن الحركة الوطنية قامت بتعبئة الناس ضد المستعمر بواسطة الصيام، يحكي ر. ريزيت أن الأحزاب الوطنية – وفيها علماء – كانت تطالب مرارا أعضاءها بالصيام، وقال: “بالإضافة إلى ذلك، فإن حزب الاستقلال بل حتى الحزب الشيوعي كانا قد طلبا في 8 دجنبر 1952 من منخرطيهما أن يصوموا كتعبير عن الحداد وذلك بعد موت الزعيم النقابي فرحات حشاد”… سطِّروا بالأحمر القاني على الحزب الشيوعي.
ويستمر ريزيت قائلا: “وقد تم تحرير مناشير بالعربية وتوزيعها عشية عيد العرش السابق بتاريخ 18 نونبر 1953 وكانت تطالب المسلمين بالصيام لتسأل الله عودة السلطان السابق”.
هكذا كان الصيام في معمعة النضال.
ومما أذكره وأنا تلميذ في الثانوي، أن أحزاب الكتلة (حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي) طالبوا من المجتمع المغربي الصيام والدعاء تضامنا مع العراقيين الذين تعرضوا لمجزرة العامرية في حرب الخليج الأولى التي قادها جورج بوش الأب بنفَس صليبي، وقد صُمتها حينذاك، كما صامها بعض أفراد العائلة، وتجاوب معها المغاربة بكل عفوية، ومن مؤشرات ذلك، أذكر أنني مررت مساء ذلك اليوم ببائع الحلويات (الشباكية) التي تستهلك عادة في وجبة الفطور في رمضان، ووجدت طابورا من الناس يريدون شراءها، وهو مشهد لا يتكرر إلا في شهر رمضان، أو منتصف شعبان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: