أحكام التيمم

أولا: صفة التيمم

جاءت صفة التيمم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث صحيح، فعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إنما كان يكفيك هكذا ” فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه[1]“.

ثانيا: حكمة مشروعيته

أسهب الطاهر بن عاشور – رحمه الله تعالى – في تفسيره في ذكر الحكمة من مشروعية التيمم، وسأنقل كلامه هنا بكامله، رغم طوله، لأهميته، قال: “وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة في نفوس المؤمنين، وتقرير حرمة الصلاة، وترفيع شأنها في نفوسهم، فلم تترك لهم حالة يعدون فيها أنفسهم مصلين بدون طهارة تعظيما لمناجاة الله تعالى، فلذلك شرع لهم عملا يشبه الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض التي هي منبع الماء، ولأن التراب مستعمل في تطهير الآنية ونحوها، ينظفون به ما علق لهم من الأقذار في ثيابهم وأبدانهم وماعونهم، وما الاستجمار إلا ضرب من ذلك، مع ما في ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده، وتذكيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه، وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية اقتنعت الشريعة فيه بالوجه والكفين في الطهارتين الصغرى والكبرى، كما دل عليه حديث عمار بن ياسر، ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء في غزوة المريسيع صلوا بدون وضوء فنزلت آية التيمم[2]“.

ثالثا: أسباب التيمم

الأسباب المبيحة للتيمم اثنان، هما:

1- عدم وجود الماء، لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[3]“.

وعن عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: ” يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ ” فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: ” عليك بالصعيد فإنه يكفيك[4]“.

2- عدم القدرة على استعمال الماء مع وجوده، فعن ابن عباس، أن رجلا أجنب في شتاء، فسأل وأمر بالغسل فاغتسل فمات، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ” ما لهم قتلوه قتلهم الله ” ثلاثا ” قد جعل الله الصعيد – أو التيمم – طهورا[5].”

رابعا: فرائض التيمم

فرائض التيمم ستة، وهي:

1- النية: لأن التيمم عبادة غير معقولة المعنى، ولما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه[6]“.

ويقصد المتيمم بالتيمم استباحة الصلاة، أو ما منعه منه الحدث، ويستحضر الحدث الأكبر إن كان هو المراد بالتيمم.

2- الضربة الأولى: لقوله عليه السلام لعمار: “إنما كان يكفيك هكذا ” فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما[7]“.

3- استعمال الصعيد الطاهر: لقوله تعالى: “فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[8]“.

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا[9]“.

والمراد بالصعيد الطيب: “ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة[10].”

4- 5- مسح الوجه، واليدين، لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[11]“.

ولما جاء بيانا من النبي صلى الله عليه وسلم عندما ضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه[12]“.

والمسح مبني على التخفيف، فلا حاجة لتخليل اللحية، أو تتبع أسارير الوجه، كما في الوضوء.

6- الموالاة بين أفعال التيمم، والموالاة أيضا بين التيمم وبين ما فعل له، من صلاة أو غيرها.

خامسا: سنن التيمم

سنن التيمم ثلاثة، هي:

1- الترتيب بأن يمسح المتيمم اليدين بعد الوجه على النحو المذكور في الآية.

2- 3- الضربة الثانية، ومسح اليدين إلى المرفقين، فعن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ” ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام ” وقال: ” إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر[13]“.

سادسا: مندوبات التيمم

مندوبات التيمم أربعة، هي:

1- التسمية.

2- استقبال القبلة.

3- الصمت، إلا من ذكر الله.

4- تقديم اليد اليمنى على اليسرى، في المسح.

سابعا: نواقض التيمم

ينقض التيمم أمران اثنان، هما:

1- ينتقض التيمم بنفس نواقض الوضوء.

2- وجود الماء لفاقده، أو زوال المانع من استعماله.

ثامنا: ما يفعل بالتيمم

يفعل المتيمم بتيممه فرضا واحدا فقط، ولا يصلي به فريضتين ولو كانتا مشتركتي الوقت، ويمكن للمتيمم أن يصلي بتيمم الفرض ما شاء من النوافل بعده، كما له أن يتيمم للنوافل استقلالا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيح البخاري.  [1]

التحرير والتنوير، ج 5، ص 69.  [2]

سورة المائدة، الآية 6. [3]

صحيح البخاري. [4]

مستدرك الحاكم [5]

صحيح البخاري. [6]

صحيح البخاري. [7]

سورة المائدة، الآية 6.  [8]

صحيح مسلم. [9]

رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ص 25. [10]

سورة المائدة، الآية 6. [11]

صحيح البخاري. [12]

سنن أبي داود. [13]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: