منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آفاق جديدة في قضية بيت المقدس وصراعات الأمة الحالية مراجعة لكتاب (ثغور المرابطة) لطه عبد الرحمن

0
اشترك في النشرة البريدية

ما تزال أمتنا العربية الإسلامية اليوم تعيش وضعا صعبا بالرغم من كل الاجتهادات والتجديدات التي قدمت، بل إنها تواجه في الوقت الراهن قضايا مصيرية ووجودية تحتاج إلى تقديم نظري وتحليل منهجي دقيق بهدف مواجهة هذه التحديات وتحقيق النهضة المنشودة.

ولعل قضية بيت المقدس وما تتلقاه هذه الأرض المباركة وإنسانها من أذى، لبرهان ساطع ودليل واضح على هذا الوضع، إضافة إلى ما عرفته الأمة في السنوات الأخيرة من صراعات تزيد الأزمة عمقا وتبعدنا عن الغد الذي نرومه مسافات طوال، مما يجعلنا نتساءل عن دور المفكر والعالم من القضايا الراهنة للأمة، وهل استطاعت اجتهاداتهم التأثير في الواقع ورسم معالم واضحة للنهضة؟ ثم هل هناك آفاقا جديدة في تناول قضية فلسطين وصراعات الأمة الحالية؟

يأتي كتاب (ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية) للفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في طبعته الأولى سنة 2018، الصادر عن مركز مغارب للدراسات في الاجتماع السياسي، ليرسم لنا آفاقا جديدة في قضية بيت المقدس وصراعات الأمة الحالية، خاصة وأنها تمر من أصعب مراحلها. وقد قسم الباحث كتابه إلى مقدمة وخمسة فصول ثم خاتمة، وكذا لائحة من المصادر والمراجع التي تقارب سبعين مرجعا.

يناقش هذا الكتاب الذي يقع فيما يقرب 250 صفحة من الحجم الكبير، قضايا صراعات الأمة الحالية من زاوية إيمانية أخلاقية بعيدة عن التكهن السياسي الإيديولوجي –حسب الكاتب-، معتمدا على مختلف الوسائل المنهجية والمنطقية في مقاربة هذه القضايا. والحق أن هذه الوسائل تستمد روحها من شخصية طه الفيلسوف المجدد، الذي استطاع الجمع بين الفلسفة العقلانية والتزكية الإيمانية التي تعني: “التحقق بالإخلاص في الأحوال والأعمال”[1]، وتفتح مدارك واسعة للعقل.

المزيد من المشاركات
1 من 33

لقد استثمر الباحث –حسب قوله- طريقته الفلسفية الخاصة في مقاربة قضايا ثلاث على عكس المقاربات التي سبقته، والتي تستند إلى مرجعيات تاريخية وسياسية فارغة فلسفيا، وقاصرة من حيث التأمل البديع والبعيد، هذه القضايا التي اختارها طه ووزعها على فصول كتابه هي:

  • تفريط العرب في القدس
  • تصارع الحكام المسلمين على النفوذ
  • اقتتال العرب فيما بينهم

تتوزع فصول الكتاب الخمسة على هذه القضايا الأساسية الثلاث، وهي قضايا محورية في تصرفات الأمة في هذا الزمن، حيث نزلت فيه أقدار كثيرة، وعرفت فيه خطوب جسام، كادت تخرجها من الأمة إلى ما بعد الأمة.

خصص طه الفصل الأول لمرابطة المقدسي، الصراع الإسرائيلي الإسلامي، فتحدث فيه عن الأذى الذي يتلقاه الإنسان الفلسطيني، واصفا إياه بالشر المطلق، مركزا على ما يميز هذا الإنسان من حيث كونه صاحب أرض تلتقي فيه العوالم الشهادية بالعوالم الغيبيةـ، وملتقى الأبعاد الزمنية بالأبعاد السرمدية، مما يجعل المقاربات التاريخية والقانونية والسياسية التي تناولت هذه القضية عاجزة –في رأي طه- عن الوصول إلى الحقيقة.

يقدم طه على غرار هذه المقاربات الأخيرة مقاربة بديلة “تصل العالم الشهادي لأرضه بعالمها الغيبي، كما تصل البعد الزمني لإرثه ببعده السرمدي”[2]، مستمدا ذلك من نظريته الائتمانية القائمة على مبدأ الصورة والروح، حيث يمكن تناول إيذاء الفلسطينيين من جانبين، جانب إيذاء الإله باعتبارها روحا لصورة إيذاء الأرض التي بارك فيها، والثاني: إيذاء الإنسان باعتباره روحا لصورة إيذاء الإرث الذي أنتجته فطرة هذا الإنسان. وقد توصل طه من خلال هاتين الحقيقيتين المتلازمتين إلى أن القضية الفلسطينية قضية تهم كل الناس، وتخرج من دائرة الفلسطينيين وحدهم ما دام أنها تقوم على إيذاء الإله من جهة، وإيذاء الإنسان من جهة أخرى.

إن إيذاء الإله من قبل الإسرائيليين –من منظور طه- يشهد به تاريخهم المليء بنقض الوعود والعهود، ومنازعتهم الإله في صفة المالكية، حيث سخروا كل الوسائل الممكنة لامتلاك الأرض المباركة والسيطرة على العالم. ثم إن منازعتهم للإله في المالكية الإلهية يكون على مبدأ:

“كل ما يمكن احتلاله من أملاك غيرهم فهو بالضرورة ملك لهم”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

ويزداد الأمر أهمية –في رأي طه- حينما يتعلق بقداسة المكان، حيث يزداد الشعور بالملكية، ويسمي طه إيذاء الإله من خلال احتلال الأرض بالإحلال[3]، أما تجليات احتلال الفطرة وإيذاء الإنسان فمنها “احتلال الفطرة الموصلة، جلبا للقبول بتدنيس الأرض المقدسة، ويسمي طه هذا الإيذاء بالحلول، سواء أكان جزئيا أو كليا.

 يتجلى الحلول الجزئي حسب المنظور الطهائي في قلب القيم، وذلك من خلال إفساد الذاكرة، وإفساد الثقة بالذات، وإفساد التوجه. أما الحلول الكلي، فإنه يتجلى في سلب الفطرة بتضييع الطبيعة، وتضييع الروح والقداسة، وتضييع الحياء[4].

إن تجليات إيذاء الإله وإيذاء الإنسان تقودنا –حسب طه عبد الرحمن- إلى ضرورة البحث عن كيفية دفع هذا الإيذاء؛ أي دفع الاحتلالين الإسرائيليين؛ الإحلال بالأرض والحلول بالفطرة، وهذه القضية تقتضي من الأمة بهدف دفعها- الوقوف على ثغر التطبيع مع العدو، باعتباره أكثر إيذاء لنا من سلب الأرض وهتك حرمة مسجدها.

أما الفصل الثاني والثالث والرابع، فقد خصصهما الباحث لمرابطة الفقيه السياسي؛ الثغر الإسلامي الإسلامي، حيث أشار في الفصل الثاني، الوسائل التي يستخدمها كل من النظام السعودي والنظام الإيراني في بسط سيطرتهما على العالم الإسلامي، وكذا آفات هذا التسيّد وعلاقته بمواقف الفقهاء ورجال السياسة، وانصب اهتمام الباحث في الفصل الثالث على أهمية حاجة النظامين إلى ثورة أخلاقية تنظم علاقتهما بالمستودعية، وعلاقة ذلك بجدلية الدين والسياسة. بينما أشار في الفصل الرابع إلى حاجة كل نظام في ظل الثورة الأخلاقية إلى إصلاح سياسي وديني؛ حيث يصلح الفقهاء الجدد النظام السعودي، في الوقت الذي يصلح فيه السياسيون الجدد النظام الإيراني.

ومن جهة أخرى، فإن تصرف تسيّد الحكام بعضهم على بعض، أدى في نظر طه إلى الاختلال في الوجهات والانقلاب في المقاصد، مما أضر بإيمان الأمة. وهذا التسيّد أدى ببعضهم إلى الاغترار بقدرته، فانقلبت وسائله إلى أضدادها، مما صنع أمتين مختلفتين ودينين مختلفين. أما القضية الثالثة: الموسومة بمرابطة المثقف العربي، الصراع العربي العربي، فقد خصص لها الباحث الفصل الخامس والأخير، وتناول فيه ظاهرة اقتتال العرب فيما بينهم، والذي تجاوز تقتيل الإنسان في صورته إلى إعدام ماهيته الائتمانية، منازعة للخالق وإعداما لصوته وكلمته[5]، مستحضرا أسبابها ونتائجها في نشر ثقافة الموث، ومقترحا إيجاد مثقفين مرابطين يأخذون بثقافة الإحياء بذل المثقفين العرب المتخاذلين في هذه الفتنة.

إن هذه القضايا: المهلكات الثلاث، تناولها الباحث من زاوية مشروعه الائتماني، ساعيا إلى تجاوز التحليلات القائمة على الاسقاطات. وقد خصص خاتمة الكتاب للرد على منتقديه الذين ينكرون أن الإنسان فطر على الدين، والمنزعجين من مشروعه القائم على تأسيس نظرية أخلاقية فلسفية على أسس إسلامية صريحة، تجمع وتؤلف بين الفلسفة والإيمان ائتلافا يرقى بالتفلسف إلى أفق الإبداع[6].

لقد رد طه على منتقديه ونعتهم بـ(المقَلِّدَة الطاعنين)، لتقليدهم الغرب تقليدا سيئا أفقدهم حب الإيمان وحرية التفكير، وولد لديهم ما سماه الباحث بعقدة الدين، إضافة إلى تشبتهم بالمنطق القديم، المستمد من الفلسفة الماركسية الجدلية، التي ترى أنها المالكة للحق والحقيقة.

أشار طه إلى ما يمتلكه من أدوات منهجية قادته في مختلف تآليفه إلى وجهة خاصة في إرساء معالم مشروعه المتميّز، وهي الأدوات نفسها التي يحتاج إليها الطاعنون في مشروعه الأخلاقي، من ذلك مثلا تقيده بالمنهجية المنطقية، واستعمال آليات المناظرة والحجاج والصيغ الصورية والرموز الرياضية، سعيا إلى الرفع من مستوى الكتابة الفلسفية العربية بالبعد عن الدراسة التاريخية والسياسية المرتبطتين بالبعد الفكراني[7]، الفارغتين من البعد المنهجي الإيماني والفلسفي. كما استطاع الباحث التأكيد على أهمية استخدام المنطق في مقاربة القضايا العقلية، وذلك من خلال إحاطته بكبرى الإشكالات الفلسفية واللسانية، والبعد عن الإمّعية والتقليد والخداع.

نخلص من خلال العرض الذي سبق إلى النتائج التالية:

  • تميز الكتاب بعدم الوقوف على التحليل الموضوعي فقط، بقدر ما تجاوز ذلك إلى طرح الوسائل العلمية للتغلّب على التحديات التي طرحها. إنه بشكل أكثر وضوحا تجاوز العمل التوصيفي إلى العمل التوجيهي، والحق أن هذا الجمع بين التوصيف والتوجيه مستمد من نظرية الكاتب الائتمانية الأخلاقية التي تقوم على الجانب الوصفي والجانب المعياري.
  • تنيه الباحث إلى شرطين مهمين قام باستحضارهما في كتابه، مشيرا إلى دورهما في نجاح الكتابة الفلسفية العربية، يتعلق الشرط الأول باستثمار الطاقة البيانية للسان العربي، سواء من ناحية تشكيل الأفكار وسواء من ناحية تبليغها، إضافة إلى اعتماد أدوات المنطق في تحليل الأفكار وترتيبها، باعتبار تلك الأدوات من الوسائل المنهجية الضرورية لاكتمال الكتابة الفلسفية ونجاحها.
  • استمداد طه إطاره ومنهجه التحليلي من خلال مساره الذي قدم فيه اسهامات جليلة في نقد النظريات الغربية، حيث استطاع أن يشق طريقه الفلسفي، مجابها فيه لأحدث وكبرى النظريات الغربية فلسفية ولغوية، محاولة منه لإبراز عيوبها الذاتية، وعيوب إسقاط نتائجها في التعامل مع القضايا العربية الإسلامية، داعيا إلى ما يسميه الحداثة الإسلامية؛ وهي من منظوره: “ما كانت تجربة خاصة يتفاعل فيها الإنسان بإكراهات زمنه فيتغلب عليها ليخضعها لمبادئه ويملأها بروحه المتجددة، ولا تكون الحداثة حداثة وهي تنقل تجارب الآخرين كائنا ما كانوا، إذ شرطها الجوهري هو التخلص من كل أشكال التقليد ومساءلة المعرفة في الراهن والتاريخ على حد سواء”[8].
  • تأكيد طه على أهمية التريث في تناول الأحداث وتحليلها، حيث يتمكن الفيلسوف من التأمل الفلسفي المبني على القيم، لا على السرعة في التحليل والتفكر القائم على التكهن السياسي.
  • وضح طه سبب اختياره لعناوين الفصول منذ البداية مما يدل على استيعاب الباحث لتاريخ قضايا الأمة، وإدراكه لأهمية المفاهيم والمصطلحات في الصراعات الحالية للأمة، فقد اهتم بتصحيح المفاهيم وإعطاء المقابلات العربية لجملة من المصطلحات، كما أسهم في صناعة مفاهيم جديدة من خلال توليدها ونحتها، لاعتبار ذلك من الأسس الضرورية في البناء ومواجهة التحديات المستقبلية للأمتين العربية والإسلامية.
  • عمل طه من خلال كتابه على التبشير وزرع التفاؤل بالنجاح والنصر القادمين، انطلاقا من قاعدة مفادها أن إرادة الإنسان أقوى من إرادة الواقع، وأن الأمة قد ينقلب وضعها الحالي الذي تعيشه، والذي طغت عليه التحديات كما انقلب في الماضي من عبادة الشجر والحجر إلى عبادة رب واحد.
  • إن تحقيق هدفي قداسة الأرض التي دنّسها الإحلال الإسرائيلي، واسترجاع أصالة الفطرة التي دنّسها الحلول الإسرائيلي يقتضي حسب الرأي الطهائي، التصدي بما سماه المرابطة المقدسية من خلال رجوعها إلى ميثاق الأمانة، وذلك على تلاث مراتب وهي: (رفع المالكية الإسرائيلية، ترسيخ ثقافة الائتمان، استرداد الأمانة المسلوبة)، وقد حدد طه بعض الشروط لنجاح المرابطة المقدسية منها:
  • تجاوز تحصيل ملك وحفظ أمانة في غايات وأهداف المرابطة، إلى حفظ ميثاق وحفظ مبدأ الأمانة في زمن ما بعد الأمانة؛ زمن عالم تذبيح الأمة وصفقة القرن.
  • الاستناد في المنهج على القوة الروحية وتجاوز القوة المادية.
  • تنويع كيفيات المواجهة والابتكار الدائم لها.
  • تعميم خاصية الرباط المقدسي على كل الأراضي، مع حفظ خصوصية كل رباط حيثما كان. حيث يخرج معنى المرابطة المقدسية من الرباط المقدسي في بيت المقدس وفي فلسطين إلى الرباط الخاص بأهل بيت المقدس وأحبابه في كل مكان لمواجهة الحلول والاحلال الإسرائيليين، ومقاومة التطبيع مع العدو أفرادا وجماعات.
  • أرجع طه عبد الرحمن تصدي المرابطة المقدسية لتزييف الفطرة المؤذي للإنسان إلى ميثاق الإشهاد، وذلك عبر ثلاث مراتب. تتجلى الأولى في مقاومة تجليات الإرادة الإسرائيلية في سلوك الفرد المطبّع، وتتجلى الثانية في مقاومة تجليات الإرادة الإسرائيلية في تدبير الحاكم المطبع، أما الثالثة فإنها تتجلى في توعية المجتمع الذي أكره على التطبيع بمدى الضرر الذي يلحقه بكيانه، وذلك من خلال إعادة تأسيس القيم على الصفات الإلهية، وإعادة تأسيس الإسلام على الصيغة المقدسية، إضافة إلى إعادة تأسيس الروح على القرب الإلهي[9].
  • شخص طه عبد الرحمن واقع الأمة من خلال تجادب الصراع الإيراني السعودي وأثرهما في إضعاف الأمة، مستعرضا نفوذ النظام السعودي من خلال القوة الدينية والمذهبية المتمثلة في المذهب الوهابي والثروة النفطية، ومساندة النظام الصهيوني المغتصب لقبلة المسلمين؛ بيت المقدس، رمز وحدة الأمة وقوتها، وفي المقابل يذهب النظام الإيراني إلى فرض المذهب الشيعي والعقيدة الخمينية، والسعي إلى الثورة العالمية.
  • يخلص طه بعد استعراض وسائل النظامين إلى أن تصارعهما على بسط نفودهما على العالم الإسلامي يضر بالمسلمين قبلة ووحدة وإيمانا وسلطانا، مما يجعلنا أمام الحاجة الضرورية إلى إحداث ثورة أخلاقية في النظامين معا، بقصد إعادة خلق التوازن.
  • دعى طه إلى الوقوف على ثغر اقتتال العرب فيما بينهم بصناعة المثقفين المرابطين، يكون هدفهم الإحياء الإئتماني من خلال العمل على جملة من المبادئ منها: ترك مبدأ الإيذاء، وتبني مبدأ اعتبار قتل الأخ الواحد قتلا للإخوة جميعا، ومبدأ تقديم الإحسان على العدل، ومبدأ الخروج من السياسة الاحتيازية، ومبدأ الاستباق إلى رد الأمة، ومبدأ الإشفاق على حمل الأمانة[10].

تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من أهمية كتاب (ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية)، في إثارة جملة من القضايا التي تؤثر فيما تعيشه الأمة اليوم من أزمات، إلا أن ذلك لا يمنعنا من تسجيل بعض الملاحظات التي توقفنا عندها أثناء دراسة الكتاب، والتي نرى –من جهة نظرنا المتواضعة- أنها تحتاج إلى إعادة النظر في تحليلها، ومهما كان طه، ومهما ترسخت قدماه في الفلسفة والفكر ليس إلا إنسانا يفكر ويجتهد، مما يجعل انتاجاته قابلة للنقد، محتملة للخطأ كما هي محتملة للصواب.

والحق أنه سبقنا إلى نقد كتاب طه هذا، الباحث ادريس عدار في مقال وسمه ب (جملة الثغرات في كتاب ثغور المرابطة لطه عبد الرحمن)[11]، قدم فيه الباحث نقدا لادغا لطه عبر جملة من القضايا، اخترنا أخذ واحدة منها والاجتهاد في إضافة نقطتين رأينا أنهما تشكلان مادة رئيسة لدراستنا النقدية، مع التنبيه إلى أن مقال الباحث عدار بدوره يحتاج إلى قراءة نقدية لما فيه من أحكام قاسية، تنبئ عن عداء كبير لطه عبد الرحمن ولمشروعه المعرفي الكبير، فمهما كانت الانتقادات الموجهة لطه، إلا أنه لا يخفى على أحد رسوخ وقيمة الرجل في جملة من القضايا المتعلقة بالفكر والفلسفة العربية الحديثة، واجتهاده الكبير في نشر المعرفة الأخلاقية، وإحياء التراث الإسلامي بوسائل منهجية علمية دقيقة، إضافة إلى اجتهاده المبهر في مجال المصطلحات والمفاهيم.

اكتفينا بإيراد ادعاء طه أسبقيته في تناول قضايا الأمة الحالية بأدوات منهجية وفلسفية، كما أشار إلى ذلك الباحث عدار. كما أضفنا إلى هذا الانتقاد نقطتين؛ تتعلق الأولى بتقزيم طه لصراعات الأمة في نظامين اثنين هما النظام السعودي والنظام الإيراني دون سواهما، ومن خلال ما اقترحه للوقوف على هذا الثغر. وتتعلق الثالثة بتقديم طه لمبدأ الإحسان على العدل في بحثه عن الحلول للوقوف على ثغر اقتتال العرب فيما بينهم. لتستقر النقط التي اخترناها مادة لهذه الدراسة النقدية في كتاب ثغور المرابطة على ثلاث سوف نفصل فيها فيما يلي:

  • النقطة الأولى: خصص طه في بداية كتابه مقدمة أشار فيها إلى ما تميز به كتابه من عدة منهجية وفلسفية في تناول الأحداث، ومن نظرة عميقة ناتجة عن التأمل البديع والبعيد قبل إصدار الأحكام، مشيرا إلى أسبقيته في هذا الشأن، على غرار الدراسات التي سبقته، والتي لم تستطيع أن تتخلص من النزعة السياسية والسوسيولوجية البعيدة عن العلمية، ومن تم فإن طه من خلال هذا الادعاء، يضرب –حسب ادريس عدار- تاريخا مليئا بالاجتهادات، حيث كتب (عبد الإله بلقزيز) كتابا تحث عموان (المقاومة وتحرير جنوب لبنان) اجترح فيه مفاهيم فلسفية للمقاومة (…) وأنجز (كمال عبد اللطيف) مقالات ودراسات في الموضوع، وخصص (ادريس هاني) كتابا لفلسفة المقاومة تحث عنوان “روح المقاومة وفلسفة الزمن”[12]. ومهما يكن صدق طه عبد الرحمن، فإن ادعاء الأسبقية في مجال من المجالات لا يضيف للمدعي شيئا، إذا لم يكن الادعاء نابعا من جمهور القراء والمفكرين، خاصة وأن هذه القضايا تناولها كثير من العلماء والمجددين من زوايا علمية مختلفة تحتاج إلى دراسات عميقة لتحرير القول فيها.
  • النقطة الثانية: اقتصر طه عبد الرحمن على النظامين السعودي والإيراني في تحليل واقع الأمة، مفسرا مختلف الأزمات بالتجاذب بين المشروعين المختلفين لهاذين النظامين، في حين غيب مجموعة من القضايا التي رسمت تاريخ انحراف الأمة عن منهجها القويم، من قبيل وازعي السلطان والقرآن، وجدلية الصدع الحاصل بين الدعوة والدولة في حياة الأمة.

ثم إن طه في اقتراحه إيجاد سياسيين جدد لإصلاح النظام الإيراني، وفقهاء جدد لإصلاح النظام السعودي، يقصي أهمية السياسة في الإصلاح المتعلق بالنظام السعودي، كما أقصى أهمية الإصلاح الديني في النظام الإيراني. والحق أنه يخالف الواقع، حيث إن إيران بتبنيها الثور الإسلامية “تسعى إلى فرضها على الأمة بحجة أسبقية التصدي، واعتبار النموذج الأوحد، مما يتنافى مع الشورى والاجماع، خاصة وللمذهب الشيعي وعقيدته وعاداته من الخصوصيات ما لا نقبله بوجه نحن أهل السنة والجماعة سواد الأمة”[13]. وهذا يجعلنا أمام ضرورة إصلاح شامل يجمع بين الدين والسياسة، ليس في النظام السعودي والإيراني فقط وإنما في جميع الأنظمة في العالم الإسلامي، حيث يمكن أن نضيف تيار النظام العلماني إلى هاذين التيارين؛ وهو تيار لا يقل خطورة عن المذهب الشيعي والوهابي.

إن الاقتصار على النظام السعودي والنظام الإيراني من جانب الدين أو السياسة فقط، يخالف أصلا أهمية الجمع بين الدين والسياسة في السعي إلى نهضة حقيقية، خاصة وأن الأمة كلها مجزأة ومشتتة. قال عبد السلام ياسين: “إننا نخادع أنفسنا ونتعرض لسلسلة لا تنتهي من خيبات الأمل إن نحن حسبنا أملنا في الوحدة واقعا حاصلا الآن، أو هدفا سهل التحصيل. يؤلمنا أشد الألم ما هي فيه الأمة من تجزئة وتشتت، لكن العواطف المتأسفة لا تفيد أن تندفع بوخز الضمير، وداعي الواجب الشرعي في الوحدة، إلى الشرع في بناء وهم وحدويّ سرعان ما ينصدع عند أول صدمة. (…)، وإن جمع الأمة من التفرق الغثائي الخمولي، ومن اختلاف المذاهب، ومن تعدد المناهج والحركات، ومن قطرية الدويلات القومية، لمهمة ما سبق في الإسلام أن تصدى لمثلها جيل، ولا قاربها في سمو المطمح وخطورة التحدي ووعورة الطريق سابقة”[14].

  • النقطة الثالثة: اقترح طه عبد الرحمن في الوقوف على اقتتال العرب فيما بينهم تقديم مبدأ الإحسان على العدل، مخالفا قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، وهو ترتيب قرآني ليس عبثيا. ويخالف تصور طه في هذا الصدد التصور الياسيني[15]؛ حيث “يتصدر مطلب العدل كل المطالب في البرامج السياسية الجادة، والعدل الذي أمر الله به –إقامته والتهيؤ لقيامه- أهم ما تتطلع إليه الأمة المسلمة وتشرئب إلى تحقيقه طوائف الأمة المستضعفة في الأرض. أمة الإسلام (…) والعدل بين الناس جميعا أبيضهم وأسودهم مطالب أساسية ينبغي أن تتصدر برامج الإسلاميين وهم على عتبة المسؤولية عن الحكم”[16]. ويضيف الأستاذ ياسين مدعما أسبقية العدل على الإحسان قائلا: “في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز، في وعي المقهور المحقور لا يتضح إلا برهان الحرية، في الأثر: في الأثر: كاد الفقر يكون كفرا) فمن كان شغل يومه ونهاره هم القوت، والمأوى والكسب والشغل، والدين، ومرض الأطفال، ومصير الأسرة، لن يستمع لعرض المبادئ العليا، ولو كانت دينا يؤمن به، لا وقت له، لا استعداد، لا مناسبة…”[17].

تأسيسا على ما سبق، يبقى كتاب (ثغور المرابطة) لطه عبد الرحمن محاولة خالصة لرسم معالم وآفاق جديدة في قضية فلسطين وصراعات الأمة الحالية، وتبقى اجتهاداته محترمة لما أثارته من إشكالات وأسئلة تحتاج إلى البحث الدقيق العلمي، مع الصدق والإخلاص في طرح الأفكار وتحليلها سعيا إلى نهضة جديدة للأمتين العربية والإسلامية، وتجاوز مختلف التحديات والأزمات التي تعيشها هاتين الأمتين اليوم. وبالرغم مما قد يوجه إلى طه من انتقادات، فإنه يبقى قامة وعلما مجدا مجتهدا، لا ينقص ذلك شيئا من قيمته ومكانته، بقدر ما يجعله في واجهة البحث على أجوبة شافية، وتفسيرات كافية للخروج مما تعانيه هاتين الأمتين في عالمنا المعاصر.

[1]  طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، 2018م، مركز مغارب للدراسات في الاجتماع السياسي، المغرب، ط1، ص 238.

[2]  طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، ص 19

[3]  المرجع نفسه، ص2

[4]  المرجع نفسه، ص24

[5]  شريط فيديو أعده مركز مغارب بصدور الطبعة الأولى من كتاب ثغور المرابطة، وقد شرح فيه طه أهم ما جاء به كتابه.

[6]  طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، خاتمة، ص 235.

[7]  يستعمل طه البعد الفكراني  ويقصد به البعد الإيديولوجي، والفكرانية مقابل الإيديولوجية وهو مصطلح استعمله في كتاباته منذ الثمانينات من القرن الماضي.

[8]  إدريس مقبول، تقديم لكتاب سعيدة ملكاوي، الحداثة عند طه عبد الرحمن من النقد المعرفي المزدوج إلى بناء المفهوم، 2008م، ط1، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، إربد، شارع الجامعة.

[9]  طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، ص 63

[10]  بلال التليدي، ثغور المرابطة، أحوال الأمة من زاوية فيلسوف 2-2، تم الاطلاع على المقال يوم 1 ديسمبر 2018 على الساعة 9:12، على الرابط التالي: http://www.msf-online.com/?p=38037

[11]  إدريس عدار، جملة الثغرات في كتاب ثغور المرابطة لطه عبد الرحمن، يومية النهار المغربية، العدد 4485، السنة الثانية عشرة، تم الاطلاع على المقال يوم 1 ديسمبر 2018 على الساعة 8:10 صباحا  على هذا الرابط: http://www.annahar.ma/opinion/570-45-17-08-02-12-1  

[12]  ادريس عدار، جملة الثغرات في كتاب ثغور المرابطة لطه عبد الرحمن، مرجع سابق.

[13]  عبد السلام ياسين، جماعة المسلمين ورابطتها، 2011م،  دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، ص71

[14]  المرجع نفسه، ص 72-73

[15]  نسبة إلى الشيخ عبد السلام ياسين (1928-2012)، مرشد جماعة العدل والإحسان، مؤلف كتاب (العدل: الإسلاميون والحكم) فيما يقرب700 كلمة، وكتاب (الاحسان) في جزأين فيما يقرب 900 صفحة.

[16]  عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، 2000م، مطبوعات الأفق، ط1، ص7

[17]  عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، سلا المغرب، 1406هـ، ص12.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.