زاد الخطيب: رؤية منهاجية
إعداد: د. البشير قصري
مقدمة: (في الموجبات)
معلوم أن الأقوال والأفعال هي التجليات الخارجية للوجود الإنساني، وبينهما ارتباط وثيق، (لم تقولون ما لا تفعلون)، فوظيفة الأقوال المحمودة الدلالة والتحفيز والتمكين لأفضل الأحوال وأصلح الأعمال، وهي مشروطة بالخير باعثا ووسيلة وغاية، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)، وعن هذا الخير حكمةً وفصلَ خطابٍ نبحث، أي الكلام عندما ينتظم خطابا أو رسالة ذات مضمون وأسلوب وغاية.
أ – التفكير قبل التعبير
قيل: استعينوا بالصمت على الكلام، لأنه بالصمت تتولد الفكرة، وينسبون لعيسى عليه السلام القول: “كل صمت في غير فكرة فهو سهو، وكل كلام في غير حكمة فهو لغو، وكل نظر في غير عبرة فهو لهو”.
لذلك يلزم كل مريد للإصلاح، بل كل عملية تغييرية وحركة إصلاحية، معالجة ثلاثة أسئلة كبرى:
- سؤال التفكير: كيف نفكر؟ عقل الإصلاح
- سؤال التعبير: كيف نعبر؟ خطاب الإصلاح
- سؤال التدبير: كيف ندبر؟ فن الإصلاح
فالتفكير إذن يسبق التعبير والتدبير، كما أن اللسان وراء القلب والعقل، يعني أسبقية الاهتمام “بماذا أقول؟” قبل الاعتناء ب: “كيف أقول؟”.
ب – واقع الخطاب والخطباء
- نعيش طوفان أقوال وفيضان خطابات تتسم في الغالب بقلة الصدق وضعف القصد.
- خطابات معظمها لا يعكس صورة الإسلام المشرقة، وإنما هو انعكاس لواقع المسلمين المتخلف، لأنه: ضعيف عند البعض، متطرف عند آخرين، ضيق عند الأغلبية.
- هشاشة المحتوى وشيوع الأمية الدينية، خطيب ولكنه ليس بفقيه، ومما كان ينذر به الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كثرة الخطباء وقلة الفقهاء، وفي هذايقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: «المطلوب لغد الإسلام عالم واعظ..» الرسالة العلمية: 105
- الارتجالية والعفوية الناتجة عن نقص التخطيط، وضيق الأفق. «تربون وتعظون وتعلمون وتحفظون وتتعهدون ناظرين بثقة في الله الغني الحميد لمستقبل الخلافة على منهاج النبوة» الرسالة العلمية أيضا.
- كثرة الخلافات والاختلافات غير المعتبرة والتحاملية.
- غياب الإبداع، في الساحة حيث تجد وعاظا يتكاثرون يوما بعد يوم أغلبهم يدورون حيث دار المال والسلطان.
«كان المجتمع الإسلامي في أول أمره كالمرجل يغلي فتنبعث منه الأفكار الجديدة والحركة الدافقة، ولكن السلاطين أخمدوا أنفاسه، وخدروا عقول الناس بالمواعظ الرنانة التي من شأنها تبرير عمل الحاكم، ووضع اللوم على المحكوم، يدعي أنه من حق الحاكم أن يقسو وليس من حق المحكوم أن يشكو»، ويحصل هذا عندما يفقد الخطيب الضمير فلم يعد يستحي من الإسلام الذي يدعي الانتساب إليه، ولا يخجل من الواقع الذي يعيش فيه.
ج – الخطاب وسيلة لتحقيق مقصد الدعوة.
معلوم في الثقافة الإسلامية أن للوسائل حكم المقاصد، وأن الوسائل إذا لم تفض إلى مقاصدها سقط اعتبارها، ويُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد، فالخطاب الذي لا تحكمه إرادة الإصلاح (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)، والذي لا يستهدف الدعوة إلى الله، ولا ينضبط بمقتضياتها يسقط اعتباره ويفقد قيمته.
ولما كانت الدعوة مهمة الأنبياء عليهم السلام ومن تبعهم على بصيرة، تعين الاعتناء بالخطاب باعتباره وسيلة ناجعة ملازمة لها.
ولإغفال المقاصد في هذا الباب أثار وخيمة، أذكر منها:
- إن الداعية إذا لم يضع نصب عينيه مقاصد الدعوة إلى الله قد يسقط في مزالق كثيرة، كالارتجال والعفوية وعدم النظر إلى مألات ما يفعل.
- من الدعاة من يلتزم منهج “قل كلمتك وامض” ولا يتخطاه إلى منهج “قل كلمتك واتبعها”.
- إن إهمال النظر المقاصدي قد يكون سببا في ابتلاء بعض الدعاة بكثرة القول وقلة العمل، والمبالغة في الحديث عن الماضي وأمجاده، والتألم من الحاضر، والتوجس من المستقبل، وهذا من شأنه أن ينال من حيوية الكلام ونفاذيته إلى قلوب الشباب خاصة.
- إن من الدعاة من لا تخرج جهودهم –على كثرتها وتنوعها- عن دائرة الوسائل، وكأن الدعوة إلى الله مجرد حركات ومظاهر فقط، وتلبية لرغبة عائلة المستمعين من الكلام كيف ما كان ذلك الكلام، ضجيج ولا طحن.
د- ضرورة الاعتناء بالوعظ والخطابة.
يقول الأستاذ فتح الله أرسلان مبينا ضرورة الاشتغال على هذا الفن: «واليوم وقد اعترى الأمة ما اعتراها من انحلال خلقي، وخواء روحي، وانحطاط فكري، ففقدت صفات العزة والكرامة، والرجولة والشهامة، أصبح لزاما على جند الله الذين انضموا إلى ركب الدعوة للعمل على استئناف الحياة الإسلامية من جديد، أن يتقنوا قواعد الوعظ والإرشاد، وأن يتزودوا بما يتطلبه من زاد، لتكون كلمتهم مسموعة، ودعوتهم مقبولة محبوبة» ثم قال: “وهذا لا يحسنه إلا القليل”.
المحور الأول: مفاهيم
1- التفكير المنهاجي: التعريف – الشروط – الخصائص – القضايا – المظان.
أ- تعريف التفكير المنهاجي
- هو حركة قلبية عارمة شاملة، مصدرها الوحي والكون، وموضوعها الإنسان، وغايتها اقتحام العقبة إلى الله، ووسيلتها: التفكر لقراءة العالم المنظور والتدبر لقراءة الكتاب المسطور.
- هو فعل العقل المتحرر من ثقل الفتنة، ومن تأثير الجاهلية.
– وعمليا يمكننا القول إنه: حركة العقل المؤمن التدبرية من أجل تحصيل العلم النافع، والعمل الرافع.
- تنبيه
قد يكون المفكرون تحت وطأة الفتنة أو ثقل الجاهلية مسلمين أو إسلاميين، ولكن لم يتخلصوا بعد على مستوى الموجِّهات -بوعي أو بغير وعي- من الموروث التاريخي، فينتجون فكرا وخطابا هجينا، ملفقا، غير أصيل.
ب- شروط التفكير المنهاجي
- لا يكون تفكيرنا منهاجيا ما لم تكن شخصيتنا إيمانية.
- لا يكون تفكيرنا منهاجيا ما لم تكن مفاهيمنا قرآنية نبوية.
- لا يكون تفكيرنا منهاجيا ما لم يكن اجتهادنا مقاصديا.
- لا يكون تفكيرنا منهاجيا ما لم يكن مؤسسا على وعي تاريخي.
ج- خصائص التفكير المنهاجي
- الوضوح – الشمولية – الأصالة – الإجرائية – المستقبلية
د- قضايا التفكير المنهاجي
*قضية الأمة وقد ابتليت بداء الاستبداد والمطلب الأساس هو الشورى.
*قضية المستضعفين ومعاناتهم مع الظلم (اجتماعي، اقتصادي …) والمطلب الأساس هو العدل.
*قضية الإنسان والغفلة عن يوم الحساب وما ترتب على ذلك، والمطلب الأساس هو الإحسان.
ه- مظان التفكير المنهاجي
- صريح القرآن
- صحيح السنة
- ثابت الإجماع
- ما تلقته الأمة بالقبول
- ما ألفه الإمام المجدد رحمه الله
- ما أنتجه خريجو مدرسة العدل والإحسان وفق أصول المدرسة
- الحكمة متى ظهرت، وحيثما وُجدت.
2- مفهوم الخطابة والوعظ
الخطابة: هي فن أو علم الخطاب، والخطاب: في معاجم اللغة أحد مصدري فعل خاطب، وهو يدل على توجيه الكلام لمن يفهمه، وقد نقل علماء المسلمين الأوائل الخطاب من الدلالة على الحدث المجرد من الزمن إلى الدلالة على الاسمية، فأصبح في عرف الأصوليين يدل على ما خوطب به وهو الكلام أو الكتابة، ومع مرور الزمن وتطور الوسائل اتسع المفهوم وانفتح على آفاق رحبة، فصارت الشاشة خطابا، والصورة خطابا، والواقع الافتراضي خطابا، ولو ذهبنا بعيدا لوجدنا الجسد وتمظهراته الخارجية خطابا، بل والسكوت كما السكون خطابا.
- الخطاب في القرآن الكريم
وقد وردت مفردة الخطاب في القرآن الكريم في خمسة مواضع تتلاقى دلالاتها في الكلام والبيان والمراجعة وقوة البلاغ، وأما في الاصطلاح فهو لفظ تنازعته حقول معرفية شتى فتعددت بذلك تعاريفه واختلفت، ومن أجمع التعريفات: “أنه كل نطق أو كتابة تحمل وجهة نظر محددة من المتكلم أو الكاتب، وتفترض فيه التأثير على السامع أو القارئ مع الأخذ بعين الاعتبار مجملا لظروف والممارسات التي تم فيها”.
باعتبار مقول المخاطِب
هو بناء من الأفكار والأحاسيس والمشاعر، فهو من هذه الزاوية يعكس مدى قدرة صاحبه على البناء واحترامه لقواعده، حتى يؤدي مهمة الإخبار والإقناع.
باعتباره مقروء القارئ
(مقول القول)، وهو ذلك البناء نفسه وقد أصبح موضوعا لإعادة البناء، أي نصا للقراءة.
- ومن جهة أخرى لما كان الخطاب علاقة اجتماعية تربط بين أفراد المجتمع الواحد، أو المجتمعات وجب أن يتحدد هذا الخطاب بعنصرين أساسيين هما:
أ- النسق اللغوي.
ب- شروط إنتاج الخطاب: المخاطِب أو المرسل، المخاطَب أو المرسل إليه، الخطاب أو الرسالة ثم الناقل الرابط أو المبلِغ.
للخطاب معنيان: واسع وضيق
- المعنى الواسع: الخطاب هو أقرب ما يكون إلى رؤى وفكر واجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان.
- المعنى الضيق: الخطاب يتعلق بآليات نقل الفكر الإسلامي وتكييفه، ومعالجته لغويا ودعويا وإعلاميا لتوصيله إلى الجماهير.
ومن وسائله: خطبة الجمعة، درس ديني، صحيفة، برنامج تلفزيوني، موقع على الأنترنت.
وخلاصة الأمر: الخطاب رسالة ذات مضمون، دلالة وأسلوب وغاية.
وأما الوعظ:
لغة: التخويف، والتنبيه والتذكير، واصطلاحا «التذكير بالخير وما يرقق القلب» قاله الخليل.
ونجد للأستاذ فتح الله أرسلان تعريفا دعويا وتربويا، يقول: «الوعظ هو إيقاظ القلوب من الغفلة، وإنقاذ البصائر من الحيرة، وإحياء النفوس من الموت والجهالة» انظر كتيب له تحت عنوان: «الموعظة الحسنة».
3- أهمية الخطابة والوعظ ، وضرورة إتقانهما
الخطاب الإسلامي هو من أخطر القضايا في حياة المسلمين اليوم، ذلك أن شيوع الأمية الدينية، والغزو الثقافي ،والأزمات الاقتصادية الطاحنة، واستعار الفتن الصارفة، وكثرة العقبات والصوارف، جعل معظم المسلمين المعاصرين يبتعدون عن ينابيع الإسلام الصافية، ولم يبق لهم من صلة بحقائق الدين إلا الخطاب الإسلامي الذي يصله من خلال خطبة الجمعة، أو درس ديني، أو موعظة في مناسبة، وسائل الإعلام …
- ومن أعظم ما يدل على أهميته أن جعله الله تعالى وظيفة أنبيائه ورسله وأصفيائه، وجعل بعض كتبه المنزلة مواعظ وعبرا ، (كالزبور مثلا)، ووصف القرآن في كثير من الآيات أنه موعظة.
- ومن ذلك اعتناء علماء الأمة بالخطابة والوعظ، (الحسن البصري، عبد القادر الجيلاني..).
يقول الأستاذ فتح الله أرسلان: «واليوم وقد اعترى الأمة ما اعتراها من انحلال خلقي، وخواء روحي، وانحطاط فكري، ففقدت صفات العزة والكرامة، والرجولة والشهامة، أصبح لزاما على جند الله الذين انضموا إلى ركب الدعوة للعمل على استئناف الحياة الإسلامية من جديد، أن يتقنوا قواعد الوعظ والإرشاد، وأن يتزودوا بما يتطلبه من زاد، لتكون كلمتهم مسموعة، ودعوتهم مقبولة محبوبة» واستدرك قائلا: وهذا لا يحسنه إلا القليل.
المحور الثاني: الخطاب المنهاجي
سبقت الإشارة إلى أن الخطاب رسالة ذات مضمون وأسلوب وغاية، فما هو مضمون الخطاب المنهاجي، وما هي أساليبه وغاياته؟
1- مضمون الخطاب المنهاجي
خطاب تزكية: الظاهر والباطن
يقول الإمام المجدد «المطلوب لغد الإسلام عالم واعظ معلم مرب خاشع لله، منيب خبير بما تجيش به نفوس عباد الله، وبما هو حشو أدمغتهم» الرسالة العلمية فقرة 105
خطاب رحمة وحكمة: يقول الإمام المجدد رحمه الله: «إن الدعوة إلى الله رحمة تحنو، وحكمة تلتمس التي هي أحسن لإنزال المستعلي المستكبر بمقتنيات ثقافته إلى تواضع ودهشة وحيرة» فقرة 177.
خطاب مرتبط بالأصل، منفتح على العصر: يجمع بين تراث السلف ومعارف الخلف يقول الإمام: «…فما نطلب التوسع في علوم الناس إلا لنتزود بالمادة الفكرية نحمل عليها إلى الناس –وفي ضمنهم المثقفون المغربون- روح الإسلام وروحه» الرسالة فقرة 159
خطاب الوعي: «نبسط ما صح عندنا بالمسلمة الفطرية، والعقل العاقل عن الله، والقلب السليم، والمدخل التربوي، والكيف الإسلامي، والمحضن الإيماني، ويهدي الله سبحانه من يشاء» فقرة: 67
خطاب الإبداع والإتباع: النص والمصلحة. «افعلوا ذلك وتلطفوا بالواقف ينظر إلى الوراء حتى يستوعب حقائق عصره، يبصرها على مصباح القرآن لا على سرج انطفأت. وحتى تتكيف عقلية فقيه يملي من كراسة مشايخه، أليف مربع مريح، أو طريح فراش المنهك الجريح» فقرة: 218.
خطاب الإعذار: فهم وتفهم وتفاهم، فقه الائتلاف وأدب الاختلاف. «الجوهر هو ما يجمعنا مع إخواننا علماء المسلمين، في الضمير اليوم صوتُ تعاطف مكبوت، وغدا يبوح الأخ لأخيه بالصفاء والوفاء» ف225.
«إخواننا علماء الدين وفقهاء المنابر وعمار المساجد هم عدتنا بعد الله غدا»
خطاب التوازن: ترغيب وترهيب، الدنيا والآخرة، خوف ورجاء، ظاهر وباطن، لا تهويل ولا تهوين، إنصاف واعتدال،
واقعية ومثالية، علم وعدل.
خطاب النهضة: الإصلاح الكلي والتغيير الجزئي، الخلاص الفردي والخلاص الجماعي.
2- أساليب الخطاب المنهاجي (منهج الخطاب)
- التركيز على ما يجمع الشمل.
- توظيف الأحداث لصناعة رأي عام فاضل.
- التركيز على القضايا الكبرى وتوحيد الخطاب في القضايا الكبرى.
- ترتيب الأوليات.
- اقتراح بدائل وحلول (النفعية).
- التيسير لا التعسير
- الترويح ببعض الطرف.
- الإحسان قبل البيان.
- القدوة قبل الدعوة.
- الترغيب قبل الترهيب.
- تربية لا تعرية.
3- غايات الخطاب
أولا: الإسماع
ثانيا: الإقناع
ثالثا: الإتباع
هذا إجمال وبشيء من التفصيل أقول:
- تحريك الإيمان في نفوس الشعوب والجماهير المسلمة، وإثارة الشعور الديني.
- صيانة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية من التحريف.
- تقوية الصلة الروحية والعاطفية والعقلية بالنبي صلى الله عليه وسلم.
- إعادة الثقة في نفوس الطبقة المثقفة.
- تقوية عاطفة الامتثال لأمر الله ونهيه.
- تنمية الوعي الصحيح وتربيته.
- الفهم للحقائق والقضايا الكبرى.
- التمييز بين الصديق والعدو.
- عدم الانخداع بالشعارات والمظاهر.
- التذكير بالآخرة ولقاء الله.
في كلمة: حماية الإسلام من التحريف، والمسلمين من الانحراف سواء الواقع أو المتوقع.
المحور الثالث: الخطيب المنهاجي
1- صفات ذاتية يتشبع بها الخطيب
- أولا: التحقق باليقين
وهو شعاره وديثاره، وأصل الفرح والفرج والروح، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه “الفرح والروح في اليقين والرضى، والغم والحزن في الشك والسخط”.
لذلك نلح أن يكون الخطيب على يقين بنفع قوله، وصلاحية ما يدعو الناس إليه.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: “خير ما ألقي في القلب اليقين، وخير الغنى غنى النفس، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع وما قل، وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، فلا تملوا الناس ولا تسأموهم، فإن لكل نفس نشاطا وإقبالا، وإن لها سآمة وإدبارا”.
واليقين درجات:
- ما ثبت به الإيمان وانتفى به الريب.
- ما يقوى به الإيمان من البراهين العقلية النظرية.
- ما نزلت به السكينة في القلوب.
ومن مقتضياته: صدق خطابه، وصيانته، وإعطاؤه قدره بإخلاصه وحسن خلقه وجمال سمته وحسن مذاكرته، ولطف مخاطبته وقبوله بين الناس.
- ثانيا: التحقق بحسن الخلق
وهو ركن البعثة الأصيل، روى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طُعمة. أي في وجه المكسب”
فالخلق الحسن أفضل أرزاق الله على الإطلاق، كما قيل، وهو أيضا أشرف ما تزين به الإنسان، وبه يسع جميع الناس، وبه يعظم شرفه عندهم، وتثبت خيريته بينهم، وبه ينال إكرام الله بود الخلق.
- ثالثا: أن يكون قاصدا في الكلمة المرشدة
موضوعا وزمانا وحالا وأسلوبا مراعيا في ذلك الحاجة الملحوظة بالمخالطة وما انتهى إلى علمه من أحوال الناس، مع الحرص على تجنب الإطالة، والنأي عن التشدق والتفيهق. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «… ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه».
رابعا: التركيز على الإيجابية
وذلك بترغيب الناس في العمل وفتح باب الأمل، وتجنب العدمية والتيئيس من إمكانية الصلاح والإصلاح، وتقريب الفضائل الإنسانية، والمبادئ الإسلامية للأجيال المعاصرة والصاعدة على اختلاف حيثياتهم وأعمارهم.
2- سمات أساسية يصدر عنها حملة الخطاب
أولا: التكامل بين العاطفة والعلم والفكر
- فوظيفة العاطفة توليد شيء من الطاقة في نفوسا لمدعوين وإثارة حماسهم وفضولهم وتعاطفهم مع القضية.
- والعلم هو صلب الرسالة الدعوية، معلومة صحيحة موثقة.
- الفكر أداة تحليل وتعليل وتركيب، ووظيفته بناء عقلية منهجية قادرة على النقد والتجاوز واستشراف المستقبل، والانفكاك من أسر النمطية.
ثانيا: التوازن والتنوع
وذلك بمراعاة ما يلي:
- حاجات الفرد: قلبه وعقله ونفسه، ومتطلبات الدنيا والآخرة.
- حاجات الناس المستهدفين(الجمهور)، واتساع الهوة الثقافية بينهم، وهم أطياف وأصناف كما سنرى.
- لغة الخطاب، واقترح هنا ما يلي كحل مرحلي:
. يمكن استخدام فصحى قريبة خالية من المصطلحات والكلمات الغريبة قدر الإمكان، مشحونة بما يناسب من ألفاظ السنة والقرآن، (أو دارجة قريبة من الفصحى).
. الانسجام بين الألفاظ والأساليب المستخدمة وبين المضامين والمعاني المعبر عنها.
. من الإساءة للمعاني الراقية أن يعبر عنها بلغة هابطة، وأمثلة تقترب من البداهة.
. اللغة المناسبة هي اللغة الموحية المرفرفة نظيفة الألفاظ.التي لا تسجن المعاني، ولا تقيد الأفكار.
ثالثا: الاندماج الشعوري بين الخطيب وسامعيه
ويظهر ذلك باستعمال صيغ المشاركة بدل الصيغ الدالة على الذات -إن لم تكن هناك ضرورة- فالخطيب ليس في جبهة مضادة للمستمع.
رابعا: الرفق والكياسة.
- دعاة لا قضاة.
- دعاة لا ولاة.
- دعاة لا قساة.
- هداة لا جناة.
3- زاد الخطيب
الزاد لغة طعام يتخذ للسفر، واصطلاحا هو ما يكتسبه الإنسان من خير أو شر. أي ما يحمله الإنسان ليستعين به على شأنه. ولا شك أن الخطيب أحوج ما يكون إلى زاد وفير من العلم والتربية والأخلاق، لتوقف نجاح مهمته الدعوية عليه.
وهذا بيان مقتضب:
| الهدى | الضلالة | |||||
| ثمرتها | وسائلها | تجلياتها | أثرها | أسبابها | أعراضها | |
| نية فعل الخير(وجدان) | الذكر(تربية) | رحمة | عدم إرادة الحق | الغفلة | الأنانية | قلب |
| إدراك الخير | اليقين (علم) | حكمة | الجهل بالحق | الشبهة | العقلانية | عقل |
| النزوع لفعل الخير | صبر وحياء وعفة (خلق) | عمل صالح | العجز عنه | الشهوة | الفساد | جسد |
إشراقات منهاجية وتنبيهات
- «إن كنا يقتلنا الهزال المادي والمعنوي والفكري فلن يُسمع منا خطاب»
- «تعظ الكلمة الصادقة من قلب خاشع»
- «لا تعظ الكلمات المنمقات، تمر فصيحة من فوق الرؤوس لا تسلك إلى القلوب، ولا تفتح بابا للتوبة من الذنوب»
- «واعظ لا يتعظ عليم اللسان أنى تؤثر موعظته»
- «نزيل بالإقناع الجدلي العقلي ما ثمَ من ترسبات لنفتح أمام الفطرة طريقا إلى النور، نخاطب وجدان عامة الناس بعد أن نبين تهافت خاصة أصحاب العقلانية الأمية»
- الخير إن لم يلزمك لن يتعداك.
- الناس في الغالب يسمعون بك لا لك.
- سياسة العلم أعوص من إتقانه.
- نحرص على تجويد المعلوم قبل تكثيره.
- كن مخلصا تكن فصيحا.
- ترك العلم كالهجوم عليه دون مُكنة يؤديان إلى فساد الرؤية.
4- مصادر سلطة الخطيب
تتعدد المصادر التي يستقي منها الخطيب سلطته المعنوية على السامعين، وتختلف درجة حضورها تبعا لطبيعة المناسبة والظروف المحيطة بها، وكذا نوعية الحضور وحيثياتهم الاجتماعية والثقافية.
وأهم هذه المصادر: شخصية الخطيب (وظيفته الاجتماعية، شهادته العلمية، ..)، بيانه (لغة، منطق ..)، الجهة التي يتكلم باسمها (مركز علمي، مؤسسة رسمية، مؤسسة شعبية..) وغيرها.
لكن إن استطعت أن تقنع الناس بما حباك الله من زاد علمي وتربوي وأخلاقي، وحسن سريرتك وصفاء طويتك أنك تتحدث بالإسلام للإسلام فستكون بالخطاب أجدر، وكلامك أنفع.
سئل محمود القصار رحمه الله: ما بال كلام السلف الصالح أنفع من كلامنا؟ فأجاب: كان السلف الصالح يتكلمون لعز الإسلام، ورضا الرحمان، ونجاة النفوس، ونحن نتكلم لعز النفوس، ورضا الناس، وطلب الدنيا.
شتان بين كلام وكلام..!!
المحور الرابع: أنواع المخاطبين: محاولات للتصنيف
أولا: باعتبار انتظاراتهم:
- جمهور من؟
- جمهور ماذا؟
- جمهور لماذا؟
- جمهور كيف؟
ثانيا: باعتبار الإحساس والتفاعل:
1 – الإحساس بالارتياح الذهني والوجداني: استطعت أن تثير خلايا التفكير، وخلايا الوجدان، موضوع وأسلوب ملائمان، تقمصت مشاعره، وكأنك تتحدث باسمه.
2 – الإحساس بالتعاطف: يطغى الجانب الوجداني على الجانب العقلي، فتحرك شفقته، وكأنني به يقول لو احتاجني هذا الإنسان في شيء فلن أتردد في مساعدته.
3 – عدم التحمس واهتمام ضعيف: سواء عنده تكلمت أم سكت، ربما الموضوع غير مناسب، أم الأسلوب غير شيق.
4 – القرف والنفور: يتمنى السامع لو حدث أي شيء ينقذه من ذلك القصف الكلامي… وأحيانا قد يبادر هو إلى القيام بتلك المهمة فيقاطع المتكلم أو يشوش عليه. وقد يحدث هذا إذا كان المتكلم سخيفا في استعماله للألفاظ أو طريقته أو حتى نبرات صوته، إضافة إلى عدم صدقه، وقلة أمانته.
ثالثا: باعتبار المرجعية والعمل بها:
- متلقٍ يشارك الخطيب في المرجعية والعمل بها.
- متلق يشارك المرجعية ولا يشارك العمل.
- متلق لا يشارك المرجعية ويشارك العمل.
- متلق لا يشارك المرجعية ولا يشارك العمل.
وفائدة هذا التقسيم أن يستحضر الخطيب المقام، ويكيف الأسلوب.
يقول سيدي عبد السلام رحمه الله تعالى: «بسلطان ادع إلى سبيل ربك… نخاطب وجدان العامة في الخطبة العامة، ونناجي ألم المصاب في لحظة استفاقة واستعداد، وندخل على نادي المتعنتين في المحفل»، وأضاف: «نخاطب الإنسان والعالم بكل لغة يفهمها لندخل إلى فطرته المطموسة المخمورة المخدرة نوصل إليها رسالة الإسلام، وخبر الآخرة».
فلا بد من تنويع الأساليب من تغليب الاستشهاد في مقام، وتقديم الاستدلال في مقام آخر، وغير ذلك.
المحور الخامس: نماذج للاهتداء والاقتداء
للنماذج تأثير ليس لغيرها من العناصر المنطقية، ولا للعناصر الكلامية الجدلية، ولا للعناصر النفسية.
1- خطبة حجة الوداع.
في هذه الخطبة من الدروس والعبر ما لو أدركه الدعاة والخطباء لأدت الخطابة رسالتها أحسن ما يكون الأداء، من ذلك:
- الإخلاص والحرص على هداية الناس.
- جذب الجمهور وتهيئته من أول الخطبة.
- التركيز على المتفق عليه وترك المختلف فيه.
- شمول الخطبة أمور الدنيا والدين.
- الاقتباس من القرآن والسير معه.
- على الداعية البلاغ وليس عليه النتائج.
2- دعوة مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه
- ترقيق الكلام وتنويعه.
- التبصير بالواقع.
- الاعتبار بقصص الماضين.
- النظر إلى عواقب الأمور.
3- نموذج من دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام
- إثارة الحنان قبل إثارة الإيمان (يا أبت)
- حسن اختيار الدلائل.
- استخرج عليه السلام ما مع قومه من ثروة ذكاء وثروة بيان وثروة دفاع عن النفس، وأبطلها حتى أصبحوا مفلسين، إداك بدأ يوجه إليهم الدعوة.
- نفي مجمل، وإثبات مفصل.
4- نموذج من دعوة سيدنا يوسف عليه السلام
- موضع احترام وتقدير وثقة.
إنا نراك من المحسنين: من المحسنين في العبادة، من المسنين في الكلام، من المحسنين في المعاملة.
- الجمال الرائع في فتح الحديث.
من مظاهر الحديث الجميل: جمال المدخل، ينشرح له الصدر ويشجع على الدخول، مدخل لطيف رقيق خفيف على النفوس إلى الدعوة.
- تنشيط النفوس لسماع الحديث بشيء لذيذ حبيب.
ذكر الطعام وهو أحب وأشهى وألذ للمسجونين، لأنه يحضر في وقت محدد، غالبا ما يكون بعد الحاجة إليه.
- الانتقال الخفيف الرقيق إلى عرض الدعوة.
البداية بالشعور المعنوي –ليس تكبرا واستعلاء- أنه في موقف قوي، كأنه طلع جبلا أو ربوة عالية، تؤهله للإخبار عن الله، (ذلكما مما علمني ربي)، بعد هذا لا قبله، فلو جاء قبله لكان ثقيلا على الآذان والقلوب، هنا استطاع أن يقول وحق له أن يقول: (يَٰصَٰحِبَيِ اِ۬لسِّجْنِ ءَآرْبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ اَمِ اِ۬للَّهُ اُ۬لْوَٰحِدُ اُ۬لْقَهَّارُ)، نبرة قوية، متدفقة بالحياة، مليئة بالثقة، قوة الكلام تابعة لقوة الإيمان.
- طريقة الداعي الملهم.
عندما شعر بأن الفراغ الذي وُجد في قلوبهم قد مليء، وشعر أن نفوسهم لا تتسع، و لا تتهيأ لسماع نصيحة أكثر من هذا، وقف وبدأ في تفسير الرؤيا. لأنه ليس من الحكمة الآن أن يطيل الكلام ويزيد عن الحاجة.
خاتمة
أختم بوصايا نافعة بحول الله تعالى:
- تطلب العلم من المهد إلى اللحد وإلا انغلقت وانتهيت وختم على قلبك بالعقم، كن عالم مسجد وواعظ حلقة وجليس عامة، ومربي ناشئة.
- إن الواعظ الحكيم القدوة بالمثال والتواضع الصادق لهو النبراس في الظلام، لا مسعر الحروب الكلامية الجدلية ضد الأنام.
- ارتباط الإيجاز بالإعداد
الدرس الموجز يحتاج من الإعداد أكثر مما يحتاج إليه الدرس الطويل، سُئل تشرشل: كم تحتاج لإعداد خطاب من خمس دقائق؟ قال: أسبوعا، قيل له: وخطاب ساعتين، قال: فلأشرع الآن في الإلقاء. فالإيجاز يتطلب استيعاب المعنى، ووضوح الأفكار الأساسية.
محاولة الشيطان لإلجام الدعاة عن الكلام
مر الحسن البصري على مطرف بن عبد الله في أصحابه، فقال: عظهم، فقال: أخشى أن أقول ما لا أفعل، قال الحسن: وأينا يقول ما يفعل؟ ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه.
- إن فقيه القلوب يسقي الناس من زلال محبة الله ومحبة رسول الله لهو الشفاء.
- إن الإنسان في هذا العالم مشبع قلقا وكآبة وشكا وضيقا وما إلى ذلك، لذا فحاجته إلى نفحة أمل ورحمة، ونفخة أخوة ومودة، فإذا كنا سنكتب ونتكلم لنخيف الناس ونحذرهم من الشر المتوقع، فلا داع فهم يعيشونه قبل حلوله.
- شكر الله لكم حسن الإنصات، وغفر لي ولكم جميع الزلات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحق:
1- مقولة للشيخ زروق الفاسي رحمه الله
لقد جمع أحمد زروق مختلف التصنيفات في قاعدة عامة هذا نصها: “لكل شيء وجه.. فطالب العلم في بدايته، شرطه الاستماع والقبول، ثم التصور والفهم، ثم التحليل والاستدلال، ثم العمل والنشر، ومتى قدم رتبة عن محلها، حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها. فعالم بغير تحصيل ضحكة، ومحصل دون تصور لا عبرة به، وصورة لا يحصنها الفهم لا يفيدها غيره، وعلم عري عن الحجة لا ينشرح به الصدر، وما لم ينتج فهو عقيم.. والمذاكرة حياة، لكن بشرط الإنصاف والتواضع، وهو قبول الحق..، ومتى كثر العدد انتفيا، فاقتصر ولا تنتصر، واطلب ولا تقصر وبالله التوفيق”.
2- خمس خطابات عقيمة
- خطاب انكفائي (ضيق الزمن والمكان)
- خطاب اجتراري (ماضوي الحل والوسيلة)
- خطاب انتحاري (تكفيري صراعي عنيف)
- خطاب استجاري (يشعل المعارك على جميع الجبهات)
- خطاب انبهاري (تغريبي مستلب)
3- معايير تقييم موعظة
تتميز الموعظة عن باقي أنواع الخطاب بكونها تهدف إلى ترقيق القلوب، وتنبيه الغافل، والتحفيز على العمل الصالح، والدعوة إلى اغتنام الأوقات، لذلك لا بد من اشتمالها على الآيات والأحاديث والأشعار والقصص، لإثارة الانتباه وتحريك الفضول.
الواعظ: ………………….. الموضوع: ………………………… المناسبة: ……………….
| المستوى |
| ||||
| 1 | 2 | 3 | ||||
| السمت الحسن | ||||||
| براعة الاستهلال: تقديم خفيف، وانتقال لطيف | ||||||
| غَناء الموعظة: قرآن، حديث، شعر، قصة، طرفة .. | ||||||
| التوثيق والصحة | ||||||
| سلامة اللغة ونظافة الألفاظ | ||||||
| حسن النظم في الصياغة، ودقة الترتيب للأفكار | ||||||
| الربط بالواقع وأحوال الناس وآمالهم | ||||||
| الإيجاز غير المخل | ||||||
| مراعاة تقنيات التواصل: حركة، نظرة، نبرة .. | ||||||
| حسن الختام: توجيه نافع، ودعاء مختصر جامع | ||||||
1: دون المتوسط 2: متوسط 3: جيد