ماذا نريد أن يبقى منا؟
بقلم: ابراهيم أكورار
“قصاصات مكتبة(DOKK1 ) و رسول الله صلى الله عليه و سلم”

ربما من المفارقات الجميلة أن يأتي التذكير بمحبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكان لم يكن في الحسبان أن يكون مدخلا إليها.
فالدانمارك عرفت، للأسف، أحداثًا مؤلمة ارتبطت بالإساءة إلى النبي الكريم صلى الله عليه و سلم، وأصواتًا متطرفة حاولت أن تجعل من الإسلام والمسلمين موضوعًا للاستفزاز. لكن الإساءة نفسها دفعت الكثيرين إلى السؤال عن سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم والتعرف على سيرته، وربما كان من لطف الله أن يتحول بعض الضجيج الذي أراد حجب صورته إلى مناسبة لاكتشافها.
لكنني في هذه الرحلة لم أبحث عن هذه الصورة.
ما شدني كان شيئا آخر تمامًا.
كنت في زيارة لمكتبة (DOKK1) في مدينة آرهوس، فإذا بي أتوقف أمام مشهد بسيط، لكنه استوقفني طويلًا: عشرات القصاصات الصغيرة معلقة على هيكل خشبي، كتبها زوار المكتبة من أعمار وخلفيات مختلفة.

كان السؤال المكتوب عليها بالدنماركية:
Hvordan eller hvad vil du gerne blive husket for?
أي:
«بماذا، أو كيف، تود أن يتذكرك الناس؟»
وتحته بالإنجليزية:
How or for what would you like to be remembered?
في البداية ظننته مجرد نشاط تفاعلي لطيف لزوار المكتبة. لكنني كلما تأملت القصاصات، شعرت أن وراء السؤال شيئًا أكبر بكثير من لعبة عابرة.فالمكتبة هنا لا تسألني:
ماذا قرأت؟ولا: ما الكتاب الذي تريد استعارته؟
وإنما تسألني سؤالًا يلامس أعماق قارئه:
ماذا تريد أن يبقى منك؟
فالإنسان يقضي عمره كله في جمع الأشياء : المال، المعرفة، التجارب، العلاقات، الصور، الإنجازات، الشهادات، الرحلات..
ثم يأتي يوم لا يستطيع فيه أن يحمل معه شيئًا من ذلك إلى قبره.
فماذا يبقى؟
القصاصات الصغيرة تشبه صفحات مختصرة من حياة كل إنسان .كل شخص كتب سطرًا. و كل سطر يحمل أمنية. وكل أمنية تكشف شيئًا من هم صاحبها.
كأن هؤلاء الزوار، من مختلف الأعمار و البلدان والألوان و الأديان والثقافات، اجتمعوا في مكان واحد ليجيب كل واحد منهم عن السؤال الذي لا يستطيع الإنسان أن يهرب منه إلى الأبد:
ما أثري في هذه الحياة بعد الرحيل ؟ و يظيف المؤمنون بالله” إلى الدار الآخرة”؟
مسلمون من ثقافات متعددة، يعيشون في فضاء واحد، يترددون على المكتبة، يقرأون، يتعلمون، ويتجاورون في مجتمع يبدو فيه قدر كبير من الانسجام والتسامح.
يحتفظون بخصوصيتهم الدينية، وفي الوقت نفسه يعيشون ويتفاعلون بإيجابية داخل المجتمع.

صليت الجمعة بمسجد شجع الخطيب الشباب المسلم على التفوق في دراستهم و التميز في أخلاقهم و حياتهم المهنية ” لكي لا يكونوا عالة على المجتمع الدانماركي”
وهذه صورة إيجابية تستحق أن تُرى أيضًا.
فليس من العدل أن تختزل الدانمارك في الرسوم المسيئة لشخص نبي الرحمة صلوات الله عليه أو في تنامي الأصوات اليمينية المتطرفة. هناك وجه آخر للمجتمع: مكتبات مفتوحة، وفضاءات عامة، و مساجد وتعايش، واحترام للحقوق و الحريات، و إمكانية أن يجتمع المختلفون في مكان واحد دون أن يفقد أحدهم هويته.
لعل لهذا علاقة بشيء من الخصوصية السلمية التي عرفها المجتمع الدانماركي تاريخيا ، قبل أن تفرض التحولات الجيوسياسية الكبرى، مشاركة دولتهم في الحربين على العراق وأفغانستان، حيث أثرت على صورته التقليدية عن السلم والحياد.
لم أكن في المكتبة (DOKK1 ) لأكتب عن تاريخ الدانمارك و سياستها الخارجية.
بل أمام قصاصات ورقية.
والقصاصة الصغيرة أحيانًا تفتح بابًا إلى أسئلة أكبر من حجم كتاب.
ماذا سيبقى مني؟
سألت نفسي:
لو أعطاني أحدهم الآن قصاصة صغيرة وقال لي:
اكتب: بماذا تريد أن يتذكرك الناس؟
فماذا سأكتب؟
هل أكتب: بأعمالي؟
بأبنائي؟
بكتاباتي؟
برحلاتي؟
بما تعلمته؟
بالأشياء التي امتلكتها؟
بالأماكن التي زرتها؟
أم أن هناك سؤالًا أعمق من كل ذلك؟
بماذا أريد أن ألقى الله؟
سؤال انتقل بي من سؤال قصاصات المكتبة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم.
إن المسلم لا يستطيع أن يفهم معنى الأثر في الحياة بمعزل عن علاقته بالمنة الكبرى صلى الله عليه و سلم.
من هو سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم في حياته؟ هل أعجب بسيرة قرأها؟
أم بصلاة وسلام كررهما بلسانه؟
أم أنه رسول من عند الله أمر الله بمحبته؟
إن محبة رسول صلى الله عليه و سلم ليست مجرد إحساس جميل تجاه شخصية عظيمة من الماضي، إنها شكر لله و اتباع و حسن صحبة و مسؤولية أمام الله عز و جل نحو أنفسنا و العالمين.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله:
( 1 )”إن محبة رسول الله صلى الله عليه و سلم و آل بيته، و الفناء في روحانيته، و ما يواكب ذلك السلوك الشريف، و المشروع المنيف من أنوار الغيب و أسرار الملكوت، هي الكنز الذي آن أن يكشف للعالمين.”
أن أحبه يعني أن أسأل:
ماذا كان يحب؟ كيف كان يعيش؟ كيف كان يعامل الناس؟ كيف كان يواجه الأذى؟ كيف كان يرحم؟ كيف كان يربي؟كيف كان يقيم العدل؟كيف كان يبني دين الإنسان إسلاما و إيمانا و إحسانا؟
ما نصيبي من هذا الميراث العظيم في حياتي قبل مماتي؟
يصبح سؤال المكتبة الدانماركية:
بماذا تريد أن تُذكر؟ قريبا من سؤال آخر:
ماذا تريد أن يبقى منك بعد رحيلك إلى الدار الآخرة؟
ثم سؤالا ثالث أكثر عمقًا:
بماذا تريد أن تلقى الله عز و جل ؟
التهمم بمثل هذه الأسئلة يكشف حقيقة:
أننا لم نخلق عبثا.
و أننا مدعوون إلى اقتحام العقبة إلى الله في هذه الدنيا.
و العقبة هي كل ما يحول بين الإنسان و رضى الله عز وجل و رسوله الكريم صلوات الله عليه .
رسول الله صلى الله عليه و سلم ترك وراءه أثرا لا يشبه آثار البشر.
ترك قلوبا عرفت الله عز و جل، ترك جيل المهاجرين و الأنصار بأيهم اقتدينا اهتدينا، وأمةً حملت رسالة، و ترك لنا بشارة أخوته لكل من آمن به و لم يره، و ترك أخلاقًا امتدت عبر القرون، و محبين لشفاعته في كل أرض يقولون:
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
رجل خرج من مكة قبل أربعة عشر قرنًا، ثم أصبح حبه يجمع أناسا من القارات الخمس.
لكنهم حين يسمعون اسمه صلى الله عليه و سلم، يلتقي في قلوبهم شيء واحد: المحبة.
محبته لذاته صلى الله عليه و سلم تزيد المؤمنين به قربا من ربهم
متجاوزة عاطفة معلقة في القلب، مثل قصاصة معلقة على جدار.
بل تتحول إلى التأسي بسنته و العمل على إحيائها و تجديدها كاملة غير منقوصة.
لذلك، حين أنظر اليوم إلى الصورة التي التقطتها في مكتبة( DOKK1)، لا أرى مجرد مكتبة، ولا مجرد هيكل خشبي عليه أوراق.
بل أرى سؤالًا يلاحقني:
ماذا سأترك عندما أرحل؟.
وإذا كان لا بد أن أترك قصاصة في كتاب الحياة، فلا أريدها أن تقول فقط:
مررت من هنا.
بل أريدها أن تقول:
مررت من هنا، فأحببت سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم، و أسأل الله عز و جل أن يكون لي نصيب من الخير الذي جاء به و المساهمة بإقامة دينه.
يقول الأستاذ عبد السلم ياسين رحمه الله في نظمه المتميز بمدح نبي الهدى مدح تعظيم و اقتداء، و منهاج تغيير ما بالنفس و ما بالأمة، و تربية طلائع مجاهدة مجددة جامعة قسمات شخصيتها بين الرحمة و الحكمة، القوة و الأمانة، تتوب إلى الله عز وجل و تدعوا الناس إلى التوبة، و تعد العدة لتحرير fل..سط ين الجريحة و لمستقبل الإسلام الأغر بإذن الله عز وجل:
( 2 )افْهَمْ إذا أَسْمَعْتُ فِطْـ
رَتَكَ العميقَةَ يا بُنَيّْ
ما في الوجودِ معظَّمٌ
بعدَ الإله أجَلَّ شيّْ
إلا الرسولُ محمَّدٌ
أنْشَاهُ من نسْلِ قُصَيّْ
ثُم اصطفاه لنوره
روَّاه منه أبَلَّ رَيّْ
فإذا مَحَضْتَ لذاتِه
حُبًّا سُقيتَ على يَدَيّْ
وغدوتَ من أحبابِهِ
وبرأتَ من رَيْنٍ وغَيّْ
صلى عليه إلاهُنا
ما دام في الأكوان حيّْ
( 1 ) الإسلام غدا، ص 942
( 2 ) القطف 4،المجموعة الشعرية الكاملة، ص 103