حضور المقاصد في المادة الأصولية
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
باحث في التراث المغربي وتاريخه
جامعة محمد الأول
وجدة
يتجلى حضور المقاصد في مباحث أساسية منها القياس في مبناه على العلة واستخراج علل الأحكام، وبيان ما هو من قبيل العلة وما ليس منها والبحث في المناسبة ومسالك التعليل كل هذا يندرج فيها ويسمى بالمقاصد.
وفي موضوع المصالح المرسلة أو الاستصلاح، لأن المصلحة روح المقاصد وجوهرها وفي استناد الاجماع على المصلحة وفي استحسان الضرورة والمصلحة وسد الذرائع لمصلحة، ودرء المفاسد، والعرف وما جرى به العمل، والاستصحاب وذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة.
وفي الباب رسالة علمية للدكتور حسان حامد تحت عنوان: نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، تناول النظرية في فقه المذاهب الأربعة.
يقول الإمام أبو حنيفة النعمان: “” إذا أصاب المسلمون غنائم من متاع أو غنم فعجزوا عن حمله ذبحوا الغنم وحرقوا المتاع ولحوم الغنم كراهة أن ينتفع بها أهل الشرك.””
قال الإمام مالك: “”شهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح ما لم يتفرقوا وينقلوا إلى أهاليهم ويأخذ بأول أقوالهم.””
لو طبق الحرام في الأرض وانسد طرق المكاسب الطيبة ومسحت الحاجة إلى الزيادة لسد الرمق زاد التوسع في مقدار الضرورة والحاجة في القوت والملبس والمسكن، حتى لا تتعطل المكاسب والأشغال، ولا يهلك الناس بسد الرمق من الضرورة فحسب.
أجاز المالكية قطع النبات والشوك بالحرم الذي يحدث ضررا ويلحق الأذى بالناس، وقد قيس على قتل الفواسق رغم وجود نصوص تمنع قطع النبات والشجر في الحرم.
دفع المال للكفار قصد فداء الأسرى أو دفع المال لرجل يأكله حراما ليمسك عن الزنا أو صرفه للمحارب تفاديا لنشوب الحرب بينهما.
قال القرافي معلقا على الأمثلة: فهذه الصور كلها وسيلة إلى المعصية بأكل المال ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يجعل من المصلحة على هذه المفسدة.
كذلك نجد فتوى من الإمامين مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان في إعطاء الزكاة للهاشميين آل البيت مع ورود الحديث بالمنع دفعا لضررها وحفظا لها من الفقر.
أيضا ما ذكره حكيم بن أبي عبد الله الترمذي في كتابه الصلاة ومقاصدها وعلل العبودية، فقال: “”والصلاة دار الله من دخلها دخل ظل عرش الله.””
فلعله قصد بكلمة عرش دال على سياق الكلام الذي يليه، وولائه وضيافته فمن الوقوف والركوع والسجود ضيافة ومن التلاوة أعراس ومن الثناء والتشهد ولائم، لذلك قال النبي ﷺ: “”جعل الله قرة عيني في الصلاة””، ولم يقل بالصلاة، وقال ﷺ: “”ارحنا بها يا بلال””، يعني بالروح وهي روح المقام بين يدي الله تعالى، ولم يقل ارحمنا منها كما تأولها أهل الغفلة، ومن صارت الصلاة لجوارحه قيداً ولقلبه سجناً، فهو من العبيد الأبقين الثائرين أمر الله بالصلاة ليسجن نفسه الشهوانية فتكون تكفيراً لهم وتطهيراً وتنالهم رحمته، ولذلك قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوٰةِۖ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلَّا عَلَي اَ۬لْخَٰشِعِينَ﴾ [سورة البقرة الآية 44]، أي ثقيلة على النفوس إلا النفوس الخاشعة المؤمنة حق الأيمان، وقلوب قد استنارت وأزلفت إلى الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ اِ۬لصَّلَوٰةَۖ إِنَّ اَ۬لصَّلَوٰةَ تَنْه۪يٰ عَنِ اِ۬لْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِۖ وَلَذِكْرُ اُ۬للَّهِ أَكْبَرُۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَۖ﴾ [سورة العنكبوت الآية 45]،
فإنما يقبل الله على العبد حسب إقبال العبد عليه، والصادقون إقبالهم في صلاتهم على أفعال الصلاة وعلى تلاوتهم وتسابيحهم وحمدهم…
فبذكر الله تعالى يلين القلب ويبتعد عن الشهوات والميل إليها فهو كالشجرة اليانعة ما سقيت بالماء زادت غلتها وثمارها.