أحمد الفراك محاضرا في المشروع الفلسفي لطه عبد الرحمن
سارة الشطون
بدعوة من صالون يتفكرون ألقى الأستاذ أحمد الفراك (أستاذ الفلسفة والمنطق بكلية أصول الدين) محاضرة فكرية في المشروع الفلسفي للدكتور طه عبد الرحمن، وتابع البث المباشر آلاف الطلبة والباحثين المهتمين بالفلسفة والفكر، وقد استهلت المحاضرة بكلمة شكر من الدكتور الفراك للحضور ولصالون يتفكرون بمدينة طنجة على دعوتهم الكريمة.
وقسم الأستاذ المحاضرة إلى أربعة محاور:
المحور الأول: وقفات مع سيرة الفيلسوف طه عبد الرحمن
المحور الثاني: طه عبد الرحمن شاهد على فلسفة عصره
المحور الثالث: مصادر المعرفة عند طه عبد الرحمن
المحور الرابع: طه عبد الرحمن وتقويم الفلسفة المعاصرة
المحور الخامس: نماذج من القضايا والإشكالات التي خاض فيها الفيلسوف طه
——————
المحور الأول: وقفات مع سيرة الفيلسوف طه عبد الرحمن
ذكر المحاضر في هذا المحور بمقتطفات وجيزة من السيرة العلمية للدكتور طه، إذ ولد بمدينة الجديدة، في نفس السنة التي صدرت فيها وثيقة المطالبة بالاستقلال المغربي عن الاحتلال الفرنسي، أي سنة 1944م، وإن كان أصل والده حميد طه يعود إلى مدينة تارودانت، وسنة ولادة فيلسوفنا هي الذكرى المائة لوفاة فيلسوف المطرقة فريديريك نيتشه (ت1844م)، وهي نفسها الذكرى المائة لمعركة إيسلي المعروفة. درس بمؤسسات التعليم الابتدائي بمدينة الجديدة ثم تابع دراسته الثانوية بالدار البيضاء، وانتقل بعد البكالوريا إلى الدراسة في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، ليحصل على الإجازة في الفلسفة ثم ينتقل إلى فرنسا، لينهي دراساته العليا؛ الإجازة الثانية ودكتوراه السلك الثالث سنة 1972، ودكتوراه الدولة في المنطق سنة 1985، “رسالة في الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه”، وقد تلقى في تكوينه الأكاديمي معرفة فلسفية ومنطقية معمقة على يد كبار فلاسفة فرنسا. في هذه الفترة كان طه عبد الرحمن قد استوعب إلى حد بعيد نمط التفكير الغربي، في أعلى نماذج التفكير الفلسفي والمنطقي، خاصة وأنه كان مجتهدا من خيرة طلبة الفوج الذي كان يدرس معه آنذاك، أما اشتغال بالتدريس فقد بدأ سنة 1970في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة محد الخامس بالرباط.
أما من جهة علاقة المحاضر بأستاذه الفيلسوف طه عبد الرحمن، فقد ذكر أنها تعود إلى 1994، وقد درس عنده خمس سنوات تقريبا بنفس الكلية، وتشرف بإشرافه على بحثه في مناهج المنطق، واعتبر أنه أول من أدخل الدرس المنطقي المعاصر إلى الجامعة المغربية. كما ذكر أنه كان أستاذا محبوبا عند الطلبة، وكان محاضرا ناجحا، يجمع بين عمق التكوين وشمولية الاطلاع، جودة الاستدلال وحسن التعبير، وجميل التعامل مع الطلبة، كان دوما يكتب على السبورة، وكنا نلمس فيها التحضير القبلي الجيد للحصة.
المحور الثاني: طه عبد الرحمن شاهد على فلسفة عصره
نال الفيلسوف طه شهرة كبيرة في المشرق والمغرب، وترجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى كالألمانية والإنجليزية والفرنسية، وأنجزت في إنتاجه الفلسفي والعلمي عدة أطروحات في المغرب وخارجه. وهو شاهد على فلسفة عصره، وقد ذكر الفراك أن أستاذه رجع إلى التراث فقرأه بتأنٍّ ولم يستعجل العودة منه لأن:” كثيرون ممن يقرءون التراث لكن قليل من يعود منه” كما يقول نيتشه، وتعمق في دراسة الفلسفة الغربية بما يؤهله لتقويمها، مما جعل تصوره ونقده جدير بالاهتمام من طرف الدارسين والمهتمين.
وهو ابن عصره لأنه خاض في القضايا الفلسفية الكبرى التي تلامس عصره، كالعقلانية والأخلاق والحداثة، وهذه القضايا التي يخوض فيها الفكر الفلسفي اليوم نجده مشاركا فيها، لا متفرجا ولا مقلدا، بل متابعا واعيا لما استجد في الساحة العلمية، كما ألمح الأستاذ الفراك إلى أنه التقى أستاذه طه في المعرض الدولي للكتاب، وهو يبحث عن معجم فلسفي جديد، مما أظهر أكثر تتبعه للمستجد في عالم المفاهيم.
وهو أيضا ابن عصره لأنه يتحدث عن واقع العالم الإسلامي والعرب، ويعيش هذا الواقع، فنجده يتحدث عن حاجة الأمة الى إعداد أجوبة لأسئلة زمانها، ويحز في نفسه ما تعيشه الأمة الإسلامية، ففي كتابه ثغور المرابطة دليل على أنه بلغ من الوعي ما أغضبه على الواقع التي تعيشه الأمة الإسلامية العربية، ولذلك فـ”الفلسفة بنت عصرها” كما يقول كارل ماركس، إذ قال الحقيقة، وتلك وظيفة كما يؤكد إدوارد سعيد “المثقف ينبغي أن يقول الحقيقة للسلطة”، والسلطة هنا بالمعنى الذي تحدث عنه ميشيل فوكو منتشرة في كل مكان.
المحور الثالث: مصادر المعرفة عند طه عبد الرحمن
عندما نقرأ لطه عبد الرحمن، سرعان ما نجده مشبع بثقافة قرآنية وأخلاقية جنبا إلى جنبا مع الثقافة الفلسفية.
– المرجعية الإسلامية: حيث نشأ في أسرة متدينة، والقرآن حاضر بمفاهيمه، بمعانيه (عندما تحدث عن مفهوم العقل انتصر إلى مفهومه بالمعنى القرآني، لذلك كان واضحا عندما انتقد ارسطو وديكارت وذكر الآفات التي وقع فيها الفلاسفة العرب ذكر الآفات الثمانية في كتابه سؤال العمل لأنه رجع إلى الرؤية القرآنية ومفهوم العقل عنده يكاد يلخص فلسفته)، وهو مطلع اطلاعا كبير على الثقافة الإسلامية بحكم أنه ابن بيئته، درَّس أصول الفقه في الجامعة المغربية وأشرف على أطروحات في نفس العلم وفي المنطق وفي الفلسفة. بالإضافة إلى اطلاعه على التراث الصوفي والكلامي والكتابة فيه. بل قوم بعض النظريات الكلامية.
– المرجعية الغربية: اطلع طه على الفلسفة الغربية بلغاتها ومدارسها، لأنه كان ملازما مرابطا في ثغر تخصصه لا يكاد يبرحه، وخاصة في المنطق المعاصر، لذلك تجد كتاباته مشبعة بالمنطق، ينسج دائما ما يكتبه نسجا منطقيا، تشبع به حتى أصبح ملكة عنده.
المحور الرابع: طه عبد الرحمن وتقويم الفلسفة المعاصرة
في هذا المحور أشار الأستاذ الفراك إلى القدرات النقدية في فلسفة طه عبد الرحمن، والتي أظهرها في نقده لجملة من المفاهيم والدعاوى الشائعة في تاريخ الفلسفة قديما وحديث، مثل موضوع الحداثة في كتابيه “سؤال الأخلاق” و”روح الحداثة” وانتقد الحداثة الغربية، فالفيلسوف بطبعه يميل إلى النقد، والفلسفة هي نظر عقلي نقدي، والمفكر في الفلسفة إذا لم تكن له القدرة على النقد لا يمكن أن يكون فيلسوفا. وقد تفاعل المحاضر مع أسئلة المتابعين وقد كان عددهم يتجاوز ستة آلاف باحث، يسألون في خصائص المنهج الفلسفي عند طه عبد الرحمن وعلاقته بباقي المناهج في الشرق والغرب…
المحور الخامس: نماذج من القضايا والإشكالات التي خاض فيها الفيلسوف طه
في هذا المحور عرج المحاضر على جملة من القضايا التي ملأت الإنتاج الفلسفي للدكتور طه عبد الرحمن، واشتبك فيها مع غيره من الفلاسفة والمفكرين العرب والغربيين، بدءا بقضايا العقل المجرد والمؤيد والمسدد، ومرورا بالفلسفة والترجمة، وتقويم المنهج في دراسة التراث، والقول الفلسفي والتكوثر العقلي، والدين والشأن العام، ونقد الدهرانية، وصولا إلى تأثيل أطروحة الفلسفة الائتمانية. كما أشار الأستاذ الفراك إلى اشتغال كثير من الباحثين على التراث الفلسفي لطه بعد الرحمن، وعلى رأسهم الدكتور المنطيق حمو النقاري المعروف بإنتاجه العلمي والفلسفي النوعي والدقيق.
وعن إبداع فلسفة ائتمانية، استمدها صاحبها من مفهوم الأمانة في قوله تعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” (الأحزاب:72)، فالإنسان مؤتمن على نفسه وبدنه وسلوكه وموقفه، ومؤتمن على القيم الأخلاقية، فينبغي أن يتخلق بها ويتحقق بها ويبلغها. وعلاقة الإنسان بالكون هي علاقة ائتمان وليست علاقة تسيد أو سيطرة. والطبيعة لا تقوم بذاتها، مادامت محكومة بمبدأ العطالة على خلاف الإنسان المحكوم بالإرادة، وهذه الإرادة ينبغي أن تنضبط من مفهوم الائتمان، “أنا أريد أنا مؤتمن” لا أريد أن أتجاوز هذا الائتمان.
وأخيرا أكد الأستاذ أحمد الفراك أن الفلسفة الائتمانية هي فلسفة إسلامية فلسفة نقدية وإبداعية، وتداولية، بمعنى أنها فلسفة تجتمع فيها المباني والمعاني بمعنى أنها ليست فلسفة بيانية فقط وإنما تداولية تجمع بينهما، وهي جزء لا يتجزأ من حقل الفلسفة الأخلاقية، تستحضر البعد العملي لا النظري فقط، حيث وجه طه نقدا لاذعا لابن رشد الذي قلب مراتب القول في تاريخ الفلسفة الإسلامية. فالجانب الأخلاقي عنصر أساس في هذه الفلسفة وهي فلسفة معاصرة جديدة، ليست إحياء لفلسفة قديمة ولا نسجا على منوالها. لذلك نقول بأن المشروع الطهائي مشروع أمة، فهو دائما يتحدث عن الحقل الإسلامي في الاختلاف الفكري. يتحدث من داخل الإسلام، ومشروعه حي متفاعل مع قضايا الوطن وقضايا الأمة والتاريخ والإنسان.
واختتمت هذه المحاضرة بأن مشروع طه عبد الرحمن هو مشروع أصيل وكوني، مقترح على العالم، لكل من اقتنع بأدواته ومقاصديته…ولا يغني هذا القول عن الرجوع إلى مؤلفاته فهي ميسرة للجميع إلكترونيا.
ما شاء الله وبارك الله لك في مجهودك
موفقة أختي سارى الشطون
إن شاء الله سنراك عم قريب أستذة محاضرة