منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(19) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(19) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الرابع: جغرافيا الروح ومركزية الثغور

المبحث الثاتي: التكامل النهضوي بين المغرب والمشرق

1-“جناحا الأمة”: وحدة المصير وكسر عزلة الجغرافيا

لقد أراد الاستعمار التاريخي أن يجعل من “المغرب العربي” و”المشرق الإسلامي” قارتين متباعدتين، تفصل بينهما أوهام الهوية والحدود السياسية المصطنعة، لكنَّ “طوفان الأقصى” جاء ليعلن “سقوط المسافات”. إنَّ العلاقة بين المغرب والمشرق في المنهاج هي علاقة “جناحين” لطائرٍ واحد؛ لا يمكن لأحدهما أن يرتفع في سماء السيادة والنهضة دون الآخر. لقد أثبتت أحداث غزة أنَّ النبض الذي يخرج من قلب المشرق (فلسطين) يتردد صداه فوراً في حناجر أهل المغرب، مما يؤكد أننا أمام “وحدة وجدانية عابرة للقارات”. إنَّ كسر عزلة الجغرافيا هو تجسيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ فالأمة الواحدة ليست مجرد نص، بل هي حقيقةٌ ميدانية تجلت حين صار “المغربي” يرى في “الغزي” نفسه، ومستقبله، وكرامته.

إنَّ هذه الوحدة تكشفت على أنَّ غزة قد قامت بوظيفة “المغناطيس الحضاري”؛ فجذبت طاقات المغرب الكامنة نحو مركزية القضية. لقد انكسرت “العزلة النفسية” التي حاولت بعض التيارات فرضها على المغرب بعيداً عن قضايا المشرق، وظهر أنَّ “جغرافيا الروح” لا تعترف بالصحاري ولا بالبحار. إنَّ الصمود الأسطوري في المشرق قد منح المغرب “دفعةً معنوية” هائلة، بينما منحت الهبة المغربية (الشعبية والمعرفية) للمشرق “ظهراً قوياً” يستند إليه. هذا التكامل هو الذي يحطم إستراتيجية “الاستفراد” بالساحات؛ فالمشرق ليس وحيداً ما دام المغرب نابضاً بالولاء، والمغرب ليس بعيداً ما دام المشرق مرابطاً على الثغر.

إنَّ وحدة المصير تعني أنَّ “الأمن القومي للأمة” يبدأ من القدس وينتهي بطنجة؛ وأي اختراقٍ صهيوني في المغرب (عبر بوابة التطبيع أو التغلغل الثقافي) هو طعنةٌ في ظهر المقاومة في غزة، وأي انكسارٍ في غزة هو تهديدٌ مباشر لسيادة المغرب وهويته. لقد أعاد الطوفان صياغة “عقد الجوار الروحي”، فأصبح المغربي يدرك أنَّ حريته مرهونةٌ بتحرير الأقصى، وأنَّ نهضته مرتبطةٌ بكسر الهيمنة في المشرق. هذا الوعي بـ “المصير المشترك” هو الذي جعل من الشارع المغربي “الرئة الثانية” التي تتنفّس بها غزة، محققاً قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فالولاية هنا هي التناصر التام الذي لا يحده بُعدُ المكان.

ومن ثم، فإنَّ التكامل بين الجناحين هو “الضرورة الحتمية” للتحرير القادم؛ فالمشرق بـ “بأسه الشديد” وميدانه المشتعل، والمغرب بـ “عمقه الحضاري” وزخمه الشعبي، يشكلان معاً “قوة الإطباق” على المشروع الصهيوني. لقد وُلد من رحم الطوفان جيلٌ مغربي-مشرقي مشترك، يتحدث لغةً واحدة هي “لغة المنهاج”، ويحمل هماً واحداً هو “عزة الإسلام”. إنَّ كسر عزلة الجغرافيا هو الخطوة الأولى نحو “السيادة الكونية”؛ حيث لا يعود المغرب “طرفاً” ولا المشرق “محاصراً”، بل تصبح الأمة كلها “ثغراً واحداً” يمتد من المحيط إلى الخليج، تجمعه صلاةٌ واحدة في المسجد الأقصى المحرر، بإذن الله، كما وعد: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

2-“المغرب” كعمقٍ إستراتيجي ومددٍ حضاري

إنَّ استحضار دور المغرب في نصرة القدس ليس استرجاعاً لذكرى تاريخية عابرة، بل هو استحضارٌ لـ “عقيدة الرباط” المتجذرة في أهل المغرب؛ فمنذ أن أوقف صلاح الدين الأيوبي “حارة المغاربة” لثلةٍ من المجاهدين الذين قال فيهم: أسكنتُ هنا من يثبتون في البر، ويبطشون في البحر، وخير من يُؤتمنون على بيت المقدس، صار المغرب هو “المدد الحضاري” الذي لا ينقطع. واليوم، في ظل “طوفان الأقصى”، يتجدد هذا الدور ليكون المغرب هو “العمق الإستراتيجي” الذي يمد المشرق باليقين والوعي. إنَّ المغرب بتركيبته التي تجمع بين الأنفة الأمازيغية والسيادة العربية والروح الإسلامية، يمثل “الحصن الخلفي” الذي يحمي ظهر المقاومة من السقوط في فخاخ التغريب أو الاستسلام، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.

إنَّ فقه المدد المغربي يكشف أنَّ القوة المغربية هي قوة “الاستدامة والوعي”؛ فبينما قد تخمد بعض الساحات تحت الضغط، يظل المغرب هو “الميزان” الذي يرفض الانكسار. إنَّ خروج الملايين في حواضر المغرب (من الرباط إلى الدار البيضاء) ليس مجرد “احتجاج”، بل هو “استفتاء شعبي” على خيار المقاومة، وهو رسالة للمحتل بأنَّ “جغرافيا التحرير” تمتد لآلاف الكيلومترات بعيداً عن غزة. إنَّ المغرب يمثل اليوم “العمق العلمي والفكري” الذي يفكك السردية الصهيونية؛ فمنه تخرج العقول التي تؤصل لسيادة الأمة، ومنه ينبع المدد المالي والاجتماعي الذي يثبت أركان المرابطين. إنَّ “حارة المغاربة” لم تُهدم في وعينا، بل اتسعت لتشمل كل بيتٍ مغربي يرى في الأقصى أمانةً في عنقه، محققاً قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وََّنَصَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.

إنَّ المغرب كمددٍ حضاري يعني أنَّ “نهضة الأمة” تبدأ من استعادة التوازن بين المشرق والمغرب؛ فإذا كان المشرق هو “ساحة الاشتباك المباشر”، فإنَّ المغرب هو “مركز الإمداد الفكري والروحي”. لقد أثبت المغربي أنه إنسانٌ “منهاجي بطبعه”، لا يقبل أنصاف الحلول في قضايا العقيدة، وهذا ما يجعل من صموده أمام “موجات التطبيع” معجزةً بحد ذاتها. إنَّ التلاحم بين “القدس” و”الرباط” (الاسم والمنهاج) هو تلاحمٌ قدري؛ فالرباط التي تُسمى بها عاصمة المغرب هي نفسها “الحالة” التي تعيشها غزة والقدس. هذا الترابط هو الذي يحول المغرب من “جغرافيا بعيدة” إلى “ثغرٍ متقدم” في معركة الوعي العالمي، مما يربك حسابات العدو الذي أراد عزل المشرق عن محيطه الطبيعي.

وبناءً على ذلك، فإنَّ دور المغرب في التكامل النهضوي هو دور “الضامن التاريخي”؛ فمن المغرب تنبعث روح الفتوحات، ومنه يأتي المدد الذي يُرجح الكفة في اللحظات الحاسمة. إنَّ “طوفان الأقصى” قد أعاد للأمة اكتشاف “الكنز المغربي”؛ كنز الإرادة الشعبية التي لا تُقهر، والوفاء الذي لا يتغير. إنَّ التكامل الحقيقي يتحقق عندما يدرك المغربي أنَّ كل تقدمٍ يحرزه في بناء قوته الذاتية هو “رصيدٌ إستراتيجي” لغزة، وعندما يدرك المشرقي أنَّ له في المغرب “إخوةً” لا ينامون على ضيم. إننا أمام انبعاثٍ لـ “خلافة الروح” التي تجمع المغرب بالمشرق على مائدة الفداء، مؤكدةً أنَّ المدد القادم من الغرب (المغرب الإسلامي) هو الذي سيتمم فجر النصر في الشرق، كما قال عز وجل: ﴿يُؤَيِّدُ مَن يَشَاءُ بِنَصْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّيُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

3 – “المشرق” كساحة اشتباك ومركزية القيادة الميدانية

إذا كان المغرب يمثل “العمق والمدد”، فإنَّ المشرق—وعلى رأسه غزة العزة—يمثل “رأس الحربة” ومركزية القيادة الميدانية التي تُعيد ضبط توقيت الأمة على ساعة التحرير. إنَّ دور المشرق في هذا التكامل النهضوي هو تقديم “النموذج التطبيقي” للمنهاج؛ أي تحويل الأفكار والوعود الإلهية إلى “واقعٍ مشهود” تحت النار. لقد تحولت غزة إلى “مدرسة كونية” تُصدِّر للمغرب وللعالم بأسره دروساً في “السيادة والأنفة”، مبرهنةً على أنَّ الإرادة المتمخضة عن الوحي قادرة على إذلال غطرسة المادة. إنَّ هذا الدور القيادي للمشرق هو تجسيدٌ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ فهذا “البأس الشديد” هو الصادرات الأغلى التي يقدمها المشرق لأمته اليوم.

إنَّ فقه “القيادة الميدانية” يكشف كيف كسرت غزة “عقدة النقص” الحضارية التي عانت منها الأمة طويلاً؛ فالمشرق اليوم لا يُصدِّر للعالم “النفط” أو “المواد الخام”، بل يُصدِّر “كرامة الإنسان”. إنَّ دروس الأنفة التي تخرج من خيام النازحين ومن أفواه المقاتلين في المشرق، هي التي أعادت بناء “الشخصية المغربية” على أسسٍ من العزة المطلقة. لقد أصبح الشاب في الرباط وطنجة يستمد تعريفه لـ “القوة” ليس من هوليوود أو التكنولوجيا الغربية، بل من “السبابة المرفوعة” لمقاوم غزي يواجه دبابات العالم. هذا التأثير الميداني هو الذي جعل المشرق “البوصلة الأخلاقية” التي يصحح بها المغرب مساره النهضوي، محققاً قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقاموا﴾؛ فالاستقامة المشرقية هي التي ثبّتت قلوب المؤمنين في المغرب.

إنَّ المشرق كساحة اشتباك يُقدِّم للمغرب “خلاصة التجربة”؛ فغزة لم تعد تقاتل لأجل أمتار، بل تقاتل لكسر “نموذج الهيمنة” العالمي. هذا الانكسار في هيبة العدو في المشرق هو الذي يفتح الأبواب للمغرب ليتحرك في مساحات سيادية أوسع، بعيداً عن الابتزاز الصهيوني. إنَّ “القيادة الميدانية” في غزة قد وفّرت الغطاء الأخلاقي والزخم الشعبي للمصلحين في المغرب ليعيدوا طرح “مشروع الأمة” بقوةٍ ويقين. إننا أمام “تبادل أدوارٍ مهيب”؛ فالمشرق يشتري للأمة “الوقت” و”العزة” بدمائه، والمغرب يستثمر هذا الوقت في بناء “الوعي” و”المنعة”. وبذلك تصبح غزة هي “الرادار” الذي يكشف للأمة مواطن الضعف والقوة، وهي “المختبر” الذي يُثبت أنَّ طريق العزة لا يمر عبر الاستجداء، بل عبر “المدافعة”، كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

ومنه، فإنَّ مركزية المشرق في الاشتباك هي التي منحت التكامل النهضوي “روحه الوثابة”؛ فلولا دماء غزة لظلَّ الحديث عن النهضة ترفاً فكرياً. إنَّ غزة اليوم تخاطب المغرب بلسان الحال: لقد كسرنا لكم صنم الجيش الذي لا يُقهر، فهلموا لبناء الأمة التي لا تُهزم. إنَّ هذا النداء المشرقي هو الذي سيعيد للمغرب دوره كفاتحٍ وقائد، ليجتمعا معاً في “إستراتيجية النصر الشامل”. إنَّ المشرق يضع “النقاط على الحروف” في كتاب التحرير، والمغرب يقرأ هذا الكتاب بيقينٍ يترجمه إلى “فعلٍ نهضوي” يغير موازين القوى الكونية. إنها وحدة “الدم والمداد”، و”السيف والقلم”، التي لا تكتمل إلا باجتماع الجناحين على قلب رجلٍ واحد، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾.

4-التكامل المعرفي والمادي: نحو “سوق مشتركة” للمنهاج

إنَّ التكامل الحقيقي بين المغرب والمشرق لا يكتمل إلا إذا تحول من “عاطفة جياشة” إلى “منظومة عمل تشاركية”، تتبادل فيها الأمة خبراتها المعرفية والمادية بعيداً عن قيود الهيمنة الدولية. إنَّ غزة قد قدمت للمغرب وللعالم نموذج “الابتكار تحت الحصار”، وهي خبرةٌ تقنية وميدانية لا تقدر بثمن، بينما يمتلك المغرب عقولاً علمية، وقدراتٍ مالية، وعمقاً أكاديمياً يمثل “الحاضنة” التي يمكنها تأصيل وتطوير هذه التجارب. إنَّ بناء “سوق مشتركة للمنهاج” يعني أن تصبح خبرة “الأنفاق” و”التصنيع الذاتي” في المشرق تتكامل مع “الخبرة الهندسية” و”الإدارة التنموية” في المغرب، لتشكل معاً اكتفاءً ذاتياً سيادياً يجسد قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾. فالبِرُّ هنا هو تقوية شوكة المسلمين، والتقوى هي الإعداد الذي لا يرتهن للأعداء.

إنَّ هذا التكامل المعرفي يفتح الباب أمام “اشتباك العقول”؛ حيث تتحول الجامعات والمراكز البحثية في المغرب إلى رئةٍ فكرية للمشرق، تُفكك القوانين الدولية الظالمة وتصوغ “قانوناً دولياً بديلاً” يستند إلى العدل والوحي. وفي المقابل، يمد المشرقُ المغربَ بـ “فقه الميدان”؛ وهو العلم الذي لا يُدرس في الكتب، بل يُكتب بالدماء والعرق، ليعلم الأجيال الصاعدة كيف تدار المؤسسات بروح “المرابطة” لا بروح “الموظف”. إنَّ هذا التبادل المعرفي هو الذي سيحطم “التبعية التكنولوجية” للغرب؛ فإذا اجتمعت “عبقرية الحاجة” في غزة مع “إمكانات العقل” في المغرب، استطاعت الأمة أن تصنع سلاحها، وغذاءها، ودواءها، محققةً قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.

أما التكامل المادي، فيجب أن يتجاوز “المساعدات الإغاثية” ليصل إلى “الاستثمار الإستراتيجي” في مشاريع السيادة؛ فكل درهمٍ مغربي يُستثمر في تعزيز صمود المشرق هو استثمارٌ في أمن المغرب القومي. إنَّ بناء “شبكات إمداد” سرية وعلنية، مادية ومعرفية، بين الجناحين هو الذي سيجعل من الأمة “كتلة صلبة” لا يمكن محاصرتها. إنَّ التجربة الغزية في “الاقتصاد المقاوم” يجب أن تُعمم في المغرب كمنهاجٍ لمواجهة الأزمات العالمية، وبذلك تتحول الأمة من “مستهلكٍ للمنتجات الغربية” إلى “منتجٍ لوسائل عيشها”. هذا التكامل المادي هو الضمانة بأنَّ “الطوفان” لن يكون هزةً عابرة، بل سيكون زلزالاً يغير الخارطة الاقتصادية والسياسية للمنطقة بأسرها.

إنَّ “سوق المنهاج المشتركة” هي الرد العملي على محاولات “التطبيع الاقتصادي” و”التبعية الثقافية”. إنَّ تلاحم الخبرات بين ثغور المغرب وميادين المشرق سيخلق “إنساناً منهاجياً” جديداً؛ إنساناً يملك يد الصانع، وعقل العالم، وقلب المجاهد. إنَّ هذا التكامل هو الذي سيحول الأمة من “أطرافٍ متناثرة” إلى “بنيانٍ مرصوص” يشدُّ بعضه بعضاً. إننا نضع اليوم بذور “النظام العالمي الإسلامي” الذي يبدأ من وحدة “الخبرة والمادة” بين الرباط والقدس، ليكون فجر النصر ليس مجرد حلمٍ، بل حقيقةً تُصنع في المعامل والميادين.

5 – “طريق التحرير” يبدأ من الرباط وينتهي في القدس

إنَّ المتأمل في السنن الكونية والتاريخية يدرك أنَّ تحرير القدس ليس حدثاً محلياً معزولاً، بل هو “خاتمةُ مسارٍ نهضوي” يبدأ من أقصى ثغور الأمة لينتهي في قلبها. إنَّ “طريق التحرير” الذي يبدأ من الرباط (بمعناها الجغرافي في المغرب وبمعناها العقدي في غزة) هو الطريق الوحيد الذي يعيد للأمة هيبتها. إنَّ اللحظة الكونية التي نستشرفها هي تلك التي تذوب فيها المسافات بين “طنجة” و”جنين”، حيث تصبح جراح المشرق هي المحرك لفعل المغرب، وتصبح نهضة المغرب هي المدد لثبات المشرق. إننا نستشرف زمناً لا تُسأل فيه الجيوش عن جنسياتها، بل عن “ولائها للمقدس”، حيث تلتقي الرايات الآتية من بلاد الأندلس والمغرب بتلك الخارجة من أنفاق غزة، لترسم لوحة الفتح المبين، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.

إنَّ استشراف “وعد الآخرة” في هذا التكامل يعني أنَّ الأمة قد اجتازت مرحلة “الشتات الروحي” ودخلت في مرحلة “الزحف الحضاري الشامل”. إنَّ “طوفان الأقصى” لم يكن إلا البروفة النهائية لهذا الفتح؛ حيث اختبرت الأمة قدرتها على الصمود، واختبر العدو رعب الزوال. إنَّ اللحظة التي تلتقي فيها رايات المغرب والمشرق فوق أسوار القدس هي اللحظة التي يسقط فيها “النظام العالمي الظالم” لتقوم مقامه “خلافة المنهاج”؛ تلك الخلافة التي لا تُبنى على القمع، بل على “السيادة الإلهية” و”الكرامة الإنسانية”. إنَّ يقيننا في هذا اللقاء يستمد قوته من قوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾. فالقرب هنا ليس زمنياً فحسب، بل هو قربٌ في “تحقق الشروط” التي أرستها غزة وأيدها المغرب.

إنَّ التكامل بين “الرباط” و”القدس” هو الضمانة لعدم تكرار مآسي التاريخ؛ فالقدس التي حررها “صلاح الدين” بجيوشٍ كان للمغاربة فيها سهمٌ وافر، تُنادي اليوم أحفادهم ليتموا ما بدأه الأجداد. إنَّ “إستراتيجية وعد الآخرة” تقتضي أن يكون كل فعلٍ نهضوي في المغرب (سواء كان فكرياً، اقتصادياً، أو تقنياً) موجهاً بالضرورة نحو “بوابة التحرير”. إننا لا نبني دولاً لننعزل، بل نبني قلاعاً لنتحرر. وعندما تلتقي “خبرة الميدان المشرقية” بـ “السيادة العلمية المغربية”، ستكون الأمة قد ملكت مفاتيح “الفتح الأكبر”؛ الفتح الذي لا يترك صهيونياً في المسجد، ولا ظالماً في الأرض، تحقيقاً للوعد الحق: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ خاتمة هذا البحث هي دعوةٌ لكل فردٍ في الأمة ليكون جزءاً من هذا “الزحف الروحي”. إنَّ التحرير يبدأ بـ “ساجدٍ في الرباط” يرفع يده بالدعاء والعمل، وينتهي بـ “فاتحٍ في القدس” يرفع راية التوحيد. إنَّ التكامل النهضوي بين المغرب والمشرق هو “المعجزة القادمة” التي ستغير وجه التاريخ وتنهي ليل الاستعمار الطويل. لقد أوقد الطوفان الشعلة، وحملت الرياح المغربية وهجها، ولن تنطفئ هذه النار حتى تُحرق أوهام الباطل وتُضيء مآذن القدس بنور الحرية. إننا لا نتحدث عن خيال، بل عن “حتمية قرآنية” نراها في عيون جيلٍ لم يعد يعرف الخوف، وآمن بأنَّ “السيادة لله” وأنَّ “الأرض لعياده الصالحين”. فنم أخي قرير العين، فإنَّ الفجر قد اقترب، وإنَّ الرايات قد بدأت بالتحرك، وسبحان من قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.