مسجد “حومة الحدّاد” بطلا لرواية
بقلم: عبد الهادي المهادي
على غرار رواية “جسر على نهر درينا” لإيفو إندريتش التي اتّخذت من الجسر الشهير شخصية رئيسية، يستحقّ مسجد “حومة الحدّاد” بطنجة، والمشهور بمسجد السّنّة، أن يكون شخصيّة مركزية في رواية أو ـ من الأفضل ـ لمجموعة قصصية مترابطة مثلما فعل جون شتاينبك في تحفته “مراعي الفردوس”، وهو الأديب الأمريكي البارع؛ فالحكايات التي دارت وسطه، أو بجانبه، أو في الحومة وكان أحد رواده، المداومين، في بؤرتها، جميلة جدا ومفيدة جدّا، ويمكن أن تُؤلّفَ أجزاء ومجلّدات.
لقد كان المسجد، وخاصّة حينما كانت الحومة مقتصرة فقط على مُلّاك بيوتها، بطلا حقيقيا، نعم؛ بطل بكّل المعايير والمقاييس، وفي قيادته وإمامته، وعليه يدور الباقي، السيّد محمد الأعرج ـ حفظه الله ـ المشهور عند النّاس بـ”السي محمد الكرفطي، وهو الذي يُعدّ اليوم واحدا من آخر تلامذة الشريف الزّمزمي، وآخر المحافظين على تراثه. وهنا أفتح قوسا، وربّما سبق لي أن ذكرتُ هذه الحكاية؛ أنّ صديقا لي حضر دروسا لـ”الشريف” في نهاية سبعينيات القرن العشرين وبداية ثمانينياته وصلّى في مسجده ـ وأهل طنجة حينما يقولون “الشريف” فهم يقصدون حصرا “السيد محمد بن الصّدّيق الزمزمي” ـ هذا الصّديق صلّى معي المغرب في مسجد حومتنا، وبعد خروجنا، قال لي والدّهشة تغزو محيّاه، وقد ثارت في نفسه ذكريات كثيرة كما حدّثني فيما بعد، قال لي: “هُــوَّ مْـنْـزّْلْ”، يقصد أنّ السي محمد، كما سمع من قراءته، شبيه جدّا بشيخه الزمزمي.
السّي محمد اتّفقتَ معه أو اختلفت في تقديراته الفقهية وفتاويه فإنّك لا تمتلك سوى أن تُجلّه؛ فمنسوب صدقه عال جدّا، ونفس الشيء يقال بالنّسبة لثقته فيما يعتقده؛ فيمكن أن تسيخ الدّنيا من حوله دون أنّ يتزحزح عنها، ليس تعنّتا ولا تعصّبا، ولكنّ لأنّه يعتقد أنّ ذلك هو الصّواب، خاصّة وأنّه يُعزّزه بالدّليل، طبعا كما يفهم السي محمد الدّليل وهو يتّكئ، بعد شيخه، على عالمين إمامين فحلين: ابن حزم، والشّوكاني.
وددتُ أنّي كاتبُ هذه الرواية أو المجموعة القصصية، ولكن للأسف، جاءت عليّ سنواتٌ غادرتُ فيها الحيّ، من أجل الدّراسة في تطوان، ثم من أجل العمل في الجانب الآخر من المدينة، فما عدتُ “شاهدا” على وقائع إلا مُستمعا، وهذا لا يمنحني عنصر القوّة التي أعتبرها ضرورية لكتابة مثل هذه النّصوص.
يكفي أن أشير إلى نقطة واحدة فقط؛ فخُطب السي محمد كان الكثير منها تفاعلا مع ما يجري في الحومة من أفراح وأتراح ومستجدات ومشاكل، خاصة الاجتماعية منها؛ من بيع وشراء، وزواج وطلاق، وعقوق، ونفور زوجة، وتماطل في ردّ دين، وسوء جار، وضيافةٍ تبيّن أنّ مالَ صاحبِها، أو أصوله، مشكوك فيه، بالإضافة إلى تعليقاته على مجريات السياسة في البلد، وتصريحات سياسييها ورموزها من الإسلاميين وأهل اليسار. ولو أنّ أبناءه استطاعوا أن يجمعوا تلك “الوريقات” التي كان النّاس يرسلونها له، مرّة بوضعها في يده وهو يدخل المسجد، أو عبر واسطة، أو يجدها فوق المنبر، لجمعوا متنا ممتعا في “النّوازل”، فإن رفضوا أو لم يجدوا من أنفسهم النّشاط، فليمدّوني بها وأنا أقوم بالواجب (ههه).
الجميل في الأمر أنّ كلّ الشرائح كانت مشاركة في يوميات الحومة، كلّ حسب سنّه واهتماماته؛ الشيوخ، والشباب، والنّساء، وحتّى الأطفال. وبالنّسبة لنا ـ نحن الشّباب المُتعلّم المنفتح على عالم الفكر والفلسفة والأدب ـ كان بقال “السّي احمد المنصوري” ـ حلقة ضرورية ومكمّلة لدور المسجد؛ إذ كنّا نجتمع في بابه قبل كلّ صلاة وبعدها، لنتبادل الكتب والأفكار.
يكفي هذا القدر، لأنّي إذا استرسلت سأغلق كلّ ما في يدي الآن وأنطلق في كتابة فصل أو أكثر، ولكنّ ما بين يديّ الآن أجلّ؛ إنّه “كنز الرّواة المجموع من درر المجاز ويواقيت المسموع” للعلامة أبي مهدي عيسى الثعالبي، وقد أهداه لي البارحة أقرب صديق لي مِنْ مَن أنتجته حومتي ـ عبد السلام المنصوري ـ وجاءنا به من الشّرق ـ مُستدعًى ـ ابن فقيه حومتي؛ عبادة، الذي لم يحضر على الكثير من تلك اليوميات لأنّه يصغرنا كثيرا، ولكنّه يمتلك الكثير جدا منها، ويتذكّر جيّدا “أسباب نزولها”، ويمكن أن يجمعها. فرضي الله عنهما.