منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جدلية الخصوبة والهوية في رواية (الأرض) للكاتب المغربي محمد الفضيلي

مقاربة ذرائعية في تشظي الذات والصراع القيمي / الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

0

جدلية الخصوبة والهوية في رواية (الأرض) للكاتب المغربي محمد الفضيلي

مقاربة ذرائعية في تشظي الذات والصراع القيمي

بقلم:  الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

     تُعد الرواية أحد أبرز الأجناس الأدبية التي تلتقي فيها التجربة الفردية بالمصير الجماعي، وتُشكل حاضنًا حيويًا للقضايا الاجتماعية والفكرية التي تعصف بالمجتمعات. ومن هذا المنظور، تأتي رواية “الأرض” للكاتب المغربي محمد فاضيلي كنص سردي يلامس أعماق البنية القيمية للمجتمع المغربي التقليدي، في تقاطع مع التاريخ، والهوية، والصراع بين الثابت والمتغير.

تمتزج في هذه الرواية حكايات الأسر والعائلات المقطوعة النسب، والتوق إلى الخلفة، والحفاظ على الميراث، مع لحظات مفصلية من تاريخ المغرب زمن الاستعمار الفرنسي، فتتولد شبكة من التوترات بين الشخصيات من جهة، وبين الوجود الاستعماري من جهة أخرى، ما يجعل من “الأرض” أكثر من مجرد رواية تراثية، بل نصًا يضج بالرمزية والمقاومة.

انطلاقًا من أدوات النقد الذرائعي الذي ينطلق من تحليل البنية الداخلية للنص ثم يتسع ليشمل السياق والخطاب والرسالة، سيتم في هذه الدراسة الوقوف عند أبرز المكونات التي تشكل خطاب الرواية، وفق المستويات الأربعة المعتمدة: البصري، اللغوي، الديناميكي، والنفسي،  ثم العميق،  مع التمهيد بالخلفية الأخلاقية والبؤرة المركزية، وانتهاءً بتحليل التجربة الإبداعية للكاتب، والملاحظات الذرائعية النقدية.

أولًا: البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية

ترتكز البؤرة الفكرية في رواية “الأرض” على ثنائية تمس عمق الكينونة الاجتماعية والإنسانية:

أولًا: البحث عن الامتداد عبر الولد، باعتباره إثباتًا للرجولة واستمرار النسب في مجتمع يقدّس فكرة العائلة والذرية، ما يُشعر الشخصيات بالذل واللعنة أمام العقم:

“يا رب ولد، يا رب ولد، يا رب ولد…”

“إننا مقطوعو النسب، عائلة أصابتها اللعنة، وحق عليها الغضب”

ثانيًا: التمسك بالأرض بوصفها الهوية والانتماء والحق المشروع، ما يجعل منها رمزًا للمقاومة والمواجهة مع الغزاة:

“أرضكم؟ نرحل؟ من أين لكم بهذه الأرض؟ إنها أرضنا وأرض أجدادنا”

من هذه البؤرة تتفرع التوترات الكبرى، سواء الداخلية بين الأزواج والزوجات، أو الخارجية مع القوى الاستعمارية، فتُصبح الأرض والولد رمزين للوجود والكرامة.

أما الخلفية الأخلاقية للنص، فتمتد بين قطبي الإيمان بالقضاء والقدر والتمرد عليه بالبحث عن حلول دنيوية مثل التبني، تغيير الزوجات، أو اللجوء للعرافات:

“أنا مستعد لدفع نصف ثروتي مقابل ولد”

“العرافة، لا بد أن يكون عندها حل”

وفي مقابل هذه النزعات، يأتي صوت العقل والدين ليُعيد الشخصيات إلى جادة الرضا:

“هذا ابتلاء من الله، ليبلونا أنصبر ونشكر، أم نغضب ونكفر

كما يثير النص تساؤلات أخلاقية حول الشرعية والنسب، عندما يتشكك عبد السلام في نسب الطفل:

“أحقًا هو ابني؟”

تُطرح هذه القضايا بشكل جدلي لا يفرض حُكمًا أخلاقيًا جاهزًا، بل يترك القارئ في قلب المأزق، متأملًا في التوازن بين القدر والمسؤولية، الرغبة والخضوع، الفرد والجماعة

ثانيًا: المستوى البصري

  1. العنوان كمكوّن نصي بصري إيحائي

يحمل عنوان الرواية “الأرض” حمولة رمزية كثيفة تنفتح على مستويات دلالية متشابكة، وهو عنوان أحادي الكلمة، بصريًا يوحي بالثبات والجذرية، وبؤريًا يشير مباشرة إلى الصراع الجوهري الذي يتمحور حوله النص.

من الناحية الإيحائية، توظّف كلمة الأرض كرمز محوري للهوية، والنسب، والمقاومة، والخصوبة، والانتماء. فهي ليست مجرد فضاء جغرافي، بل تمث~ل في وعي الشخصيات جوهر الوجود والكرامة، وهو ما يظهر في قول العبوبي لميشال الفرنسي:

“الأرض أمي، وأنا لا أبيع أمي”

وهو تصريح يُجسد التماهي الكامل بين الذات والأرض، مما يجعلها تمثل أيضًا الأم الكبرى، والوطن، والميراث، والعِرض.

كما أن اختيار هذا العنوان المختزل يعكس اقتصادًا لغويًا مقصودًا يخلق هالة فكرية قبل ولوج المتن السردي، ويمنح القارئ مفتاحًا تأويليًا أوليًا لفهم طبيعة الصراعات التي سينطوي عليها النص.

بصريا، تأتي الكلمة منفردة على الغلاف، ما يمنحها قوة حضور مستقلة، ويحوّلها إلى علامة مركزية تشعّ منها باقي مستويات المعنى.

  1. المتن السردي: فصول متتابعة غير معنونة ولا مرقمة

ينبني المتن السردي في رواية “الأرض” على تتابع مشهدي سردي دون أن يُقسّم إلى فصول معنونة أو مرقّمة. هذا الخيار الشكلي يفتح المجال أمام قراءة الرواية كتيار سردي متصل، يُحاكي في تدفقه طبيعة الحكاية الشفوية أو الذاكرة الجمعية المتدفقة دون فواصل، مما يُرسّخ إحساسًا بالاستمرارية والانغماس داخل الزمن الروائي.

عدم وجود عناوين فرعية أو أرقام فصول يمنح السرد طابعًا عضويًا، حيث تنتقل الأحداث من الحياة اليومية لأبطال القرية إلى لحظات الصراع العائلي، ثم إلى الاشتباك مع الاحتلال، دون حواجز شكلية تقطع الإيقاع أو توجّه القارئ ذهنيًا.

هذا الأسلوب قد يبدو مُربكًا للقراءة التقليدية، لكنه يُعبّر عن رؤية جمالية تجعل من الرواية وحدة سردية واحدة، تُعبّر عن زمن شعبي غير منقسم، وزمن حكاية تتوالد من داخل ذاتها، مما يعزز الطابع الشعبي الوثائقي للنص.

وبالرغم من هذا الانسياب، فإن الكاتب يُحسن الانتقال بين المشاهد والأزمنة بوسائل سردية داخلية (مثل الحوارات، أو المشاهد الانفعالية، أو التحولات الكبرى في الصراع)، ما يُغني عن العناوين ويوفر للسرد إيقاعًا خاصًا.

  1. الشكل النصي وأدوات الترقيم

يتسم الشكل النصي في رواية “الأرض” ببنية كتابية واضحة، تعتمد على التنضيد التقليدي للسرد العربي، حيث تُبنى الفقرات بأسلوب بسيط ومتسق، وتُترك المسافات بين الجمل والحوارات بما يُيسّر القراءة. لكن الأبرز هو اعتماد الكاتب على الفصل البصري بين المقاطع السردية عبر الفراغات النقطية أو البيضاء بدلًا من العناوين أو ترقيم الفصول.

أما على مستوى الترقيم، فقد راوح الكاتب بين الالتزام الصارم بعلامات الترقيم الأساسية مثل النقطة، الفاصلة، علامة الاستفهام، وعلامة التعجب، وبين إهمالها أحيانًا خاصة في المشاهد الحواريّة المتدفقة، وهو ما يُوحي أحيانًا بنزوع إلى محاكاة التدفق العاطفي أو الانفعالي على حساب الانضباط الكتابي.

وتبدو علامات الترقيم، في بعض المشاهد، جزءًا من إيقاع نفسي أو عاطفي أكثر من كونها أدوات نحوية، كما في مشاهد البكاء أو المناجاة أو الانفعالات، حيث تُحذف الفواصل وتُكرر الجمل لتأطير التوتر، مثلًا في دعاء عبد السلام:

“يا رب ولد، يا رب ولد، يا رب ولد…”

وهو تكرار يحمل شحنة وجدانية أكثر مما يحمل بناءً نحويًا مضبوطًا.

من جهة أخرى، خلت الرواية من التوظيف الشكلي أو التجريبي، ولم تلجأ إلى الخطوط أو الألوان أو غيرها من عناصر الطباعة الحديثة، ما يُظهر اختيارًا كلاسيكيًا محافظًا في البنية البصرية.

  1. الوصف البصري في المتن السردي

يشكّل الوصف البصري أحد أهم أدوات الكاتب محمد فاضيلي في رواية “الأرض”، إذ يُسهم في تشكيل مشهدية سردية حيّة، تنقل القارئ من فضاء إلى آخر، وتُؤنسن الأرض والشخصيات والمواقف، بل وتحول الطبيعة نفسها إلى كائن فاعل في السرد.

منذ الفقرة الأولى، نُواجَه بصورة شاعرية تمزج بين الهدوء الصباحي والطبيعة القروية:

“تحت ظل شجرة وارفة، تمدد على ظهره مسندًا رأسه إلى ذراعيه، وأخذ يرنو ببصره إلى السماء… النسيم العليل يعبث بسيقان الذرة… وأنغام الناي تنبعث شجية، لتدغدغ النفس وتوقظ الشجن.”

هذا المزج بين السمعي والبصري يُؤسس لعلاقة وجدانية بين الشخصيات والطبيعة. كما يكثر الكاتب من رسم المشاهد الزراعية والحيوانية، في مشاهد القطعان والحرث والحقول، مما يعمّق حضور الأرض ككائن حي نابض.

وفي مشاهد الاحتلال، يبدع الكاتب في رسم تضاد بصري بين بساطة القرية وزحف الدبابات، بين المروج الخضراء والمركبات الحربية، كاشفًا عن الهوّة بين عالمين:

“ضباب كثيف يسد الأفق… سفن عملاقة… جنود بلباس موحد… سيارات غريبة تنزل من السفن وتصطف على الشاطئ.”

إنّ هذا الوصف المكثّف لا يخدم فقط البعد الجمالي، بل يوظّف كأداة ذرائعية لإبراز التهديد الخارجي، ويُقابله الوصف الحي لحياة البسطاء في القرية، مما يخلق مفارقة بصرية تُغني المضمون الرمزي للنص.

كما لا يغيب الوصف البصري عن اللحظات العاطفية أو الصادمة، مثل مشهد استشهاد رقية أو ولادة الطفل، حيث يستحضر الكاتب التفاصيل الدقيقة لتكثيف الشعور، وربط البصر بالحدث.

ثالثًا: المستوى اللغوي والجمالي

تنهض اللغة في رواية “الأرض” على أساس مراوحة بين البساطة والبلاغة، وبين اللغة التقريرية ذات البعد الواقعي، واللغة الشعرية ذات الحس الجمالي. وقد اتخذ الكاتب من هذا التداخل وسيلة لبناء عالم روائي يزاوج بين سرد الوقائع وتكثيف العاطفة.

  1. اللغة الشعرية والتصوير الجمالي

في العديد من المشاهد، يتجلّى استخدام التشبيهات والاستعارات، بما يضفي طابعًا شعريًا على السرد، لا سيما في وصف الطبيعة أو المشاعر:

“أشرق وجهها مع طلعة البدر، فزادها فتنة وبهاء”

“إنه القدر يا ولدي… النفس يا ولدي كالحمامة البيضاء، إذا أطلقت لها العنان، طارت بعيدًا…”

كما في وصف مشاعر العشق والهيام:

“ثم طلع البدر بهيًا واكتمل… وألبسها ثوب الجمال والجلال… فأشرقت نفسه واستيقظت مشاعره، وانتابه شعور غريب”

  1. اللغة الواقعية والمحكية

لم يغفل الكاتب إدماج اللغة المحكية أو القريبة من التداول الشعبي في الحوارات، لتعزيز الطابع المحلي للنص وتأكيد صدقيته، خاصة في مشاهد السوق أو اللقاءات العائلية، كما في حوار العبوبي مع ميشال:

“نحن البدويين خجولون حييون… زوجتي لا تستطيع التواصل مع زوجتك، لأن كلاهما لا يفهم لغة الآخر”

  1. لغة الدعاء والمناجاة

تكتسب بعض المقاطع نبرة صوفية وجدانية، لا سيما عند عبد السلام، في لحظات التوسل أو الانكسار أمام القدر:

“أحنى رأسه، ونظر إليها نظرات أسى… ألا نرضى بقضاء الله؟”

  1. التكرار والعبارات التوكيدية

يستعمل الكاتب التكرار كأداة للتكثيف النفسي والانفعالي، ما يمنح النص إيقاعًا تعبيريًا خاصًا، كما في:

“يا رب ولد، يا رب ولد، يا رب ولد…” (تكر~رت في أكثر من موضع)

  1. التوازن بين السرد والوصف والحوار

تحافظ اللغة السردية على إيقاع هادئ، متناغم مع طابع الرواية الواقعي، وتتنوع بين السرد الخارجي (الراوي العليم) والحوارات الغنية التي تكشف ملامح الشخصيات وتطوراتها، كما في مقاطع العبوبي وميشال أو رقية وعبد السلام.

رابعًا: المستوى الديناميكي

يعتمد البناء الديناميكي في رواية “الأرض” على استراتيجية سردية واضحة، تستند إلى سرد خطي تتخلله انقطاعات نفسية، واسترجاعات، ونقلات بين الأزمنة، مع حضور مهيمن للضمير الثالث.

  • تقييم الاستهلال وعنصر التشويق:

تبدأ الرواية بمشهد واقعي بسيط يجمع عبد السلام وزوجته رقية في جلسة صباحية تقليدية، لكن هذا الاستهلال، رغم بساطته، يُخفي عمقًا رمزيًا يمهّد للمسارات الفكرية اللاحقة. يظهر من خلاله:

أزمة الرجولة المرتبطة بالسن والخصوبة.

ركود الحياة في القرية.

التمهيد لثنائية الخصب والعقم، الأمل والانكسار.

أما من حيث التشويق، فإن الرواية لا تعتمد على المفاجآت التقليدية، بل على تشويق نفسي وتراكمي، يتولد من:

تصاعد التوتر داخل العلاقات الزوجية.

الغموض المرتبط بشخصيات مثل الصغير والجنية.

كشف الأسرار بشكل متأخر (مثل خيانة الزوجة، نسب الابن، نوايا مارغريت).

توظف الكاتب النقلات الزمنية الصامتة، والفصول غير المعنونة، لخلق حالة من الترقب والانشداد، دون الحاجة إلى حبكة سريعة أو أحداث مشوقة خارجيًا، ما يجعل التشويق وجدانيًا ومتصاعدًا من الداخل.

  • التحليل الزمكاني في الرواية:

    تتموضع رواية “الأرض” في فضاء قروي مغربي، ينتمي إلى النصف الأول من القرن العشرين، أي في ظل الاحتلال الفرنسي، وما تبعه من مخاضات الاستقلال وتحوّلات المجتمع الريفي.

المكان في الرواية ليس مجرد خلفية، بل هو فاعل سردي، والأرض نفسها تتحول إلى رمز أمومي، يُقاتل من أجله الأبطال أو يُخدَعون بسببه. الأمكنة تتنوع بين: القرية، النزالة، المقهى، المحكمة، ضيعة الفرنسيين، المقابر، والبرية، وكلها تُعبّر عن أزمنة شعورية أكثر من كونها أماكن ثابتة.

أما من حيث الزمن:

يسير السرد في خط زمني متدرج، لكنه يتخلله استرجاع (فلاش باك) لماضي الشخصيات، كقصة الغالية، وذكريات عبد السلام عن طفولته.

الأحداث لا تُحدد تاريخيًا بدقة، لكن وجود الاحتلال الفرنسي والحديث عن المقاومة يُشير إلى الفترة بين الثلاثينات والخمسينات.

الزمن الروائي يتمدد ويتقلص وفق مشاعر الشخصيات، ويتداخل فيه الواقعي بالحلمي، خصوصًا مع الصغير والجنية.

الدلالة الزمكانية في الرواية تؤكد على أن الزمان والمكان متورطان في صناعة المأساة: المكان الريفي المغلق، والزمن الاستعماري المشوَّه، يُنتجان شخصيات مأزومة تبحث عن مخرج فلا تجده إلا في الانكسار أو المواجهة المتأخرة.

  • التكنيك السردي:

    يعتمد البناء الديناميكي في رواية “الأرض” على استراتيجية سردية واضحة، تتمثّل في تفصيل المشاهد الحياتية الدقيقة والمواقف الفردية، مقابل طيّ أو اختزال الأحداث العامة الكبرى، مثل مجريات الاحتلال، أو تحركات السلطة، أو التحولات السياسية.

هذا التكنيك يعكس اختيارًا واعيًا من الكاتب للتركيز على الإنسان الفرد، على معاناته اليومية، وصراعه الداخلي، وعلاقته بجسده وأرضه وزوجه، بدلًا من تقديم سرد تاريخي أو تسجيلي. لذا نرى أن مشهدًا كـ”انحناءة عبد السلام أمام طفله” يحظى بصفحات من الوصف والتحليل، بينما يُختصر احتلال القرية أو المواجهة العسكرية في بضعة أسطر.

هذا التكثيف لا يعني غياب البُعد السياسي، بل يدل على دمجه داخل التجربة الفردية المعاشة، بحيث تتحول الشخصية من مجرد كائن سردي إلى كائن رمزي يحمل عبء الجماعة، وتصبح الأرض بدورها مرآة لهذا التوتر اليومي بين الانتماء والتهديد.

  • طريقة السرد: الراوي العليم

    تعتمد رواية “الأرض” على الراوي العليم (omniscient narrator)، الذي يتخذ موقعًا خارجيًا من الأحداث، لكنه في الآن ذاته ينفذ إلى دواخل الشخصيات، كاشفًا عن مكنوناتهم النفسية وأفكارهم ومشاعرهم، بل ومعلّقًا أحيانًا على سلوكهم، مما يُضفي على السرد بعدًا تأمليًا يقرّب القارئ من جوهر الشخصيات.

هذا النوع من السرد يتيح للكاتب التحكم في توجيه الرؤية، وتقديم المعلومات للقارئ دون الحاجة إلى أن تنكشف عبر الحوار فقط. في كثير من المقاطع، يتولّى الراوي تفكيك الانفعالات الداخلية، خاصة لعبد السلام أو رقية، كما في هذا المثال:

“لم يكن عبد السلام ينظر إلى الطفل نظرة الأب الحاني، بل نظرة المتردد، المتشكك، الخائف من المجهول…” (ص54)

ويتميّز السرد أيضًا بلحظات ينزل فيها الراوي إلى مستوى السارد الشعبي، حين يعلّق على الأحداث بأسلوب قريب من الحكاية الشفوية، مستخدمًا لغة مألوفة وأمثالًا دارجة، كما في:

“اللي فيه الفز، كيقفز، هاذ المثل ينطبق تمامًا على العبوبي، ما يقدر يشوف المرأة وتعدّي، خصوصًا إلا كانت زوينة…” (ص73)

هذا الاستخدام يعكس نغمة الراوي القروي الذي لا يكتفي بسرد الحدث، بل يعلّق عليه ويضفي عليه طابعًا شعبيًا ومألوفًا، مما يُقرب النص من السياق الثقافي للمكان، ويُكسب السرد حميمية تُغني التجربة القرائية.

كما يستخدم الراوي العليم نبرة قريبة من المراقب الموضوعي حينًا، ومن الراوي الوجداني حينًا آخر، ما يمنح الرواية مرونة في الانتقال بين التوثيق والتأمل، ويُسهم في توحيد منظور القارئ تجاه الأحداث، من خلال زاوية رؤية شاملة

  • الحوارات: كاشفة للصراع وعاكسة للهوية

     تحتل الحوارات موقعًا محوريًا في رواية “الأرض”، إذ لا تقتصر على نقل الحديث بين الشخصيات، بل تتجاوز ذلك لتُصبح وسيلة فنية لكشف أبعاد الشخصيات النفسية والاجتماعية، والتعبير عن التوترات الداخلية والصراعات الكبرى في الرواية.

تتميّز الحوارات في الرواية بـالصدق والتلقائية، وتُحافظ على طابعها المحلي من حيث اللغة والبناء، مما يُكسب النص هوية ثقافية واضحة. كما تتوزع الحوارات بين المستويات الثلاثة:

اليومي الواقعي: في المشادات بين الأزواج أو في السوق.

الدرامي المؤزّم: كما في حوار عبد السلام مع نفيسة بعد ولادة الطفل.

الفكري الرمزي: كما في النقاشات حول الأرض والكرامة مع الفرنسيين أو في الخلوات التأملية.

مثال على توظيف الحوار للكشف عن جوهر الشخصية، حوار عبد السلام حين يتحدث بمرارة عن شعوره بالشك والانكسار:

“أحقًا هو ابني؟! أأنا الأب فعلاً؟ أم أنني المربّي، لا غير؟” (ص54)

وفي مشهد آخر، نلحظ اشتباكًا مباشرًا بين القيم المحلية والاستعمارية من خلال حوار العبوبي مع ميشال الفرنسي:

“الأرض أمي، وأنا لا أبيع أمي” (ص23)

هذه الجملة وحدها تلخص رؤية الشخصية وتُرسّخ تمسكها بالكرامة والحق، في مقابل مادية المستعمر.

أما الحوارات بين الشخصيات النسائية، فتُظهر مدى التفاوت في الوعي والخضوع والمقاومة. يظهر ذلك بوضوح في المشهد الذي يجمع رقية، السعدية، الطاهرة، والزهرة، وهن يناقشن قضية العقم ومصير المرأة العقيم:

قالت السعدية: “إنها لعنة، لعنة حلت بأولاد خناثة، ونحن نتحمل وزرها.”

الزهرة: “العرافة، لا بد أن يكون عندها حل.”

الطاهرة: “أستغفر الله، أعوذ بالله من غضب الله.”

رقية: “لست أتعس مني… كما أني لا أستطيع العيش بدون سي عبد السلام.” (ص12)

هذا المشهد يجسد كيف تختلف الرؤى بين نساء يلجأن إلى الحلول الشعبية، وأخريات متمسكات بالإيمان أو الحب، ما يعكس البنية النفسية والرمزية العميقة للشخصيات النسائية في النص.

كما تُستخدم الحوارات لفضح الازدواجيات الأخلاقية، كما في مشهد العبوبي الذي يتغزّل بالنساء ثم يظهر في صورة تاجر للعرض لا الشرف.

  • إيقاع النص والتنقل الزمني

    يتّسم إيقاع رواية “الأرض” بتنوع واضح بين البطء في المشاهد التأملية أو الوصفية، والتسارع في اللحظات الدرامية أو المواجهات المصيرية، مما يمنح السرد حيوية ديناميكية ويخلق نوعًا من التوتر الإيقاعي المحسوب.

في المقاطع التي تتناول الطبيعة أو الحياة القروية اليومية، يميل السرد إلى التفصيل والتأني، كما في مشهد انبلاج الفجر، أو تصوير الحقول، أو مناجاة عبد السلام في صمته:

“تمدّد عبد السلام تحت الشجرة، عينه إلى السماء، والنسيم العليل يعبث بسيقان الذرة…” (ص6)

أما في مشاهد المواجهة أو الانفعال، فيتسارع السرد ويصبح أكثر توترًا، كما في لحظة الاعتداء الفرنسي أو لحظة الشك في نسب الطفل:

“هبّ واقفًا… قلبه يدق بسرعة… دم يغلي… نظراته مشتتة.” (ص54)

ومن حيث البنية الزمنية، فالرواية تكتب بشكل خطّي زمني عامودي يمتد من الماضي القريب إلى الحاضر، دون اعتماد واضح على تقنية الفلاش باك، لكنها توظف استدعاءات داخلية للذكريات والمشاعر، لا سيما من خلال المنولوجات.

  • المنولوجات الداخلية وانفعالات الشخصيات:

     تلعب المنولوجات الداخلية دورًا بارزًا في رواية “الأرض”، إذ تتيح للشخصيات التعبير عن أعمق دواخلها، لا سيما في لحظات الأزمة أو التردد أو المواجهة مع الذات، ما يُضفي على السرد بعدًا نفسيًا وتأمليًا.

تتركّز المنولوجات بشكل أساسي في شخصية عبد السلام، الذي يُجسّد مأساة الرجل الممزق بين رغبته في الأبوة، وشكّه في نسب الطفل، وبين خضوعه لإرادة الله:

“هل هو ابني حقًا؟ لِمَ لا أشعر بأنه من صُلبي؟ أأنا جاحد؟ أم أن شيئًا في داخلي يقاوم الحقيقة؟” (ص55)

كما تتجلى المنولوجات في شخصية رقية، التي تعاني في صمت، وتكشف عبر تأملاتها عن موقفها المعقّد بين الحب والخضوع، والخذلان والكرامة:

“أتحمّل نظراته… لكنها كالخناجر. أتمنى أن ينظر إليّ مرة… لا كمتهمة بل كامرأة أحبته.” (ص57)

وتُستخدم المنولوجات أيضًا كأداة لطرح الأسئلة الوجودية: حول القدر، والخيانة، والانتماء، لتخلق صدىً فلسفيًا يتجاوز الحدث إلى التأمل في المصير الإنساني.

قراءة في نهاية الرواية: من الجرح الرمزي إلى المواجهة الفعلية

تُشكّل نهاية رواية “الأرض” لحظة تحول حاسمة في مسار العبوبي، الذي يخرج من دائرة الصمت والتواطؤ ليدخل مسار المواجهة، بعد أن تعرّض لما يشبه الخذلان الرمزي داخل أسرته. فهو لم يخسر زوجته ولا ابنه، لكن خسر احترام زوجته، وثقته بنفسه، ومكانته كربّ للأسرة.

هذه الخسارة غير المعلنة تدفعه لاشتباك مباشر مع مارغريت وميشال، حيث يثور لأول مرة، ويُكلف محاميًا ليسترد أرضه، مستعيدًا صوته القانوني والوجودي.

النهاية هنا لا تُقدّم خلاصًا تامًا، بل تُبقي الباب مفتوحًا للتأويل: هل سينجح؟ هل سيتصالح مع ذاته؟ هل يُمكن للرجل أن يستعيد كرامته إذا اهتزت داخليًا؟

بهذا، تُصبح نهاية الرواية تأملية وعادلة في آن: لا تُنهي البعبوني مهزومًا، بل تُظهره في لحظة صحوة متأخرة لكنها فعّالة، متصالحًا مع ذاته، ومستعدًا لاسترداد ما سُلب منه قانونًا ومعنويًا.

خامسًا: المستوى النفسي:

     وهو من أبرز المستويات في النص نظرًا لغِنى الشخصيات بالتوترات والصراعات الداخلية:

يكشف المستوى النفسي في رواية “الأرض” عن شخصيات مأزومة ومحمّلة بالأسئلة الوجودية، تدور في فلك الحيرة، والتردد، والغيرة، والإيمان، والخوف من الانقطاع أو النسيان. وتُبنى هذه الشخصيات على أساس من التحولات النفسية، التي تصاحبها دوافع مكبوتة، أو انفجارات عاطفية داخلية.

  1. عبد السلام: قلق النسب وجرح الرجولة

عبد السلام هو النواة النفسية المركزية في الرواية، رجل يتحوّل من شخصية رزينة متمسكة بالصبر والرضا إلى شخصية مهزوزة، ممزقة بين الشك والإيمان، بين العار والأمل. يظهر ذلك بوضوح في لحظة ما بعد ولادة الطفل، حيث تتلبّسه هواجس الانتساب والرجولة:

“أحقًا هو ابني؟! أأنا الأب فعلاً؟ أم أنني المربّي، لا غير؟” (ص54)

“لم أعد أعرفني… لم أعد أطيق هذا الصمت… هذا الوجه الذي يحدّق فيّ وكأنه يشك في أبوّتي.” (ص55)

هذا التحول النفسي ينبع من صراع داخلي عميق بين القيم الدينية والتقاليد الذكورية، ويتفاقم بفعل ضغط المجتمع وصمته.

  1. رقية: الحب والصمت والخوف من النبذ

رقية هي شخصية مؤثرة على المستوى النفسي، تجمع بين العطاء العاطفي والانكسار الداخلي، تحب عبد السلام بإخلاص، لكنها تخشى فقدانه بعد عجزها عن الإنجاب. وتُجسد عبر منولوجاتها معاناة المرأة التي تُختزل في قدرتها على الإنجاب:

“أتحمّل نظراته… لكنها كالخناجر. أتمنى أن ينظر إليّ مرة… لا كمتهمة بل كامرأة أحبته.” (ص57)

رقية لا تواجه فقط مشكلة الخصوبة، بل أيضًا صراعًا داخليًا بين شعورها بالذنب والخوف من الرفض، ما يجعلها تتطور نحو قوة روحية دفعتها لاحقًا إلى التضحية بنفسها دفاعًا عن الأرض.

  1. العبوبي: شخصية محورية في كشف الجانب النفسي المتملق والانتهازي، متناقض في دواخله بين الحرص على الواجهة الاجتماعية والنزعة الشهوانية المضمَرة.
  2. الشخصيات الثانوية: الطاهرة، الزهرة،

الطاهرة تمثل ضميرًا دينيًا حاضرًا، شخصية تقف دائمًا عند حدود ما يرضي الله، مما يجعلها في صراع مع محيطها النسائي المتوتر.

الزهرة والسعدية تجسدان الجانب النفسي المتأثر بالخوف من الطلاق، ما يفسر لجوءهما إلى التمائم والتعاويذ والعرافات.

  • المدخل التقمصي أو البعد الوعظي كصوت داخلي مرشِد

      يتخلل الرواية خط وعظي واضح، ليس بوصفه خطابًا مباشرًا أو تبشيريًا، بل باعتباره صوتًا داخليًا يتردد في نفوس بعض الشخصيات، وأحيانًا على لسان الراوي، ليكون بمثابة ضمير جمعي أو وازع ديني وأخلاقي.

هذا البعد الوعظي يظهر جليًا في تعليقات الراوي أو في الحوارات التي تدور حول الرضا بالقضاء، والامتناع عن السحر، أو عن المساومة على الكرامة. كما نلمح ذلك في مواقف الطاهرة، التي تُعبر عن وعي ديني محافظ:

“أستغفر الله، أعوذ بالله من غضب الله” (ردًا على اقتراح اللجوء للعرافة، ص12)

كذلك نجد البعد الوعظي يتجلّى في لحظات تأمل عبد السلام، حين يقول:

 “هذا ابتلاء من الله، ليبلونا أنصبر ونشكر، أم نغضب ونكفر؟” (ص9)

الوعظ هنا ليس منفصلًا عن البناء النفسي، بل يُعبّر عن صراع داخلي بين الرغبة والنهي، بين الطمع والتسليم، ويعمل كآلية دفاع نفسية تُعيد التوازن مؤقتًا في لحظات الاختلال.

هذا الصوت الأخلاقي لا يُفرض على القارئ، بل يُقدم كأحد الأصوات التي تتشكّل بها الذات في سياقها الثقافي والديني، مما يُغني البنية النفسية للرواية ويجعلها أكثر تجذرًا في واقعها الاجتماعي.

  • الجانب السلوكي والتساؤلات الداخلية

     تُبنى الشخصية في رواية “الأرض” عبر أفعالها، لكنها تتعمّق من خلال تساؤلاتها. فالسلوك الخارجي لا ينفصل عن دوافع داخلية تمور بالشك والقلق والحيرة، مما يجعل الرواية تدور في عمقها حول التحولات النفسية التي تسبق وتُنتج الفعل.

غالبًا ما تسبق الأفعال الكبرى (كالزواج، الطلاق، أو المواجهة مع العدو) حالة من التردّد والتفكّر الداخلي، يتجلّى في منولوجات وأسئلة غير محسومة. هذه الأسئلة تُعبّر عن قلق وجودي عميق، وتجعل من الشخصية ذاتًا واعية بذاتها، غير منساقة بشكل آلي أو تقليدي.

مثال على ذلك عبد السلام، حين يتأرجح بين قبول الطفل ورفضه، لا يندفع لفعل مباشر، بل يُحاصر نفسه بأسئلة تمسّ جوهره:

هل أُسلم للقدر، أم أواجه الحقيقة؟ هل أعيش مع شكّي، أم أقطع الشك باليقين؟” (ص55)

حتى رقية، في خضوعها الظاهري، تطرح أسئلة صامتة تكشف صراعها مع أنوثتها، وحقها في الاعتراف، وخوفها من النبذ:

“هل يكفي أن أكون وفية؟ أم أنّ العاقر لا مكان لها في هذا البيت؟” (ص57)

هذه التساؤلات تخلق طبقة وعي نفسي وسلوكي، تجعل من كل تصرف ناتجًا عن صراع داخلي، وتُسهم في تعقيد الشخصية وجعلها أكثر إنسانية وواقعية.

سادسًا: المستوى  الذرائعي العميق :

ينكشف في رواية “الأرض” مستوى تداولي غني، تتعدد فيه الخطابات المضمَرة والمعلَنة، وتتنازع الأصوات ما بين الخطاب الوطني المقاوم، والخطاب الاستعماري المتغطرس، والخطاب الشعبي المتديّن، وصولًا إلى خطاب النكوص والخذلان الذي يظهر بعد الاستقلال.

  1. خطاب المقاومة وثنائية البطل الحقيقي والمتسلّق

تُظهر الرواية وعيًا نقديًا حادًا إزاء تجربة المقاومة، إذ لا تكتفي بتخليد فعلها البطولي، بل تكشف مفارقة مؤلمة: الذين ضحّوا لم يُنصفوا، بينما تصدّر المشهد بعد الاستقلال الخونة والانتهازيون:

“الخونة والجواسيس اغتنوا على حساب دينهم ووطنهم… ونحن لا نطمع في أجر، ولا أرض ولا بيت، أجرنا عند الله تعالى”.

كما يُستدعى التاريخ الثوري بشكل مباشر في قول المعطي:

“المدينة هذه القروية المهمشة، وسندعو للانضمام إلينا كل غيور… وسنجتمع لنفكر ونخطط”.

  1. زواج العبوبي ومارغريت: تمثيل رمزي لهيمنة المستعمِر

لا يمكن قراءة العلاقة بين العبوبي ومارغريت بوصفها فقط خيانة عاطفية أو نزوة، بل هي علاقة ذات دلالة رمزية عميقة. فمارغريت فرنسية، تُمثل الاحتلال المغلَّف بالنعومة، تتلاعب بالعبوبي وتستولي على أرضه، ثم تتنكر له، قبل أن يسترد حقه بالقوة:

“خدعتني وسلبت مني أراضيّ وشردت أسرتي… طردك لا يكفي وقطعك إربًا لا يكفي”.

وهذا الصراع الشخصي بينهما يُعيد إنتاج العلاقة الاستعمارية بين المحتل والمستَعمَر، حيث تنقلب المعادلة في النهاية لصالح البطل، ولكن بعد ثمن باهظ.

  1. المزارات والأضرحة: خطاب ديني شعبي مزدوج الدلالة

تحضر المزارات الدينية كـ”موسم أبي الجعد” و”ضريح الولية الصالحة” ضمن بنيتين دلاليتين متضادتين:

أولًا: بوصفها أماكن للبركة والشفاء واللجوء الروحي، تُستدعى وقت الأزمات كمصدر للسكينة.

ثانيًا: بوصفها رمزًا لثقافة الخضوع والاستكانة التي تعيق التغيير الحقيقي.

“هذه المرأة الصالحة تستحق منّا أن نبني ضريحًا يخلد اسمها”.

وفي مشهد آخر:

“وكان موسم أبي الجعد يعتبر الحج الأصغر، وينحرون الذبائح ويطلبون الحظ”.

وهكذا تطرح الرواية تساؤلات عن دور الدين الشعبي: هل هو قوة مقاومة أم قوة تعطيل؟

  1. مادية الفكر الغربي مقابل القيم الوجودية المحلية

يبرز في الرواية تباين واضح بين ديناميكية التفكير الغربي المرتكز على المشروع والجدوى والامتلاك، مقابل الفكر المحلي التقليدي الذي يُعلي من رمزية الأرض والعائلة والكرامة. فالفرنسيون، وفي مقدمتهم ميشال ومارغريت، لا يرون في الأرض إلا مصدرًا للمشروع والربح:

“الأرض هنا بكر، والماء كثير، والموقع مثالي… لو كان عندي رأسمال كبير لأقمت فيها مشروعًا زراعيًا ضخمًا”.

بينما عبد السلام (أو العبوبي) يرفض تمامًا هذه النظرة المادية، قائلًا بعبارته الأيقونية:

“الأرض أمي، وأنا لا أبيع أمي”.

هذا التنافر الفكري يكشف فجوة حضارية بين منظومتين: واحدة ترى الأرض هوية وكرامة، وأخرى تنظر إليها كفرصة اقتصادية. وهو ما يعمّق التوتر السردي، ويُحمّل الرواية رسالة تداولية رمزية عن خطر تذويب القيم في الاقتصاد المعولم.

  1. الغاني والغالية: نداء الهوية الموجوعة في ختام الرواية

رغم أن شخصيتَي الغاني والغالية تظهران في القسم الأخير من الرواية، فإن حضورهما ليس عارضًا، بل يعكس بعدًا رمزيًا ذرائعيًاعميقًا:

الغالية تمثل المرأة المغتصبة من التاريخ، الموجوعة من الماضي، التي سُلبت كرامتها ولم تجد اعترافًا من أحد، لا من الدولة ولا من العائلة.

الغاني هو الابن الضائع، العائد من الحرب النفسية بلا هوية، يبحث عن نسب، عن اسم، عن مكان. كل عباراته تصرخ بسؤال: من أنا؟ من أبي؟

“آذيتني وسلبت مالي وصحتي… أيتها الساحرة، ولا أستطيع الابتعاد عنك” (ص190) “أنا فقط خمار… غاني ولد الغالية” (ص192)

حضور هاتين الشخصيتين يُجسّد مأساة ما بعد الثورة، حيث لم يعد المجد لمن ضحى، بل لمن أُقصي، وتحوّل إلى كائن رمزي يعاني من فقدان الانتماء.

هذا الإدماج السردي المتأخر لهما يؤسس لخاتمة تأويلية، تكشف أن الأرض لم تكن وحدها الضحية، بل الإنسان الذي يسكنها والذي خذله التاريخ.

  1. الجنية العاشقة: الغرائبي كقناع لصراع الهوية والنضج

تحضر شخصية الجنية العاشقة “زهراء” بوصفها تجليًا غرائبيًا لشهوة مكبوتة وخوف داخلي من البلوغ والانخراط في العالم الواقعي. الصغير يستحضر في خياله جنية تأتيه وتقول:

“أنا زهراء، دعوتني فاستجبت، وحلمت بي زوجتك، فأجبتك، هل تريد مني ما تحلم به؟” (ص125)

ثم تظهر بصيغة التهديد:

“أنا زوجتك، حبيبتك، شديدة الغيرة، وسأقتل كل من تقترب منك” (ص137)

وبالفعل، تموت زهراء الحقيقية ليلة زفافها، ويُصاب الصغير باضطراب نفسي، ثم يُعثر عليه جثة هامدة.

الدلالة الإيحائية:

تمثل الجنية الانقسام الداخلي في نفس الصغير بين الرغبة والرهبة.

تُحيل إلى متخيل شعبي واسع يعبر عن الخوف من النضج، والأنوثة الغامضة.

تُؤدي وظيفة رمزية: تنقل الصغير من مرحلة الطفولة إلى غياب عن الحياة، وكأن المجتمع يُجهض حيويته.

وظيفيًا، لم يكن إيراد هذه الحكاية عنصرًا مقحمًا، بل حمل دلالة نفسية وثقافية وسردية، تعمّق مأساة الصغير وتُظهر هشاشة العقل القروي أمام الخرافة والهوية المنقسمة.

  1. زواج الكبار من صغيرات السن وخيانة الزوجات: مفارقة سردية بين السيطرة والانكسار

أ. زواج الكبار من القاصرات: قناع السيطرة الذكورية

تُكرّر الرواية نمطًا مألوفًا في المجتمع التقليدي، وهو زواج الرجال المتقدمين في السن من فتيات صغيرات. مثلًا عبد السلام الذي “تجاوز السابعة والعشرين”، يرغب في الزواج من رقية “وهي في ربيعها الخامس عشر”، وميشال الفرنسي أيضًا يتزوج من شابة “في بداية ربيعها الثالث”.

الهدف الظاهر هو الإنجاب، لكنه يخفي رغبة في إثبات الفحولة والسيطرة الاجتماعية، وتعويض وهمي عن العجز الجسدي أو النفسي أو حتى الاقتصادي. فالرجال يناقشون الموضوع بمنطق استهلاكي بارد:

“علينا تبديل الزوجات… والشرع قد أباح أربعة”

وهذا الخطاب يُفرغ العلاقة من إنسانيتها، ليحيلها إلى معادلة سلطوية بحتة.

ب. خيانة الزوجات: انقلاب على النظام الذكوري

في مفارقة حادة، تُقابل هذه السيطرة بخيانة الزوجات. الزوجات الشابات، اللواتي تزوجن قسرًا أو تحت الضغوط الاجتماعية، لا يجدن في أزواجهن كبار السن سوى القيد والخذلان. زوجة عبد السلام تخونه، والبعبوني يكتشف العلاقة بنفسه:

“صرخ بأعلى صوته: زوجة أبي في حضن رجل، يا للعار!”

وفي موضع آخر، يُفاجأ البعبوني من مارغريت التي تزوجها باسم الحب والمصلحة، بأنها قد خانته علنًا:

“لقد قتلتني مرتين، لكن… كلا، بل أنا سأقتلك!”

ج. الدلالة التأويلية

هذه الثنائية (زواج كبار السن من صغيرات، ثم خيانة الزوجات) تعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين الجنسين، مصدره:

غياب الحب الحقيقي والتكافؤ.

استغلال الفتيات الصغيرات في علاقات قسرية بلا مشاعر.

تحوّل الزواج إلى صفقة اجتماعية/اقتصادية.

الرواية بذلك لا تُدين المرأة أو تبرر الخيانة، بل تُظهر أن الاختلال الأخلاقي يبدأ من النية الأولى في بناء علاقة غير متوازنة.

د. الوظيفة السردية

السرد يستخدم هذه الثنائيات ليطرح سؤالًا عميقًا: من الضحية الحقيقية؟ الرجل الذي خُدع؟ أم الفتاة التي زُوّجت قسرًا؟ وفي الحالتين، تنهار صورة الرجولة الفوقية، وتتفكك أوهام الشرف والتملك.

سابعًا: دراسة التجربة الإبداعية للكاتب

تكشف رواية “الأرض” عن تجربة إبداعية تمزج بين الانخراط في الواقع الاجتماعي والسياسي المغربي، والانفتاح على التراث المحلي والوعي التاريخي والديني. الكاتب محمد فاضيلي يختار أن يكون قريبًا من بيئته، متشربًا بثقافتها، ملتقطًا التحولات التي عصفت بالمجتمع زمن الاستعمار، لكنه لا يقع في التقريرية أو المباشرة، بل ينحو إلى الرمزية الواقعية التي تجعل من الأرض والولد مفاتيح لفهم الذات الجمعية.

أسلوب الكاتب يقوم على تفصيل المشهد القروي، وبناء شخصيات تنتمي للواقع المغربي البسيط، دون تزييف أو تجميل. كما يبدو واضحًا تأثره بالكتابة التقليدية ذات النفس الحكائي الشعبي، مع توظيف أدوات بلاغية مألوفة مثل التكرار، والمثل الشعبي، والتعليق الأخلاقي.

ويُحسب للكاتب حسن الإمساك بخيوط الصراع الداخلي للشخصيات، ورسم الحالات النفسية بلغة مؤثرة، إلى جانب اعتماده على حوارات كاشفة تُضيء جوانب الصراع بين الداخل والخارج، بين القيم والدوافع، بين الإنسان والسلطة.

لكن على الرغم من عمق التجربة، فقد وردت هفوة معرفية فقهية لافتة في أحد الحوارات، حين قال العبوبي لمارغريت إن الدين الإسلامي لا يسمح بزواج المسلم من نصرانية، وهو أمر غير دقيق فقهيًا، إذ أن الإسلام يُجيز للرجل المسلم الزواج من كتابية (يهودية أو نصرانية)، كما في قوله تعالى:

“والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم…” [المائدة: 5]

وقد تكون هذه الهفوة ناتجة عن جهل الشخصية الفنية، لكن كونها مرت في سياق غير مشكك، يُظهر حاجة الكاتب إلى مراجعة أدق للمسائل الفقهية التي يتضمنها السرد، خصوصًا في الروايات التي تمسّ الهوية والدين والآخر.

مع ذلك، تبقى التجربة الإبداعية لفاضيلي في هذه الرواية تجربة ثرية، تعكس وعيًا سرديًا بقيمة الإنسان والأرض والكرامة، وتُسجَّل له القدرة على إنتاج نص يحاور الواقع ويعيد تشكيله عبر أدوات فنية ناضجة.

الخاتمة:

تشكل رواية “الأرض” للكاتب محمد فاضيلي تجربة سردية تنبض بالحياة، وتحمل في طياتها همًّا إنسانيًا وقوميًا يتجاوز حدود القرية والحدث المحلي، ليلامس قضايا الهوية، والانتماء، والكرامة. من خلال بنية سردية واقعية ممتزجة بالرمز، وشخصيات مأزومة نفسيًّا وأخلاقيًّا، استطاع الكاتب أن يُقدم حكاية تنتمي إلى ذاكرة جماعية تتأرجح بين الاستلاب والمقاومة، بين العقم البيولوجي والعقم الوجودي، وبين الأرض بوصفها ميراثًا ماديًا، وكونها عمقًا روحيًا وجوديًا.

وقد أتاحت المقاربة الذرائعية للنص – من خلال مستوياته البصري، واللغوي، والديناميكي، والنفسي – الإمساك بجماليات الرواية من جهة، وكشف بنيتها الأخلاقية والسلوكية من جهة أخرى. كما ظهرت بعض الهفوات الشكلية أو الفكرية، مثل الخطأ الفقهي، أو ضعف بناء بعض الشخصيات الثانوية، لكن ذلك لم يُضعف من القيمة العامة للنص، بل كشف عن طبيعته التفاعلية المفتوحة على التأويل والمساءلة.

تُعد “الأرض” نموذجًا لما يمكن أن يُسمى بـ”الرواية الاجتماعية الرمزية”، التي تنطلق من الخاص لتعبّر عن العام، وتُعيد تمثيل معاناة الإنسان في بحثه عن معنى وجوده في الأرض، في العائلة، وفي ذاته.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.