منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التغيرات السوسيولوجية اللاحقة لانتشار جائحة covid-19 -ما الذي سيغيره كورونا؟-

0

تتصف المجتمعات الإنسانية بدائية أم نامية بكونها دائمة التغير، ويذهب الكثيرون إلى أن وباء كورونا المستجد نبأ بنقلة سيشهدها العالم ومجتمعاته. غير أنه بوسعنا القول إن مقدار هذا التغير يقف على مقدار المتغيرات المسببة فيه، أي بمقدار تأثير هذه الكارثة الإنسانية على المجتمعات، تبعا لذلك سيطال هذا التغير المذكور نمط العلاقات الاجتماعية في المجتمع، وستحمل هذه العلاقات أبعادا ثقافية، واقتصادية، وجغرافية وكذا ديمغرافية.

إن هذه العلاقات الاجتماعية هي ما يشكل موضوع علم الاجتماع sociologie   أي “الدراسة العلمية للعلاقات الاجتماعية التي تقوم بين الناس، ولما يترتب على هذه العلاقات من آثار” [1]، سواء كان هؤلاء مجموعات تخلق تنظيما اجتماعيا أم فرادى، وبمقتضى ذلك، فانه لا محيد من أولوية هذا العلم في دراسة هذه التغيرات الطارئة على المجتمع. فما مدى تأثير هذه التغيرات على المجتمع (نمط العلاقات الاجتماعية)؟

فرضت العديد من دول العالم الحجر الصحي على مواطنيها ،وقد اختلف تعامل كل من هذه الدول  مع الوضع،  أخذا بالاعتبار خصوصية  كل من هذه المجتمعات ومدى تفاقم انتشار الفايروس فيها، حيث أنه على مستوى علاقة الأفراد بعملهم  وبأرباب العمل؛ أصبح يباشر الأفراد في العديد من الدول عبر العالم (خصوصا أوروبا) عملهم عن بعد، ما يثير إمكانية اعتياد العمال على هذا النظام الجديد للعمل ، وترسخ فكرة إمكانية مزاولة العمل عن بعد لدى أرباب العمل ، بعد أن كان من الصعب إقناعهم بذلك. أما على مستوى علاقة الأفراد بالإدارة الرسمية، فإن البيروقراطية التي وضع ماكس فيبر أهم سماتها متمثلة في التعامل الكتابي الورقي، قد ألغيت كرها، فبعدما كان الإدلاء بوثائق إدارية إلى المصلحة المختصة الكترونيا أمرا مستبعدا جدا في إيطاليا وغيرها من المجتمعات، أصبح أمرا محتما أن تودع المعلومات المتضمنة في هذه الوثائق في مواقع إلكترونية خاصة بالمصلحة، وذلك كمحاولة للحد من انتشار جائحة covid-19 ،  وهذا سيكون له أثر بليغ على المجتمع فيما يخص تطور تعامل أطياف المجتمع بالتكنولوجيا مستقبلا، في حين يذهب البعض إلى أن  اعتياد الأفراد على اقتناء المستحقات الغذائية لمدة أكبر من التي كانوا يقتنونها فيها  و إقبالهم على حملة التحسيس بما تقتضيه من تخلصهم من الأخبار الزائفة والاهتمام بالصحة العامة لهم  ينبئ على تغير القيم الأخلاقية لديهم إلى ما هو إيجابي. غير أن ذلك ليس صحيحا، فإذا كان المجتمع يتغير ببطء كما ذهب الى ذلك علماء الاجتماع،  فإن أبطأ ما يتغير في المجتمع هو الثقافة، باعتبارها مفهوما “يصف الأفكار والمتعقدات والقيم الراسخة في وجدان الأفراد ،وفي الطريقة الكلية لحياة الجماعة التي ينتمون إليها” [2]، وبالرغم من أن حكم القيمة فيما إن كان ثمة تغير إيجابي ام لا هو ليس من اختصاص علم الاجتماع، فإنه من الواضح كما يرى دوركايم أن المجتمعات الحضارية انتقلت من سيادة الوجدان المشترك (المعتقدات المشتركة)، إلى سيادة وجدان فردي  (الوعي الفردي)، وبموجب ذلك يكون الانتقال انتقالا في قواعد السلوك لدى المجتمعات المتحضرة بحيث ينتج عنه تصرف فردي تحكمه تمثلات الفرد عن العالم الاجتماعي، وذلك “بعد أن كانت هذه السلوكيات بما فيها الطريقة التي يجب الانسان أن يأكل بها أو التي يحب أن يلبس بها  في كل ظرف، والحركات التي يجب ان يقوم بها، والكلمات التي يجب ان يقولها [كلها]محددة سلفا حتى في التفاصيل” 3.

وبالرغم من عدول الافراد عن تمثل معتقدات مشتركة -حسب دوركايم- يتأسس في المجتمعات المتحضرة تصور عن الإنسانية يتمثله الناس، وهو ما يتصرفون طبقه ، فإن الوباء قد بين لنا بجلاء أن الخوف باعتباره عاطفة فطرية كما ذهب الى ذلك عالم النفس جون واطسون، يمكنه أن يهدم كل هذه التمثلات لدى الأفراد بغية الحفاظ على وجودهم، وهذا ما جعلهم بالتأكيد يبتاعون المواد اللازمة الأساسية بنهم .

انطلاقا مما سبق يحق لنا التساؤل، هل ما يسود الآن في المجتمعات حرب؟ أم هو صراع اجتماعي؟ أم غير ذلك؟

يجيبنا السوسيولوجي آلان تورين المعروف بدراساته عن الحركات الاجتماعية، أنها ليست حرب، إذ إن الحرب تستلزم -تقنيا- وجود طرفين من جنس واحد، في حين الآن بين طرفين الأول انسان والطرف الثاني فيروس، كما تستلزم وجود سلاح، في حين يقعد الانسان ضحية لهذا الفيروس دون سلاح [مصل] يواجهه به، كما أنه ليس صراعا اجتماعيا إذ لا وجود لحركة شعبوية ولا لطبقات ولا سياسيون، لا وجود لفاعلين سياسيين عموما، إن كل ما يسود الآن حسب آلان تورين هو نوع من اللا معنى، إن دوركايم قد فسر هذا التحول في قواعد الاخلاق بالانتقال من المجتمعات  البدائية إلى المجتمعات الصناعية. فإن آلان تورين يقول في خضم الآثار الناجمة عن فيروس كورونا؛ “إن كل ما هنالك هو: انهيار لما كان في المجتمعات الصناعية”[4]، إذن نحن بصدد الحديث عن ما بعد المجتمعات الصناعية، كما يتنبأ آلان تورين بأن ما سيكون بديلا عن المجتمعات الصناعية هو مجتمعات الخدمات إذ يقول ” أﻋﺘﻘﺪ أﻧﻨﺎ دﺧﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻧﻮع ﺟﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت؛ ﻣﺠﺘﻤﻊ اﻟﺨﺪﻣﺎت، وﻓﻖ ﺗﻌﺒﻴﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﻴﻦ، ﻟﻜﻨﻪ ﻣﺠﺘﻤﻊ خدﻣﺎت ﺑﻴﻦ اﻟﺒﺸﺮ،  ﺳﺘﺮﻓﻊ ﻫﺬه اﻷزﻣﺔ ﻣﻦ ﺷﺄن ﻓﺌﺔ ﻣﻘﺪﻣﻲ اﻟﺮﻋﺎﻳﺔ؛ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﺴﺘﻤﺮ ﻫﺆﻻء ﻓﻲ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ رواﺗﺐ ﻫﺰﻳﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ذاﺗﻪ، ﻓﻲ ﻇﻞ ﻫﺬه اﻷزﻣﺎت، ﻫﻨﺎك اﺣﺘﻤﺎل أن ﺗﺆدي ﺻﺪﻣﺔ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ إﻟﻰ ردود ﻓﻌﻞ أﺻﻨﻔﻬﺎ ﻓﻲ ﺧﺎﻧﺔ اﻟﻔﺎﺷﻴﺔ” [5]، و من المتوقع جدا بالاضافة الى ما أشار اليه تورين من احتمال تغيرات على المستوى الاقتصادي، أن تتغير ترتيبات المجتمعات في القطاع الصحي أيضا.

بالرغم من ان ما يسود في المجتمعات (جائحة covid-19) ليس صراعا اجتماعيا، فإن بوسعه أن يوجده او يذكيه كما أشار الى ذلك الان تورين، في نفس السياق قد تتبادر لنا أسئلة عن علاقة ذلك مع تعامل سائر الأنظمة مع هذه الكارثة.

إن سبب إقبال العديد من مسؤولي المجتمعات المتخلفة وكذا المستبدة إلى الاخذ بالاحتياطات والقيام بمجهودات لمحاربة هذا الوباء إنما لأنها تتعلق بهم كأفراد أيضا،  و لا يسعنا نكران أن المجتمعات الديمقراطية [القوية] اكفأ في تعاملها مع الكوارث، وذلك كما أكد امارتياصن أن البلدان الديمقراطية قادرة على مواجهة الكوارث اكثر من البلدان الديكتاتورية، بما فيها من احزاب حيوية وطاقات تسنهض فعلها الإنقاذي للمواطنين وللدولة ككيان حاكم 4، ويذهب البعض إلى ان هذه الفترة إنما هي فترة لتعزيز موطئ قدم الانظمة السياسية، يمكن ان يكون سياسيا، غير ان تمثل الافراد للعالم الاجتماعي -كما سبق وان ذكرنا- من الصعب ان يتغير في حقبة موجزة ، كما يمكن ان تتعزز اشكال عدة من الهيمنة على الافرا في المجتمع ،وهذا يطال كل المجتمعات بما في ذلك المتقدمة ، إذ ان الإعلام الرسمي يستعيد عدد متابعين لم يكونوا قبل انتشار الوباء، وقد ذكرت صحف إحصاءات شملت كل من ايطاليا وكوريا وغيرها ممن طالهم الوباء ان اكثر من نصف المتصفحين يزورون المواقع الرسمية لمشاهدة مستجدات آثار الفيروس دون الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي ، ما يفيد بلغة بورديوية أن هذا قد يؤدي الى” تعزز/تقوي للهيمنة الرمزية على الأفراد”، إذ تمارس هذه الوسائل الإعلامية الرسمية حسب بيير بورديو عنفا رمزيا على الافراد. [6] وإن لم يكن حينها، فإن هذه الهيمنة لما بعدها.

أخيرا، إن وباء كورونا شأنه شأن الوباء الذي تحدثت عنه رواية الطاعون القرمزي لصاحبها جاك لندن، تصف أحداثا شبيهة بالتي يمر بها العالم اليوم، إذ يبين الكاتب أن هذا الوباء فرصة فريدة للتفكير في حالة الإنسان وفي السلوكيات وفي النمو، وفي أنماط الحياة [الإجتماعية]، ويدعونا الكاتب بدوره إلى اعادة النظر في البعد الأخلاقي للإنسان.

 

[1]  الجوهري، محمد. مدخل إلى علم الإجتماع ،جامعة القاهرة ،2008، ص 7

2- ، دوركايم ،إيميل. تقسيم العمل الإجتماعي ، ،ترجمة حافظ الجمالي ،المكتبة الشرقية ،بيروت -لبنان ، 1986 ،ص 328

[3]  ديفيد إنغليز ،جون هيوسون. مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة ،ترجمة لما نصير ، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات ، بيروت ،2013، ص 14

4- تورين، آلان. “حوار” ،ترجمة توفيق السليماني ،جريدة أخبار اليوم ،العدد :اليوم السبت4/الأحد 5 أبريل 2020

5- صن ،امارتيا. التنمية حرية ، ترجمة شوقي جلال ،المركز القومي للترجمة ،العدد:1549،ط 1، 2010 ،ص 79

6- بورديو ،لبيير. العنف الرمزي ،ترجمة نظير جاهل ،ط 1،المركز الثقافي العربي ،1994

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.