(1) مرابطات الأمة | سلسلة مقالات مقدسية
بشرى بوطيب
(1) مرابطات الأمة | سلسلة مقالات مقدسية
بقلم: بشرى بوطيب
مشهد عظيم للنساء المسلمات المرابطات في بيت المقدس، حارسات ومعلمات قرآن ومربيات أجيال، شواب وعجائز يقفن والمصحف في أيديهن شامخات أمام تعنيف ورفس المجندات الصهاينة، وسخرية جنود الاحتلال والمقتحمين للمسجد الأقصى من قطعان العلو الصهيوني. وفي واجهة أخرى من أصقاع الأمة تتحرك يقظة مباركة من نساء الأمة المتهممات بأرض المعراج يساندن، ينصرن، ينافحن، بالصوت والقلم والمسيرات والوقفات المنددة بهجمات العدو الغاصب، يعلمن ويلقن الصغار وعامة الناس في المحافل أن القدس بوصلة الأمة والأقصى ميراثها وحبه عقيدة لا تنفك عن هذا الدين المجيد الخالد.
التحرير ينشدن هِؤلاء النسوة؟ وكيف للمستضعف الضعيف أن يشارك في صرح التحرير؟ ومن أي معين يستقين قوة المجابهة لعلو مفسد؟ ألسن كباقي النساء؟ أم هي بشائر الفتح لهذه الأمة أن تقوم قومة سوية برجالها ونسائها نافضة سنون الانحطاط القروني للعض والجبر والإفساد الذي غيب دور الأنثى في التغيير، وكسر إرادة إعادة البناء وفق منهاج النبوة؟
- مرابطة زمن النبوة
خصت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشام وبيت المقدس ببشارات كثيرة. فقد كان الصحابة والصحابيات يسألنه عن المسجد الأقصى وأكنافه، وكانت النساء جزءا من خيرية هذه الأمة المحمدية. ما كان سؤالا عابرا، أو من باب إرواء الفضول لمن لم يسعفه الزمان لرؤية ّذاك المقام لبعد الشقة بين مكة والمدينة وبين أرض المقدس الشريفة، وإنما هو التهمم القلبي والجهادي، جاد به ما يغرفونه من المحضن النبوي تربية واتباعا وجهادا.
نلقي على مسامع نساء الإسلام اليوم حديث ميمونة رضي الله عنها وهي تستفتي نبي الأمة عن الأرض المقدسة، يقوي عزيمة من تاقت فيها النفس لتنخرط في صف نصرة قضية الإسلام والمسلمين الكبرى ، ويبعث الحياة في الهمم المتقاعسة عن نشدان تحرير بيت المقدس وتحرير الأمة جمعاء من الاستبداد والإفساد الصهيوني الجاثم على قلب الأمة. كما يعرف من حصر وظيفة المرأة المسلمة في الزوجية والأطفال، أو أقصاها من المشاركة والتعبئة لقضايا الأمة، وصناعة الإنسان السوي في أرض الله الذي لا يظلم ولا يقبل ظلما وعسفا.
“عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قلت: يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال: أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه، قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه، أو يأتيه قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه، فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه “[1]. الصلاة في بيت المقدس شوق تاقت إليه نفس امرأة من زمن النبوة حيث كانت للمسلمين شوكة قوية بعد فتح مكة وفتوح الشام وأرض الفرس والروم بعد ذلك. وكانت المساجد لله قبل أن تمنع وتستباح في الأمة وعلى رأسها الأقصى المبارك. فهذا أبو ذر رضي الله عنه يسأل عن أيهما أفضل الصلاة في بيت المقدس أو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجيبه المصطفى صلوات ربي عليه: ” صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر وليأتين على الناس زمان لقيد سوط أو قال: قوس- الرجل حيث يرى منه بيت المقدس خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعا”[2].
ما حملها على السؤال وأن تنذر له سراجا كالتي تسرج في المسجد الحرام والمسجد النبوي؟ ألم يكونوا آمنين بين ظهراني نبيهم، وهم الغزاة في سبيل الله الفاتحين لأرض الله شرقا وغربا؟ التربية النبوية الحكيمة التى ربت الرجال بالمعنى القرآني والذي يشمل المرأة والرجل معا ما تحققت فيهم شروط الإيمان والعمل والعلم به سلوكا وتنفيذا، سبحا وذكرا. كانوا وكانت المرأة في رباط على ثغور الأمة، إنه الفقه الشامل لمنهاج رسول الله في أن تجمع المرأة بين حافظيتها في البيت وجهاد مرابط على الثغور إلى جانب شقيقها الرجل.
وليس الأمر ببعيد فعدسات مشاهد اليوم والليلة تصور لنا، وقد بعدت عنا الشقة عن إتيان بيت المقدس المبارك، نساء فلسطين المجاهدات، ولا نبالغ في الوصف حين نقول أنهن قبس من زمن النبوة، همم شامخة في طلب المعالي من الأمور، المقدسية منهن ترسل الأطفال للمدارس والزوج للعمل وتلتحق بأخواتها المرابطات في باحات ومساطب المسجد الأقصى، هي المعلمة للقرآن، وهي الصادحة بالتكبير والتهليل أمام جبروت وعتو الصهاينة والمستوطنين المقتحمين للأقصى، وهي أم الشهداء التي تربط على القلوب المفجوعة تزف أبناءها عرسانا للشهادة وطلب الجنة قائلة: أي بني، الأقصى أمانة وموالاة العدى خيانة.
ميمونة تمثل بقية المسلمات في بقاع الأرض، يسرجن زيتا يهدى لبيت المقدس، بشتى الوسائل المتاحة في زمن علا فيه الاستكبار وعتا عتوا كبيرا. فالأمة تحتاج بنسائها وشبابها ورجالها يحتاجون للتغيير والتربية القرآنية كما تلقتها سيدتنا ميمونة وسيدنا أبو ذر رضوان الله عليهم، كان الوحي والنبوة عدتهم وعتادهم، ألهمهم شغف الجهاد والمرابطة في سبيل الله، فما عدة وعتاد نساء اليوم في معركة التحرير والتغيير في زمن الاستضعاف والغثائية وتكالب الاستبداد والاستكبار العالمي على أمة الإسلام؟
[1] رواه ابن ماجة والطبراني في الكبير
[2] حديث صحيح رواه أبو ذر الغفاري (صحيح الترغيب والترهيب )