رهانات ودلالات الأحداث في رواية (الأرض)
رهانات ودلالات الأحداث في رواية (الأرض)/ الأستاذ ياسين حميان
رهانات ودلالات الأحداث في رواية (الأرض)
بقلم: الأستاذ ياسين حميان
تحتوي رواية “الأرض” للشاعر والروائي “محمد فاضيلي” على عدة رهانات ودلالات يمكن استنباطها من الأحداث، حيث يمكن تقسيم هذه الدلالات إلى عدة مجالات، فهناك دلالات ذات أبعاد تاريخية، وثقافة، وأخرى اجتماعية.
بخصوص الدلالات التاريخية للرواية، فهي كثيرة ومتعددة، سأسعى حصر أبرزها، وإلا فالرواية وثيقة تاريخية لقبيلة حمداوة بشكل خاص، وتاريخ منطقة امزاب بشكل عام، إن لم نقل أنها مسهمة في تاريخ ما قبل وبعد الاستعمار بالمغرب. وعموما فهذه أهم الدلالات التاريخية للرواية:
- تسليط الضوء على حقبة تاريخية منسية من تاريخ المغرب ما قبل الاستعمار، وهو ما كان يسمى عند المؤرخين بزمن السيبة، حيث كثر الهرج والمرج، وتميزت هذه المرحلة التاريخية بضعف سلطان الدولة المغربية، ومحاولة كل قبيلة السطو على ممتلكات القبائل الأخرى دون وجه حق، وهذا ما حضر في الرواية خلال الصراع بين حمداوة والعيساويين، والتي عرفت مراحل كر وفر بين القبيلتين.
- إبراز دور قبائل امزاب في الدفاع عن وطنهم من خلال مشاركتهم في مقاومة المحتل، في ما كان يسمى آنفا آنذاك، والدارالبيضاء حاليا، وكذا دفاعهم ومقاومتهم للمحتل الفرنسي الذي كان مستعمرا لمنطقة امزاب، فقد أشارت الرواية إلى تحويل قصبة ابن أحمد لمستقر للاستعمار على يد الجنرال “دماد”، بينما تمركزت مقاومة الاستعمار في منطقة لعشاش.
- إماطة اللثام عن شجرة نسب قبيلة حمداوة، والتي ترجع لسيدي “أحمد بن علي الدرعي” الملقب “بجبار المكسور”، فهو نسب شريف إدريسي، الأمر الذي جعل من قبيلة حمداوة ذات مكانة ورفعة، سواء أثناء تواجد الجد الأكبر “سيدي أحمد بن علي” بمنطقة درعة بجنوب المغرب، أو عند انتقال أبنائه للشاوية العليا وشرائهم لحقول “زيو” و”عين الضربان”.
- الكشف عن عراقة وأصالة تاريخ حمداوة في علاقته بمنطقة “امزاب” مبرزا السياق التاريخي لاستيطانهم بالشاوية العليا، تاركين وراءهم زاوية وضريحا ذا شأن بجنوب المغرب، وهذا يؤكد عدم استيلائهم على هذه البلاد، بل شراءها من أهلها طواعية.
ومن ناحية أخرى، فللرواية دلالات ورهانات ثقافية، نستعرض أبرزها في رهانين اثنين:
- الكشف عن منظومة القيم الأخلاقية التي عرف واشتهر بها امزاب، والتي كان أهمها في الرواية: الكرم والنخوة ومجابهة الظلم والاستبداد، وحب الوطن.
- إبراز أهمية ثنائية الأرض والولد في أعراف وتقاليد أهل البادية، فامتلاكهما يشكل أهمية كبيرة، لما له من أثر في حيازة المال والشرف والنسب، فأسرة بلا ولد، كشجرة بلا أغصان، وهذا شأن الخناثيين: الكبير وحجاج وأحمد وعبد السلام، فقد عاشوا هما وغما قبل أن يلدوا، لكن أحوالهم تغيرت بعد الولادة، فقد زال الغم والحزن، وحل مكانهما الفرح والغبطة.
- التأكيد على دور المرأة الحمداوية عند الرجل الحمداوي، فرقية بالنسبة لعبد السلام كانت خير سند له رغم عدم إنجابها، فهي امرأة وفية، تتبادل الحب مع زوجها، وقد حزن لوفاتها حزنا شديدا، ومكانة رقية لا تقل عن مكانة الطاهرة والسعدية والزهرة.
فضلا عن الرهانات التاريخية والثقافية، فإن هناك دلالات ورهانات اجتماعية للرواية، والتي نجمل أهمها في الآتي:
- تحديد طبيعة المجتمع الذي كان سائدا قبل مرحلة الاستعمار وأثناءه، فهو مجتمع قبلي، لكل قبيلة من قبائل المغرب خصوصياتها الثقافية والعرقية واللغوية، وقبائل امزاب عموما، تشترك مع قبائل منطقة الشاوية مجموعة من الخصائص، كما تمتاز عنها بخصائص أخرى.
- إعطاء فكرة مصغرة عن طبيعة المجتمع القبلي زمن السيبة بالمغرب، فالقبيلة مجتمع مصغر له قائد وأتباع يدينون بالولاء القبلي له، وهو مجتمع تحركه النعرات القبلية، فمصلحة القبيلة قبل أي مصلحة، وهذا يؤكد ضعف سلطان الدولة المركزية في تلك المرحلة التاريخية.
وختاما، هذا غيض من فيض الدلالات والرهانات التي يمكن استخلاصها من رواية ” الأرض” للشاعر والروائي ” محمد فاضيلي”، وإلا فهناك عدة دلالات أخرى يمكن استخلاصها، وما تم ذكره في هذه المقالة قد يعد مقدمة لرهانات ودلالات شتى في عدة مجالات.