منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الباحثة فريدة طابش وكتابها عن الشّيخ رضوان الجِنْوِيّ

عبد الهادي المهادي

0
 الباحثة فريدة طابش وكتابها عن الشّيخ رضوان الجِنْوِيّ

بقلم: عبد الهادي المهادي

هذا كتاب أُهديَ لي، وكشأني مع مثل هذه الهدايا، التي تأتي من أصدقاء، أحتفي بها؛ قراءة وتدوينا، فإذا كان من تأليف أحد من أصدقاء الطفولة في الحي أو من زملاء التلمذة، كان احتفائي به مضاعفا، وهو الأمر الحاصل لي اليوم. ولقد كدتُ أن أخرجَ عن عادتي هاته، لأنّ الكتاب وصلني في أجواء رمضانية خاصة، وقبل ذلك وأثناءه وبعده، وصلني وأنا مشدود قلق أمام المقتلة الغزّاوية.
في البداية قرّ قراري أن أقوم بالواجب فقط؛ أي أن أتصفّحه، وأقلّب أوراقه، وأقرأ فقرة من هنا وأخرى من هناك، بعد الاطلاع على المقدمة والخاتمة، وذلك ما يسمح لي بكتابة تدوينة “مُحترمة”. ولكنّ الكتابَ لم يشأ أن ينزل دون مقام هو أدرى به. وحُقّ له ذلك، لأنّه ـ حقيقة وصدقا ـ كتابٌ خَليق بكلّ متخصّص في المدوّنة الصوفية المغربية أن يطّلع عليه: موضوعا، ومنهجا، وتحليلا، واستنتاجا، وأسلوبا، ولغة.
وها أنا قد هنّأتُ كاتبتَه بأسلوب يليق بكلّ الأجواء المحيطة به.
ونحن تلامذة في ثانوية علال الفاسي بطنجة، كانت التلميذة فريدة طابش من جملة مَن تُثير انتباه الجميع؛ أساتذة وتلاميذ، بسبب سَمْتها وأدبها واجتهادها، وكانت تعتزّ بما تحمله من ثقافة وفهم، وشخصّيا تواجهتُ معها يوم قدّمتُ عرضا حول “قضية المرآة” في مادة التربية الإسلامية؛ يومها أصرّتْ على آرائها، ولم أفلح أبدا في زحزحتها عنها، وهي نفس الآراء التي ما تزال تُناقَش اليوم ولم تُحسم مع قرب صدور مدوّنة الأسرة الجديدة.
حينما انتقلنا إلى الجامعة، سنجد أنفسنا نجلس زملاء في نفس الحجرات والمدرجات أمام نفس الأساتذة، ضمن نفس الشّعبة؛ اللغة العربية وآدابها. وفي الوقت الذي كنتُ فيه غارقا في عالم السياسة والفكر والنّضال، كانت هي من ضمن الطّلبة المنتظمين بجدّ في حضور الدّروس، وقد عاد عليّ ذلك ببعض الفوائد؛ حيث كانت تُعِيرُني ـ في بعض الأحيان ـ ما كنتُ أتغيّب عنه من محاضرات.
غادرنا الجامعة، دون أن يغادرنا شغف العلم والمعرفة. وبعد سنة ـ إن لم تَخُنّي الذاكرة ـ تحقّق ما كنتُ مُسيقنا من حدوثه طال الزّمن أو بعُد؛ لقد تقدّم صديقي وزميلي في القسم منذ أيام التلمذة عبد السلام المنصوري لخطبتها، ومن ثمّ فاز كلّ واحد منهما بالآخر. وهما اليوم والدان لثلاث بنات مُزهرات، أفرحهما الله بهنّ في الدّنيا والآخرة.
تواضعها الشّديد جعلها قليلة الحضور في المشهد الثقافي الطّنجي، ولا أتذكّر من مشاركتها سوى لحظة صرامتها في وجه الصديق الآخر محمد ابن الأزرق “الأنجري”، يوم احتجّت عليه بشدّة لأنّه قام بتشييء المرأة بشكل فضيع ضمن كتابه “زواج المتعة”.
وها هي اليوم قد خطت خطوة تأخّرت فيها كثيرا؛ إذ نشرت كتاباوسمته بـ”التُّراث المُغيّب في التّصوّف المغربي: شخصية الشّيخ رضوان الجِنْوِيّ أنموذجا”. (2023 ـ منشورات بيت الحكمة بتطوان).
وهو في الأصل الدّراسة التي أعدّتها بين يديّ أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه، والتي اشتغلت فيها على تحقيق مخطوطة ” تُحفة الإخوان ومواهب الامتنان في مناقب سيدي رضوان” لتلميذه أحمد بن موسى المُرابي، وكما هو معروف فإن هذا المخطوط يعدّ الوثيقة الوحيدة التي وصلتنا كاملة عن حياة الشيخ الجنوي.
الكتاب، الذي قدّم له محمد كنون الحسني، يقع في مائة وتسعين صفحة، موزّع ـ بالإضافة إلى مقدّمة وخاتمة ـ على أربعة فصول، جاءت تحت العناوين التالية: “بيوغرافيا” الشيخ رضوان الجنوي ـ التّوجّه الصوفي للشيخ رضوان الجنوي ـ الزاوية الجنوية: من التأسيس على الاندثار ـ كمال التّكوين: شيوخ وتلامذة.
وأعتقد ـ حسب اطّلاعي ـ أنّ كتابها هذا هو الأوّل، ضمن المكتبة المغربية، الذي يتّخذ من المُحدّثِ الفقيهِ الصوفيِّ رضوان الجنويّ موضوعا له بشكل كامل، وبذلك تنال شرف السّبق، وشرف التّدشين، وشرف تنبيه الطلبة والأساتذة والمختصين لأحد رجالات المغرب العظام، الذي لم ينل من الاهتمام ما يستحقه، لأسباب كثيرة جدا ساهم هو نفسه في الحظ الوافر منها، لأنّ “اتّجاهه” التربوي كان يميل إلى العزلة والابتعاد عن كلّ ما يمكن أن يمنحه الشّهرة داخل المجتمع، وكان مُستحقّا لها.
كثيرة هي الأمور التي يمكن أن نقدّمها في هذه المقالة مختصرةً، ولكنّني أفضّل أن أُبْقِيَ عليها محفوظة حتى يطّلع عليها بنفسه كلّ مَن يثق في ذوقي وتقديراتي. وإن كان من مسألة أحسّ بأنه عليّ أن أصرّح بها هنا، فهي ذلك السّمت الذي يبرز واضحا في التجربة التربوية التعليمية العلمية للشّيخ رضوان، وأقصد بها ذلك الانسجام الدّقيق بين الشيخ رضوان العالم المحدّث الفقيه، وبين الشيخ رضوان التّربويّ الصوفي، وهو توازن وانسجام نادر عند من اجتمع فيه هذان البحران. ويكفي للتّدليل على صعوبة هذا الجمع أن نضرب مثلا بقامتين عظيمتين أخريتين فاتهما هذا الذي نشير إليه: الأول هو الإمام عبد الوهاب الشعراني، والثاني هو الحافظ أحمد بن الصدّيق الغماري، فكلاهما كان “عقلانيا” صارما في أمور الفقه والحديث، ولكنّهما كانا قريبا إلى “الخرافية” في مسائل التّصوّف، خاصة ما تعلّق بالكرامات، والمُطّلع على كتب “المنن الكبرى” و”الطبقات الكبرى” و”كشف الحجاب والرّان عن أسئلة الجان” و”التّصوّر والتّصديق”، سيعرف جيّدا مرمى كلامي.
السؤال المهم المُحيّر ـ والذي سيٌغضب كلّ قارئ ـ لماذا تجاهل كلّ مُعاصريه التّرجمة له؟ والقليل منهم من أشار إليه إشارات خفيفة، رغم أنه عاش في فترة نال رجالها خظّا وافرا من الاهتمام، أقصد الفترة بين الوطّاسيين والسّعديين، ورغم أنه ـ وهذا هو الأهم ـ التلميذ المباشر لاثنين من أكابر المغرب: المحدّث عبد الرحمن سقّيْن، والمُربّي عبد الله الغزواني؟
لماذا تجاهله بالمرّة ابن عساكر في “دوحة النّاشر” وهو معاصره، وقد ترجم للكثيرين ممن هم دونه بكثير؟ هل لأنّ والده نصرانيّ وأمه يهوديّة أسلما حديثا؟
هذه أسئلة وغيرها كثير تُلاقيكم في الكتاب، كما يُلاقيكم تحليل وتركيب وتفسير وإعادة بناء… واستدعاء لموارد معرفة متنوعة ثريّة، واستطرادات ممتعة مفيدة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.