منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسار السردي لرواية “الأرض “

كلثوم فاروقي

0

المسار السردي لرواية الأرض

كلثوم فاروقي

تقديم:

      الرواية جنس أدبي جامع لكل الأجناس الأدبية، يتداخل فيه الشعر والنتر والحكي والسرد وغيره، والنص الروائي هو نص مفتوح، بمعنى أنه عادة ما ينتهي بنهاية محددة سواء منها مفتوحة أو نقطة ختام أو أحيانا تساؤل. قلق يحاول معه الكاتب إلى إدماج المتلقي في فعل الاصبار وإعادة الإنتاج للجنس الفني الذي يكون بين يديه. ورواية الأرض رواية تحمل في طياتها مجموعة من الإرهاصات الواضحة للعيان على أنها رواية تاريخية لن تخرج عن هذا الإطار الفني فهيَ تبتدئ بافتتاح لأسرة ذات مشكلة في العقم وتتوسطها حبكة مشكلة ثم تنتهي بنهاية سعيدة، كل ذلك حسب مسار سردي ذي طابع تاريخي سواء في تسلسل أحداث الرواية التي هي صورة مصغرة لواقع تاريخي اعتمد عليه الكاتب ليكون مادة دسمة لموضوع روايته.

فاللغة مثلا في هذه الرواية ذات حمولة تاريخية لأنها لغة تقريرية مع ادماج بعض المصطلحات الدارجة التي تنتمي إلى المنطقة المتحدث عنها مما يعطيها طابعا زمكانيا خاصا بهذه المنطقة، وهذه لفتة جميلة لاستحضار الذاكرة الجماعية التي يكون قد طواها النسيان. واللغة كما هو معروف هي مطية للأفكار والأحاسيس. اذن فالرواية تعمل على استحضار يعيد للأحداث قيمتها التاريخية كرواية للأجيال القادمة لأنه من وعى التاريخ إلى صدره أضاف أعمارا إلى عمره كما يقال.

واستحضار هذه الذاكرة عادة لا يكون الهدف منها هو تحقيق اللذة بقدر ما يكون هدفها هو التخلص من مبدأ الألم، لأن الذاكرة تصبح مشحونة ومثقلة بالكثير من الأحداث وهو ما تعبر عنه هذه الرواية، حيث أن أحداثها الكثيرة التي تأخذ طابع الاسترسال حينا والتداخل حينا آخر، وأيضا تكاد هذه الأحداث تتحول إلى كوابيس مؤرقة يحتاج الانسان حين ذاك لتفريغها.

وحين نجد نصا روائيا بهذه الشحنات والاستحضارات للتاريخ، فهو كتقنية أدبية لا يستهدف الماضي كماضٍ منتهٍ، ولكنه يعالج قضايا الحاضر بلغة أدبية غير مباشرة لأن اللغة تتسم بخرق واقع التوقعات وخلق حالة من الانزياح لدى المتلقي، فمثلا عندما تتم الرواية أو الراوي بالإشادة بالأبطال مع التنبيه إلى استعمال الضمير الغائب، هي محاولة لغرس هذه النماذج في قلوب وعقول الناشئة وأيضا إعطاء نموذج الانحراف ولو لفترة قصيرة (ممكن أن يكون هذا الانحراف سببا في تدمير الذات والحياة) لذا كانت هذه اللفتة الجميلة من الكاتب كنوع من إعطاء الدروس والمواعظ، واستحضار كل هذه الشخصيات بسلبياتها وايجابياتها، أظن أنها تخدم وتصب في هذا الإطار، فلو عملنا مثلا مقارنة بسيطة بين أبطال “الإلياذة والأوديسا” فأبطالها الذين سادوا في هذه الروايات كانوا يقاتلون بغير معنى، وإنما فقط لإبراز القوة المتوحشة التي تغذي لذة السادية لدى الحكام والسادة.

بينما رواية الأرض تعمل على استحضار هذه الأحداث وكل ما مر بأبطالها من ألم وحب وشقاء وتعب وخيانة وطموح وندم وغيرها هو النموذج الذي يسعى الى ترسيخ النماذج الوطنية المقاومة. أريد فقط أن أثير نقطة هنا وأنا بصدد ذكر تاريخ الأبطال وهي فكرة السيبة التي سجلها التاريخ المغربي والتي أثارتها الرواية بشكل واضح ومفصل حيث ذكر على أن القبائل المغربية قبل الحماية كانت في فوضى عارمة وأنها كانت تخضع لهجومات أو الحركات كما تنطق بالدارجة المغربية.

ومن المعروف على أن التاريخ المكتوب هو تاريخ المتغلب أو المنتصر أو من بيده تسير السلطة، وهنا نقف قليلا لنقول على أن هذه الفترة تاريخها غير مضبوط أو بالأحرى مغلوط. بينما تاريخ الشعوب تاريخ مهمش مسكوت عنه. وهنا كنت آمل أن تلعب هذه الرواية دور التأريخ لهذ الجانب برواية الشعب وبعيدا عن الرسميات لا أن تعززه، لأن من إيجابيات العمل الفني ابراز واستنطاق التاريخ بأحداثه الحقيقية وليست الرسمية حتى يتم تسليط الضوء على هذا الجانب المظلم من تاريخ هذه المنطقة بل البلاد كلها.

وهنا عندي سؤال مباشر لأستاذنا الفاضل ‘الفاضيلي’: هل كان يعي هذه النقطة أو هذه الفكرة أم أنها جاءت محض صدفة أم أن أفكاره معززة فعلا بتاريخ كهذا.

رواية الأرض هو عمل فني كما بقية أي عمل أدبي ليس غاية في حد ذاته وإنما هو رسالة موجهة لشريحة معينة من القراء بنفس سردي يتسع في إطار ما يسمى بمسافة الجمالية التي تفصل بين أفق النص وأفق توقعات القارئ، أي أنها تحمل من النص نصا مفتوحا لا يتوقع القارئ شيئا منه، وأحيانا يتم صدمك بشكل مفاجئ وتزداد قيمة وجمالية النص كلما ابتعد عن المألوف ولكن رواية الأرض تجعلك تسير في خط زمني متوقع يعني تفقد الكثير من هذه الصدمات أو الأحداث المفاجئة إذن هي رواية تسير في خط المألوف والمتوقع مما يجعلها تخف من ناحية السرد المتقطع أو السرد المفاجئ إلا في حالة وحيدة وهي حالة ‘الغالي’ الذي دخل على الخط حتى أني قرأت الصفحة وبدأت أبحث عن الرابط بين أحداث هذه الشخصية ومسار الرواية فلم أجد، أي أنه كسر روتين السرد المتسلسل ليقفز الى شخص جديد بدون مقدمات ثم وبشكل سلس دخل في أحداث الرواية ليأخذ مكانه في التسلسل السردي وتشابك أحداث الرواية وشخصياتها.

ولو أردنا أن نؤرخ لكل فصل لاستطعنا ذلك:

  • فهي تتحدث عما قبل الاستعمار (زمن المشاكل الأسرية والأحداث العادية التي عاشها سكان منطقة الشاوية).
  • ثم زمن الاستعمار أو أثناءه وهو زمن الضعف والتشرد والمشاكل وهو زمن الحبكة.
  • ثم زمن المقاومة والرجوع الى الأرض.

انتهت الرواية بنهاية سعيدة وأقفلت على نقطة نهاية وهي عودة الأرض واستقال البلاد، وأقفل الموضوع. لكن هناك سؤال سيسأله جيلنا وستسأله الأجيال من بعدنا: هل فعلا تم الاستقلال، أم نحن بحاجة الى استقلال جديد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.