عن الكاتب
طه حسين، أو عميد الأدب العربي. أحد أشهر الأدباء في مصر والوطن العربي في القرن العشرين. ولد في صعيد مصر، ولم يمنعه فقده بصره من الدراسة، فالتحق بالأزهر بعد كتاب القرية، ثم انتقل إلى الجامعة المصرية ومنها نال شهادة الدكتوراه. كما نال شهادة دكتوراه ثانية من جامعة السوربون بفرنسا. وقد أثرى خزينة الأدب العربي بعدة إنتاجات نقدية وأدبية وفكرية نذكر على سبيل المثال لا الحصر: في الأدب الجاهلي، دعاء الكروان، فلسفة ابن خلدون الإجتماعية… وغيرها من المؤلفات.
تأثر طه حسين بالثقافة الغربية بعدما انتسب، على حد قوله، إلى قسم الآداب في الجامعة المصرية وأخذ يسمع فيها الدروس على يد مستشرقين إيطاليين وفرنسيين وألمان، فإذا بألوان من الدروس لم يعرفها وفنون نقدية لم يعهدها، فلم يبق من مجالسته لأستاذه في الأزهر إلا دقة اللفظ ومتانة الأسلوب وملكة الكتابة وتأليف الكلام[1].
في الكتاب
يعد كتاب ” تجديد ذكرى أبي العلاء ” باكورة أعمال طه حسين في النقد الأدبي، وبه نال شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية. كما يعتبر أول كتاب قدم للجامعة المذكورة، وأول كتاب امتحن بين يدي الجمهور، وأول كتاب نال صاحبه إجازة علمية منها[2]. وقد خصه الناقد لذكر أبي العلاء: شخصه، حياته، بيئته، شعبه، أدبه وفلسفته، متأثرا بمن تشبع بفكرهم من المستشرقين، يقول طه حسين في مقدمة الكتاب:
” جعلت درس أبي العلاء درسا لعصره، واستنبطت حياته مما أحاط به من المؤثرات. ولم أعتمد على هذه المؤثرات الأجنبية وحدها، بل اتخذت شخصية أبي العلاء مصدرا من مصادر البحث بعد أن وصلت إلى تعيينها وتحقيقها. وعلى ذلك فلست في هذا الكتاب طبعيا فحسب، بل أنا طبعي نفسي أعتمد فيه ما تنتج المباحث الطبيعية ومباحث علم النفس معا.”[3]
ولم تكن عناية طه حسين بموضوع أبي العلاء اعتباطا، بل اختاره على غيره من المواضيع التي طرحت عليه لسببين مهمين، أولهما: اندهاشه من عناية الغرب بآثار المعري. وثانيهما التشابه الحاصل بينهما في الضرر، حيث لحقت بكليهما آفة العمى في ريعان الصبا[4].
من هنا، أراد طه حسين تخصيص أطروحته لحياة وأدب أبي العلاء. ويتمظهر لنا ذلك من خلال تقسيمه كتابه خمس مقالات أفرد كل واحدة منها لفصل من فصول حياته.
فالمقالة الأولى فصلها تفصيلا شديدا وأطال الحديث فيها عن زمان المعري ومكانه والشعوب التي احتك بها والحكام الذين عايشهم، والحال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والدينية التي رافقت حياته. يقول طه حسين في مقدمة الكتاب: ” المقالة الأولى من هذا الكتاب مفصلة تفصيلا شديدا، وفيها إطالة وإسهاب. ولكني تعمدت ذلك لأشرح طريقتي في البحث للناس، ولأن القراء جميعا ليسوا على حظ واحد من العلم بحياة المسلمين أيام أبي العلاء[5].”
وأفرد المقالة الثانية لحياة المعري الخاصة، والتي لم تكن خيرا من الحياة العامة. فقد مرجت بألوان المصائب والزلات، وتميزت بآلامها الكثيرة والمتواصلة، ولعل أبرزها وفاة أمه وأبيه. إلا أن الرجل قد أحسن الدرس وأجاد التعلم وزار مدنا مختلفة وأقام في بيئات متباينة.
وكان له قلب ذكي وبصيرة ثاقبة وذوق رفيع سليم. هذه المؤثرات ساهمت في تأليف تراث أبي العلاء الأدبي[6].
وفي المقالة الثالثة، حاول طه حسين الوقوف على إنتاجات المعري: شعرا ونثرا، وكذا الفنون التي برع فيها؛ من نقد وسخرية وخيال ومهارات لغوية. كما تمثل المقالة تأثير الدرس الطويل في آداب أبي العلاء، ومع أن هذا التأثير ظاهر في مظاهر مختلفة، فليس يعنينا منها إلا اثنان: الأول كثرة الاصطلاحات العلمية في شعره ونثره. والثاني اصطباغ أسلوبه الأدبي بالصبغة العلمية، حتى احتاج إلى أن يفسر بعض ما وقع في شعره من الألفاظ على طريقة المؤلفين[7].
ونجد طه حسين قد عنى بالعلوم اللغوية التي برع فيها أبو العلاء، نحوا وتصريفا وعروضا، ويظهر ذلك جليا في استعمالاته للمصطلحات العلمية والغريب. بالإضافة إلى تمكنه من أدوات الفلسفة وتأسيسه مذهبا فكريا فلسفيا مخالفا لكل المذاهب الأخرى؛ اليونانية منها أو الإسلامية. هذا في المقالة الرابعة.
تساءل الناقد في المقالة الخامسة والأخيرة عن إمكانية اعتبار أبي العلاء فيلسوفا حقا، وخلص إلى أنه فيلسوف وإن لم يؤلف في الفلسفة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال نظرته للحياة وأفكاره التي ضمنها أشعاره خصوصا، إلا أن مذهبه الفلسفي غامض المعنى مبهمه، بحيث لا نكاد نجد كلاما له بمقدوره تفسير هذه الفلسفة.
قراءة في المنهج
استنادا إلى ما سبق، يكون طه حسين، على ما يبدو، قد بنى كتابه على أسس استنباطية منطلقا من الحياة العامة لأبي العلاء: وسطه وشعبه وآداب عصره، والحال السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ثم حياته الخاصة: نسبه، والديه، تربيته…، قبل أن يشرع في تحليل تراثه الشعري والنثري والفلسفي ويجزئه حسب الأغراض والموضوعات التي أحاط بها.
هذا فيما يخص الشكل العام للكتاب. أما البناء الخاص للمقالات فيمكننا تلمسه في المنهجين: التاريخي والفني.
المنهج التاريخي
اتخذ طه حسين من المنهج التاريخي سبيلا إلى إحياء ذكرى أبي العلاء وتجديدها، ذلك أن المنهج التاريخي يخول للناقد بعث الماضي وسبر أغواره وعرض وقائعه وتمحيصها وطرح الأدلة عليها للوصول إلى الحقيقة التاريخية. لكن إسقاط هذا المنهج على الأعمال الأدبية يقتضي بالضرورة العلم بالتاريخ، وعلوم الدين، وأصول اللغة وتطورها عبر المراحل. والإلمام بالمذاهب الفلسفية والفرق الكلامية، بالإضافة إلى علم نفس الأفراد والجماعات[8]. إذ إن الجهل بهذه العلوم وغيرها سيوقع حتما سالك نهج التاريخ في الخطأ، بل وتشويه النصوص.
من هذا المنطلق، أراد الناقد، في المقالتين الأولى والثانية، التأريخ لعصر المعري بذكر الشعوب التي امتزج بها والتقلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذا العصر ومميزات الأدب فيه. ثم عرج على حياته الشخصية في المعرة، فحدثنا عن نسبه و تربيته وتعليمه ووقع فراق الوالدين في نفسه، ورحلته إلى بغداد وعودته منها وعزلته، ثم درسه الطويل وعلاقته بالحكام والملوك حتى مرضه ووفاته.
وفي هذا، لم يكن طه حسين مؤرخا صرفا ينقل الأحداث ويوردها كتابه فقط، وإنما حاول النظر إلى أدب المعري نظرة الأديب الفنان الناقد. لذلك لم يكتف بالمنهج التاريخي وحده، بل توسل المنهج الفني أيضا. هذا المنهج الذي يضع الناقد في مواجهة الأثر الأدبي بالقواعد والأصول الفنية المباشرة، والنظر في قيمته الشعورية وقيمته التعبيرية، ومدى تطابقهما مع الأصول الفنية للأدب. كما يعتمد على التأثر الذاتي والموضوعية الفنية، فهو منهج ذاتي موضوعي. وهو أقرب المناهج إلى طبيعة الأدب وطبيعة الفنون على وجه العموم[9].
المنهج الفني
حاول طه حسين، في المقالات الثالث والرابعة والخامسة، دراسة آثار المعري الفنية مبرزا مكامن العيب فيها ومكامن الحسن، وإن لم تخرج هذه الدراسة عن النسق التقليدي في تناولها للجوانب الفنية. ومن ذلك تقصيه لهاته الآثار في ديوان سقط الزند، فعدد الأغراض التي اشتمل عليها وأحصاها في المدح والفخر والوصف والرثاء والنسيب.
كما وظف شيئا من المنطق في تناوله شعر المعري، فقسمه ثلاثة أقسام:
- شعر الصبا، ولم يكن اللفظ فيه متينا ولا الأسلوب رصينا ولا المعنى متقنا، فغلبت عليه المبالغة والتكلف.
- شعر الشباب، وتميز بتدرجه في نظم الشعر، فقل التكلف والمبالغة، واستقبل الاقتصاد في اللفظ والمعنى.
- شعر الكهولة والشيخوخة، صبغه التشدد في الحياة والتماس الصدق والامتناع عن المبالغة، فنهج طريقة القدماء في توظيف الألفاظ الجزلة والبدوية والتزم القوافي الصعبة.
ثم إن طه حسين قد أمعن النظر في شعر المعري عامة فحدد أهم سماته منها:
- غموض الأغراض نظرا لاعتماده اللفظ الجزل والغريب.
- الأثر الفلسفي.
- تجاهله قواعد النحو تأثرا بالمتنبي.
- خلو سقط الزند والدرعيات من الأثر الديني على عكس اللزوميات.
أما بالنسبة لنثر المعري فقد اختص بما اختص به شعره من غموض في الأسلوب وكثرة في استعمال الغريب والأمثال، بالإضافة إلى تميزه بالعفة وبعده عما شاع في عصره من فحش.
ونجد الناقد قد وضع مقارنة بين المعري والمتنبي من حيث الأسلوب و الحكمة والفلسفة والأخلاق؛ ذلك أن المتنبي، حسب طه حسين، متكبر ينتحل الحكمة و الفلسفة ويتسم أسلوبه الشعري بالوضوح. أما المعري فغامض الأسلوب، حكيم بالفطرة، عزيز النفس عفيفها ومتواضع.
في الأخير
يتضح، من خلال كل ما سبق جرده، أن نجم أبي العلاء لمع، ليس فقط في عصره، وإنما في كل العصور، فقد كان فيلسوفا وعالم لغة وشاعرا وملما بعلوم القرآن والحديث والفقه. ثم إن درسه الطويل لآراء كل من فلاسفة اليونان والهنود والمسلمين قد كون لديه مذهبا خاصا في الفلسفة، كما أسس لأسلوب حديث في نظم الشعر ونثر الكلام.
وعلى الرغم من هذا كله، فإننا نجد اختلافات كثيرة وسمت شعره ونثره، وأقوال متباينة في القضية الواحدة، إذ لا يثبت على رأي محدد، وإنما هو مضطرب متذبذب. ومن ذلك حقيقة إسلامه؛ فإن أثبت وجود الله ومدح الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، فقد نفى النبوات وعارض القرآن وأنكر وجود الجن والملائكة والبعث وقال بحرق الجثة بعد موتها على طريقة الهنود، بالإضافة إلى أخذه بالتقية. وبذلك فإن الفصل في إسلامه أو كفره أمر من الصعوبة بمكان، حتى إن طه حسين نفسه لم يبد رأيا واضحا في ذلك، وأرجعه إلى محدودية اللفظ وضيق العبارة. وهذا يدفعنا إلى القول بأن الناقد، في نظرنا، وإن وفق في المنهج، لم يأت بجديد يخص أبا العلاء، حتى إن دراسته الجوانب الفنية في أدب وفلسفة المعري لم تتجاوز الطريقة التقليدية التي مافتئ ينتقدها.
وأخيرا
وليس آخرا، فإن كتاب ” تجديد ذكرى أبي العلاء ” هو أول إنتاجات
طه حسين، وبذلك فهو يمثل مرحلة معينة من مراحل تفكيره، وهي مرحلة الشباب. هاته
المرحلة التي تميزت بانتقاله من معرفة نقدية تقليدية، في نظره، إلى معرفة وصفها
بالحديثة، عاين أثناءها مناهج النقد الغربي، ودرس الأدب العربي والإسلامي وفق
منظور من تشبع بمناهجهم من المستشرقين.
[1] -طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء، ص12
[2] -نفس الكتاب، ص17
[3] -نفس الكتاب، ص17
[4] -نفس الكتاب، ص15
[5] -نفس الكتاب، ص17\18
[6] -نفس الكتاب، 194
[7] -نفس الكتاب، ص244
[8] نفس الكتاب ص 11
[9] -سيد قطب، النقد الأدبي: أصوله ومناهجه، ص132