الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
وبعد؛ فقد طلب مني عدد من الأئمة وغيرهم أن أبين حكم صلاة العيد في المنازل بسبب الحجر الصحي الذي فرض على الجميع من جراء وباء “كورونا” نسأل الله تعالى العفو والعافية للإنسانية جمعاء؛ وخصوصا أن بعض الفتاوى العابرة للقارات والتي لا تميز بين المذاهب بدأت تدور في المواقع، ومنها من يقول بأن من فاتته صلاة العيد مع الإمام يسن له أن يصلي أربع ركعات؛ وهذا يفرض علينا أن نعرف موقع المذهب المالكي من بين المذاهب؛ فأقول في الجواب والله الموفق للصواب:
● أولا: قبل الجواب لا بد أن نقف عند أمور منها:
1) يجب علينا ألا نستبق الأحداث في انتظار أن يفصل المجلس العلمي الأعلى في القضية؛ لأنها تتعلق بالرأي العام، والفتوى في مثل هذا لا تكون إلا منه؛ ولكن هذا لا يمنع من استغلال الفرصة من أجل جمع شتات المسألة من باب تحصيل العلم، وليس من باب الفتوى؛ وتحصيل العلم يكون بنقل أقوال العلماء وتكييف النوازل على أساسها.
2) يجب أن نعلم أن الله تعالى يكتب للمسلم ما كان يقوم به من صالح الأعمال إذا منع منه لطارئ قاهر مثل “كورونا” الذي منع الناس من الجمعات والجماعات، فيكون لهم أجر ما كانوا يعملون قبل “كورونا”؛ لعموم قول النبيﷺ: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة»(1)، ولخصوص قولهﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما»(2).
3) صلاة العيد من النوافل؛ يثاب فاعلها ويعاتب تاركها عمدا من غير عذر، ولا يعاقب؛ فينبغي وضعها بين الأحكام في محلها، نعم هي من شعائر الإسلام لها أهميتها ومكانتها وينبغي المحافظة عليها؛ لكن لا ينبغي أن نعطي الأهمية للنوافل في الوقت الذي نضيع فيه الفرائض؛ فقد أثارت التراويح في البيوت ضجة من بداية رمضان ولم نسمع شيئا عن الصلوات الخمس، وها هي اليوم صلاة العيد وهي سنة تستعد لتأخذ بنصيبها من تلك الضجة في الوقت الذي لا يلتفت أحد إلى صلاة الجمعة وهي فريضة.
● ثانيا: حكم صلاة العيد:
اختلف العلماء في حكم صلاة العيد إلى قولين: سنة مؤكد، أو فرض كفاية:
1) المشهور عند المالكية: أن صلاة العيد سنة مؤكدة؛ وليست بواجبة؛ لأن الصلوات الواجبة محددة في خمس صلوات؛ قال الشيخ خليل: “سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ”(3)؛ وهو مذهب الحنفية؛ قال السرخسي: “والأظهر أنها سنة ولكنها من معالم الدين أخذها هدى وتركها ضلالة”(4)، وبه قال الأكثرون من الشافعية(5).
واستدلوا بحديث الأعرابي الذي سأل النبيﷺ عما فرض عليه من الصلاة؛ فلما قال لهﷺ: «خَمْسُ صلوات في اليوم واللَّيلة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تَطَوَّعَ؛ فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقالﷺ: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق»(6).
2) حكى ابن رشد الجد القول بأن صلاة العيد فرض كفاية(7)؛ وهو مذهب الحنابلة وقول لدى الشافعية؛ لأنها من شعار الإسلام وفي تركها تهاون به(8).
● ثالثا: حكم من فاتته صلاة العيد:
اختلف العلماء في حكم من فاتته صلاة العيد إلى أقوال كثيرة تجمع جميع الحالات التي يمكن أن تقع: يصليها جماعة، أو منفردا، أو لا يصليها(9)؛ قال الإمام مالك: “إن شاء صلى وإن شاء ترك”(10)؛ واختلاف العلماء يدل على أمرين: عدم وجود نص شرعي حاسم، ووجود حلول متعددة لمشكل واحد:
1) في المشهور عند المالكية:
يستحب لمن فاتته صلاة العيد أن يصليها كما يصليها الإمام: يكبر في الأولى سبعا بما فيها تكبيرة الإحرام، ويكبر في الثانية ستا بما فيها تكبيرة القيام(11)، وبه قال ابن المنذر(12)، وهو مذهب الشافعية(13). وعند المالكية الصلاة بغير خطبة بلا خلاف(14) لعدم مشروعية الخطبة في البيوت.
قال الشيخ خليل: “وَإِقَامَةُ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَوْ فَاتَتْهُ”؛ أي : يستحب لمن لم يؤمر بالجمعة وجوبا كالمرأة والمسافر والمريض، أو فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصليها(15)؛ وهل في الجماعة، أو أفذاذا؟ قال ابن حبيب: “ومن فاتته صلاة العيد فلا بأس أن يجمعها مع نفر من أهله”(16)، بينما قال سحنون: “لا أرى أن يجمعوا وإن أحبوا صلَّوْا أفذاذا”(17)؛ لأن العيد يجرِي مجرى الجمعة بدليل الاجتماع والخطبة فيهما وسدا لذريعة انقطاع المبتدعة عنِ السنة(18).
وحجتهم: ما أورد البخاري في صحيحه معلقا(19) حيث قال: “إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء، ومن كان في البيوت والقرى؛ لقول النبيِﷺ: «هذا عيدنا أهل الإسلام»(20)، وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية(21) فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم(22)، وقال عكرمة: «أهل السواد(23) يجتمعون في العيد، يصلون ركعتين كما يصنع الإمام»(24)، وقال عطاء: «إذا فاته العيد صلى ركعتين»(25)”. وروى البهيقي بسنده: «كان أنس إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهِم مثل صلاة الإمام في العيد»(26).
ومن المعلوم عادة أن تلك الأماكن المنعزلة مثل “زاوية” أنس بن مالك، و”سواد” عكرمة لا تقام فيها صلاة العيد لعدم وجود الجماعة فيها؛ ولهذا فإن هذه النصوص الواردة عن أنس وعكرمة وعطاء تشمل من فاتته صلاة العيد مطلقا: تهاونا، أو خطأ، أو نسيانا، أو غلبة لمثل مرض، أو عدما؛ أي: لانعدام إقامة صلاة العيد في المكان الذي هو فيه سواء “بالاضطرار أو بالاختيار”(27)، ولا يتعلق فوات الصلاة بوجود الإمام؛ بل قد يكون الفوات بغير وجوده أصلا كما في حديث أنس هنا الدال على أن الصلاة في البيوت ليست منوطة بصلاة الإمام؛ ويدخل في هذا حالتنا اليوم بسبب “كورونا”. والله أعلم.
2) في المشهور عند الحنابلة:
لا شيء على من فاتته صلاة العيد؛ لأنها فرض كفاية عندهم قام بها من حصلت به الكفاية فسقطت عن الباقي، وإذا لم يقم بها أحد كما في حالة “كورونا” اليوم صلاها أربع ركعات؛ قياسا على من فاتته صلاة الجمعة فيصلي الظهر أربعا(28)؛ ورُد هذا بأنه قياس مع فارق ظاهر؛ لأن من فاتته الجمعة يعود لفرضه من الظهر بخلاف العيد؛ ولكن لهم في ذلك سلف(29)؛ فقد صح أن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «من فاته العيد فليصل أربعا»(30)؛ ، وصح «أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أمر رجلا أن يصلى بضعفة الناس في المسجد يوم فطر أو يوم أضحى، وأمره أن يصلى أربعا»(31).
3) في المشهور عند الحنفية:
لا شيء على من فاتته صلاة العيد، فلا يقضيها منفردا؛ لأنها عبادة معروفة بهيئة معينة لا تصح بغيرها، ولم يرد أن رسول اللهﷺ صلاها إلا بالجماعة، ولا يجوز أداؤها إلا بتلك الصفة وإذا فاتت فليس لها خلف؛ ولكنه إن أحب صلى ركعتين إن شاء كما يفعل أنس بن مالك، وإن شاء أربعا كما يفعل ابن مسعود فيكون له أجر صلاة الضحى كسائر الأيام لا أجر صلاة العيد(32).
● خلاصة المسألة في المذهب المالكي:
صلاة العيد سنة أصلية تتعلق بها مجموعة من سنن فرعية مستقلة؛ فكونها في المصلى سنة، وكونها جماعة سنة، وكونها مع الخطبة سنة؛ ولا يلزم من تخلف إحدى هذه السنن تخلف الأصل، كما لا يسري البطلان إلى الأصل ببطلان إحداها: فمن استطاع أن يصليها جماعة في الـمُصلَّى مع الإمام بالاستماع للخطبة بعدها فقد أداها على صفتها التامة. وإذا لم يُمْكِن الـمُصلَّى صلاها جماعة في المسجد مع الإمام بالخطبة أيضا.
وإذا لم يُمْكِن الـمُصلَّى ولا المسجد -مثل حالة “كورونا” اليوم- صلاها في بيته مع أهله جماعة أو منفردا من غير خطبة؛ والصلاة في البيوت ليست منوطة بصلاة الإمام، ولا يتعلق فواتها بوجوده؛ بل قد يكون الفوات بغير وجوده أصلا؛ لما صح عن أنس مالك -رضي الله عنه- أنه كان يصلي صلاة العيد بأهله جماعة في منزله بموضع اسمه “الزاوية” يبعد عن البصرة (تقريبا 12 كيلو مترا) ولا يوجد فيه إمام.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب
الهامــــــــش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الشيخان عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: البخاري: كتاب الرقاق: باب من هم بحسنة أو سيئة: (رقم6491)، ومسلم: كتاب الإيمان: باب إذا هم العبد بحسنة كتبت…: (رقم130 و131).
(2) رواه البخاري عن أبي موسى -رضي الله عنه-: كتاب الجهاد: باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة: (رقم2996).
(3) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب: (2/189).
(4) المبسوط للسرخسي الحنفي: (2/37).
(5) الشرح الكبير (العزيز شرح الوجيز) للقزويني الشافعي: (2/347).
(6) صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب الزكاة من الإسلام: (رقم46)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام: (رقم11).
(7) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (1/165)، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: (1/396).
(8) الشرح الكبير (العزيز شرح الوجيز) للقزويني الشافعي: (2/347)، والمغني لابن قدامة: (2/289).
(9) شرح صحيح البخارى لابن بطال: (2/573)، والمسالك في شرح الموطأ لابن العربي: (3/269 و270).
(10) المدونة لسحنون: (1/246)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/330)، والجامع لابن يونس: (3/948)، وشرح التلقين للمازري: (1/1063).
(11) مواهب الجليل للحطاب: (2/197 و198).
(12) الإقناع لابن المنذر: (1/110).
(13) كتاب الأم للشافعي: (1/275)، والمجموع للنووي: (5/4).
(14) مواهب الجليل للحطاب: (2/198).
(15) لأن من أُمِرَ بالجمعة وجوبا أُمِرَ بالعيد سنة، ومن لم يؤمر بها وجوبا أُمِرَ بالعيد استحبابا. شرح مختصر خليل للخرشي: (2/104).
(16) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: (1/500)، وشرح التلقين للمازري: (1/1059).
( ) مواهب الجليل للحطاب: (2/197).
(17) الذخيرة للقرافي: (2/423).
(18) صحيح البخاري أبواب العيدين: باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين.
(19) وصله البخاري: أبواب العيدين: باب سنة العيدين لأهل الإسلام: (رقم952).
(20) المراد بالزواية: قرية على فرسخين (تقريبا 12 كيلو مترا) من البصرة كان بها لأنس قصر وأرض وكان يقيم هناك كثيرا. فتح الباري لابن حجر: (2/475).
(21) وصله عبد الرزاق في مصنفه: (3/ 332): (رقم5855)، وابن أبي شيبة في مصنفه: (2/4): (رقم5803).
(22) المراد بالسواد: الريف المكتنف للبلد المحيط به. الموسوعة الفقهية الكويتية: (39/131).
(23) وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/10): (رقم5876).
(24) وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/4): (رقم5802).
(25) السنن الكبرى للبيهقي: (6/593): (رقم6307).
(26) فتح الباري لابن حجر: (2/475).
(27) فتح الباري لابن حجر: (2/475).
(28) المغني لابن قدامة: (2/290)، وفتح الباري لابن حجر: (2/475).
(29) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/4): (رقم5800)، والطبراني في الكبير: (9/306): (رقم9532 و9533)، وقال الهيثمي في المجمع (2/205): “رجاله ثقات”، وقال ابن حجر في الفتح (2/475): “أخرجه سعيد ابن منصور بإسناد صحيح”.
(30) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/5): (رقم5816)، والشافعي في الأم: (7/176)، والبيهقي في السنن الكبرى: (6/605): (رقم6329)؛ قال النووي: في المجموع (5/5): “بإسناد صحيح”.
(31) المبسوط للسرخسي: (2/39).
خادمكم عبد الله بنطاهر التناني السوسي
مسجد الإمام البخاري مدينة أكادير إداوتنان جنوب المغرب
يوم الخميس 20 رمضان 1441هـ 14 / 5 / 2020م.