منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفاتيح العمل الديني في أوروبا|الارادة،الإستقلالية،الإنتاجية

مفاتيح العمل الديني في أوروبا | الارادة،الإستقلالية،الإنتاجية/ صلاح الدين المساوي

1

مفاتيح العمل الديني في أوروبا

الارادة،الإستقلالية،الإنتاجية

بقلم: صلاح الدين المساوي

1- الإرادة

“مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ” الشورى/20.

كل من يرشح نفسه لخدمة بيت الله والسهر على تدبير مهمامه ،لا ينفعه إلا صدق التوجه وطلب رضا الله، ومن زاغ عن القصد، واتخذ المسؤولية وسيلة لقضاء مآرب شخصية، و أخرى حزبية ضيقة، عوقب بالحرمان، وضاعت منه البوصلة، فأصبح تائها في بحر الظلمات ،لا منقذ له من الغرق المحتوم، سوى العودة إلى خالقه مؤمنا تائبا عاملا عملا صالحا، ولسان حاله لا ينفك عن ذكر الله”سبحانك إني كنت من الظالمين “.

لعل تحرير الارادة وإيقاظ الهمم، يشكل عاملا أساسيا في بناء المسجد الاوروبي النموذجي، فمن كانت همته هابطة وقزّم رسالة المسجد في أداء الصلوات الخمس، ثم بعد ذلك يغلق، فقد أساء وظلم!!! ذلك لكونه يساهم في منع ذكر الله الشامل، وحصر روحانية المسجد التي تتعدى كل الأسوار والجدران ،لتشمل كل مناحي الحياة والمجتمع قال تعالى”ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها” البقرة/114.

الإرادة المطلوبة في كل حركة وخطوة نخطوها في طريق “العمل الديني ” هو الفوز بمعرفة الله “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” ، ومن كان همه شق الطريق لنيل درجة عالية في مزاحمة “أهل الرئاسة”، وتحقيق المنصب والظهور في السياسة-وإن كان لابد منه- فإنه يمشي في ليل مظلم على طريق محفوفة بكل المخاطر، يوشك أن يقع فيها، فيهلك كما أهلكت من قبله.

الإرادة الحرة، والفاعلة في التاريخ ،تهدف إلى خدمة الدعوة الى الله خدمة متزامنة متساوقة و مترابطة بين الدلالة على الله وحمل هم الأمة والإنسانية جمعاء، وهذا الهم لا يولد إلا في المسجد-محضن الوجود والتربية والإنجاز- في حضن صحبة صالحة تعين المرء على اقتحام العقبة والسير إلى الله،“الرحمان فاسأل به خبيرا”الفرقان/9.

ونقصد بالمسجد كل بيت يذكر فيه إسم الله بحرية ،دون وصايا ولا رقابة، ولهذا نجزم ونقطع علم اليقين، أن المسلمين لن تكون لهم قائمة في العالم، حتى يتحرر المسجد من ربقة الاستبداد ليعود إلى وظيفته الأساسية وهي “بناء الإنسان الحر”.

2- الإستقلالية

من خصوصيات المسجد الأوروبي أنه يتمتع بالاستقلالية الكاملة في التسيير والخطاب، فهو غير تابع لجهة حكومية أو حزبية ما ،تثقل كاهله بالقرارات والتعليمات الإدارية. كل ما في الأمر أنه مؤسسة دينية تمارس وظائفها بحرية، في ظل احترام القانون العام الذي يخدم مصلحة الدولة والمجتمع المتعاقد عليها. وفي هذا الاطار يتحمل كل العاملين في الحقل الديني مسؤولية “إبقاء المسجد لله” دون تحويل وجهته وإفراغه من محتواه الرسالي العالمي، الذي يسع الجميع” وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا” الجن/18

3- الانتاجية

كلما كان العمل موافقا لأمر الله ومخلصا له، إلا و ترك أثرا طيبا وغرسا مستمرا لا تنقطع ثماره أبدا.
ويظهر ذلك ويتأكد في العمل الديني الاوروبي على مستويين إثنين:

رسالة الإمام و مهمات الإدارة.

أولا: رسالة الامام:

تبرز أهمية الرسالة هنا في التكوين المستمر والاعتناء بتطوير الذات قبل تصدر المنابر والخطاب في الناس. وهذا المطلب ليس بالأمر الهين، حتى يترك للأشخاص والمبادرات الفردية -وإن كان هذا عاملا حاسما في التكوين- لكن يحتاج إلى إنشاء مؤسسة (تكوين الأئمة) وفق برنامج واضح المعالم، يسهر على صياغته أهل الاختصاص من علوم شرعية وأخرى إنسانية، من أجل بناء شخصية الفقيه الاوروبي المنفتح على الواقع بعينين فاحصتين؛ شرعية و كونية. ولهذا ندعو الهيئات المشرفة على (العمل الديني) أو نقول بالأحرى عمل المساجد، كالمفوضية الإسلامية التي تمثل كل المسلمين في إسبانيا مثلا، والفدراليات الوطنية والمحلية التي تحمل هم المسجد ،والارتقاء به رساليا ووظائفيا ،إلى إحداث هذه المؤسسة (تكوين الامام) ،والسهر على إنجاحها تنظيرا وتنزيلا و متابعة وليس (تكتيكا سياسيا) ، قبل أن تأخذ الدولة المبادرة بدعوى الحفاظ على السلم والأمن القومي، فتسحب بذلك البساط من المسلمين ،تماما كما يحدث في فرنسا الآن ،فتكون النتيجة مضايقة الأئمة وطردهم من وظائفهم ومحاربة الإسلام عموما.

ماذا نقصد بتكوين الامام؟

قصدنا من وراء ما ذكرنا كله هو بناء الرجل المناسب في المكان المناسب، ولذلك لا مناص -أعيدها وأكرر- من تكوين الإمام علما وانفتاحا لأنه هو الواجهة البارزة في الدعوة إلى الله والمنبر( الاعلامي) للخطاب الإسلامي؛ فبالإضافة إلى حفظ القرآن وضبطه خطا وتجويدا، لكي يحبب الناس في الإقبال على كتاب الله ،والإعتناء به تلاوة وتعليما ،وفهما وممارسة، ينبغي للإمام الذي ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخاطب الناس على منبره ،أن يهتم اهتماما بالغا بالعلوم الشرعية أولا؛ دراسة واطلاعا وبحثا مستمرا وتجديدا ،مع الانفتاح على باقي العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والفلسفة والحضارة والتاريخ والسياسة…لأن في تعلمها يستطيع أن يكسب آليات جديدة و متطورة في التعامل مع مستجدات العصر، وفهمها فهما دقيقا ومتكاملا، يساعده و يمكنه من خاصية التجديد ،والإبداع، ومسايرة الواقع الذي يحيط به. أما تعلم لغة أهل البلد فهو أولى الاولويات، لتبليغ دعوة الاسلام تبليغا سليما،“وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبلغ لهم” سورة إبراهيم الآية 4.

واللسان هنا يقصد به لغة القوم ،وطبائعم، وعاداتهم، وثقافاتهم، فالإمام النموذجي هو من ينفتح على الناس من حوله، ويغشى مجالسهم الثقافية، و منتداياتهم الحوارية ،لكي يثبت حضوره المتميز أولا، ثم يربط علاقات مع الناس ليَفهمهم ويَفهمونه، كما يجب عليه أيضا أن يدعوهم لحضور مجالس العلم والإيمان في المراكز الإسلامية ويطلعهم على آداب وكرم ديننا الحنيف….وفي هذا الصدد بلغني أن أحد الخطباء بفرنسا ، يستدعي كل يوم الجمعة فئات من الناس (اليهود، النصارى،ملحدين،مثقفين من مشارب شتى…) لحضور الخطبة، ويُخصص لهم جناحا خاصا في المركز الإسلامي، ثم بعد الانتهاء من الجمعة يجتمع بهم لمدارسة ما جاء في الخطبة من مواضع وأفكار شتى… ،و بهذه الوسيلة المتاحة والممكنة يسهل إسماع الفطرة للناس، بل يفتح أبواب الإبداع للدعوة والتبليغ.

نرجع إلى ضرورة انفتاح الإمام على محيطه لما له من أهمية بالنسبة للإمام نفسه ،وكذا على مستوى الدعوة إلى الله ، فهذه قصة واقعية حدثت معي شخصيا؛ كنت قد خطبت ذات مرة بمناسبة إنتصار غزة على الصهاينة سنة 2014 ، وبعد شهور بدأت تتعال أصوات إعلامية مغرضة تصفني بأنني أدعو إلى الكراهية والتطرف، و تتهم البلدية التي أقيم بها بأنها تحمي إماما إرهابيا بالسكوت عنه وعدم محاسبته
، بغرض تشويه سمعتها، والإطاحة بها في الإنتخابات القريبة آنذاك، وهذا إن دل على شيئ إنما يدل على الحسابات الضيقة لدى الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تحمل كرها شديدا للإسلام والمسلمين.لكن بفضل الله تعالى وجهود بعض المروءات السياسية و الإنسانية، خاب مسعاهم وانقلبوا خاسئين؛ فهذا رئيس الجماعة الحضرية يكتب بيانا توضيحيا يضحض فيه كل أكاذيب الإعلام المتعلقة بالخطيب “صلاح الدين المساوي” ،ويثبت بأن” الشخص المتحدث عنه ووصفه ب”الإرهابي” نعرفه جيدا ونعرف الجمعية الاسلامية التي يعمل بها، فهم دعاة الرفق والتعايش والاندماج، ولهم مع الإدارة المحلية مشاركات عديدة في الأنشطة الثقافية والمظاهرات التنديدية بالعنف والإرهاب الذي يقع في العالم باسم الإسلام، فلا داع للمزيدات…” ، المهم كانت هذه شهادة متميزة أثلجت صدورنا بحق. ولولا الحضور الإيجابي والفعال في الميدان-بعد التوكل على الله- لوقعنا ضحية في يد الجلاد! وهذه واحدة من الدروس المستفادة في هذا الباب، يمكن تلخيصها في رفع شعار “الدعوة: خطابا و فعلا ” بمعنى الدعوة هي خطاب باللسان وحضور في الميدان، لقوله تعالى“ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته..” وأسطر على كلمة “وإن لم تفعل” لإثارة الانتباه إلى أن الدعوة هي فعل وحركة ومشاركة في الميدان.

ثانيا- مهمات الإدارة:

العاملون على بيت الله هم طائفة مسؤولة أمام الله والعباد، وإن كان عملا تطوعيا،لأنهم قبلوا بالوظيفة ورضوا بإضافة حساب إلى حسابهم، فسوف يحاسبهم الله على نياتهم وأعمالهم “وقفوهم إنهم مسؤولون” “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”. فالأمر عظيم وجلل، وليس كما يتصور البعض أنه رئيس مسجد ويفتخر !

بل هي أمانة مطوقة بها أعناقهم! ماذا فعلت بمال الله الذي جمعته لبيته؟ كيف تراك تتصرف فيه؟ هلاّ برأت ذمتك، فالمال لما جُمع له ؟ لا يجوز لك ان تتصرف فيه فتعمد إلى أخذ أجرة عن عملك،تذكر أنك متطوع! ولا أن تقرضه لنفسك، فتوسوس لك بالسوء، فتصير من الهالكين!
وظيفتك أيها المسؤول أن تخدم بيت الله بدمك وعقلك وقلبك، عسى الله أن يكتبك مع “رجل قلبه معلق بالمساجد” ،كل ذلك من أجل أن تحبب بيته لخلقه ،وترغبهم في عمارته، وذلك عبر تسيير جيد لدواليب الإدارة،وهذا يقتضي الاجتهاد اللازم لكسب مقومات التسيير والإدارة، لإعطاء النموذج الناجح في إتقان العمل، فلا بد من دراسة علم التواصل وكيف تكسب الناس وتؤثر فيهم، لأنك أيها المسؤول تقف على باب عظيم من أبواب الله ،فإن لم تحسن أساليب الحوار وفن الإقناع وتحبيب الخير للناس والصبر على أذاهم، فقد تتحول إلى آلة نقمة تصد عن سبيل الله من حيث لا تدري، وإن حصل لك هذا لا قدر الله تكون قد خسرت دنياك وآخرتك.

ثم من المهام الجليلة؛ الاعتناء الفائق بطهارة البيت حسا ومعنى، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإنه يحب التوابين ويحب المتطهرين،وهذه مهمة الأنبياء ومن سار على منهجهم“وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود” البقرة/125

  • ومن مهامها أيضا :

-الانفتاح على محيط المسجد لنسج علاقات ودية مع الجيران واحترامهم وعدم إزعاجهم بسبب ضوضاء المصلين أثناء الدخول والخروج من المصلى ، و التواصل معهم خصوصا في المناسبات الدينية والمواسم الخيرية، كرمضان والأعياد حيث يكثر الوافدون على المسجد فيزداد إزعاج الجيران ،والصلاة في الشارع، وما ينتج عن ذلك من قطع الطريق عليهم وتعطيل بعض مصالحهم، برغم إشعار السلطات وتحركها إلى عين المكان.

-العمل على تنظيم ” الأبواب المفتوحة للمسجد”، واستدعاء الجيران والأصدقاء والإداريين من أجل التعرف على مهام المسجد ودوره في تربية النشء على القيم المجتمعية المحمودة، وإبراز أهميته في الدعوة إلى المشترك الانساني والحفاظ على ثوابته.

-إبداء الرغبة والاستعداد للمساهمة في أعمال خيرية و اجتماعية للحي.

-الاهتمام بالشباب دعوة واحتضانا وتعليما.

-فتح المجال للمرأة لتعمل وتشارك وتزاحم الرجال في مهمات التسيير والاقتراح والممارسة، و عدم الاكتفاء بجعلها في قفص صغير في مؤخرة المسجد واختزال حضورها في الجمعة والأعياد فقط. بل دورها أكبر من هذا بكثير حضورا للصلاة ، ومشاركة في الأنشطة التربوية ، تعلما وتعليما.

وهكذا ينبغي ان تكون لجنة المسجد على وعي تام بمحيطها الاجتماعي والسياسي، لكي تعرف ما لها وما عليها. وتساهم بجودة عالية في تقديم خدمات دينية وإنسانية داخل حيها ومدينتها. وأن تخرج من حصر وظيفتها في بناء الأسوار ونظريتها العقيمة”يمشي إمام ويجي إمام”!!!
بمعنى آخر أن يترفع المكتب المسير عن سفاسف الأمور، وأن ينظر بعيدا بعيدا لكي يستلهم مبادئ العمل بروح عالية، تجاه أمته الأسلامية ومن تجمعه بهم علاقة إنسانية، من أجل تبليغهم دعوة الإسلام طاهرة نقية يشهد بصفائها وودها العدو قبل الصديق.

تعليق 1
  1. Abdelkader yahyaoui يقول

    حفظك الله اجدت وأفضت ، مهام الامام التعليمية والتربويةوالدعوية مرتبطة بجماعة المسجد واوتاد المسجد، جماعة حاملة متهممة بني رجالها بتربية دائمة حاضنة قائدها الامام. لها برنامج سنوي يؤطر انشطتها ويحيط بكل متطلباتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.