دائما ما نسمع أن الشّاعر يولد شاعرا و الفنان يولد فنانا، لكن هل كذلك الكاتب يولد كاتبا ؟ أم ينطبق عليه حديث رسول الله ﷺ ” إنَّما العِلمُ بالتَّعلُّمِ و الحِلمُ بالتَّحلُّمِ “.
في نظري أن الكتابة جمعت بين الموهبة و الاكتساب، بحيث أن ملكة الكتابة تخلق مع الإنسان، لكن لا تكتمل إلا باكتساب الخبرة و الدراسة و القراءة الوافرة ثم القراءة ثم القراءة بنهم، ولكن ليست القراءة السريعة التي يسميها أيمن العتوم ” مرور الفراشة على الصخرة “، اقرأ بتآني و مذكرتك معك تدون فيها الأفكار الجديدة و الكلمات الجميلة.
و لا تحسب أن القراءة هي كرسي و كتاب و فنجان قهوة، بل هي صبر و مصابرة و مصاحبة للكتاب، كما قال يحيى ابن ابي كثير ” لا يستطاع العلم براحة الجسد “، إذن لا بد من المطالعة الكثيرة لامتلاك فصاحة و لغة رصينة ووفرة في المفردات.
يقال أيضا بأنّ الشاعر الحقيقي ليس من ينظم قصيدته و إنما القصيدة هي من تنظمه، كذلك يمكن إسقاط هذه النظرية على شخصية الكاتب الحقيقي الذي يناديه ذلك الصوت الداخلي في أعماقه لكتابة ما يختلجه من شعور و إحساس ينثره في حروف إبداعية تدبُّ فيها الحياة.
مثل ذلك الكاتب الذي وصف دمعة حبيبته حين قال ” ما رأيت دمعة تترقرق من عين على ديباجة خدٍّ أحسن من عبرة أمطرتها عيناك “.
أو حينما وصفت رضوى عاشور غرناطة في ثلاثيتها، حين جعلت التاريخ المهمَّش يحيا من جديد بعيدا عن القصور و صراع النياشين ، لتنقلنا إلى حي البيازين و تصف لنا مراسم الزَّواج و الحياة الدينية و أحاديث الأندلسيين داخل رَوْضات بيوتهم تحت أنغام صوت الماء الخارج من النافورة التي تزيدها جمالا الأزهار المعلقة و أشجار الليمون و الزيتون.
لا يستطيع الكاتب وصف الأحداث و تصوير المشاهد هكذا إلا إذا كانت روحه معجونة في كتاباته يحسها و يعيشها وجدانا قبل أن تصبح كلمات، و يضع القارئ و كأنه يشد على يديه فيتجول به بين الأماكن فيريه الأحداث أمامه، و هذا هو الفرق بين الكتابة الجافة و الكتابة الحية التي تجدها عذبة على اللسان.
هذا الأسلوب يتميز بالسهل الممتنع الذي يعتمد على البساطة و البلاغة ، و السرد من غيل ملل، و التشويق من غير تكرار، و هذا التخصص يُعد من الفنون التي لا يتقنها إلى الكاتب البارع الذي يحمل قلمه في يديه كأنها ريشة يعزف بها على أوتار العود يسمعنا بها أعذب الألحان.
لذلك أوصي نفسي أولا و كل من يطمح أن يصبح كاتبا، لا تستعجل قطف الثِّمار و دعها حتى تنضج، بل و تمَهَّل بتُؤَدَة حتى تسقط لوحدها، و هنا لا محالة ستفرز لنا هذه الثمرة جمالا و حلاوة.
و لكن لا تنسى بأن تكون قارئا جيدا أحسن لك من أن تكون كاتبا فاشلا.