كيف نفهم العالم؟ وكيف نسير في دروبه؟
كيف نفهم العالم؟ وكيف نسير في دروبه؟/ أشرف طاهرية
كيف نفهم العالم؟ وكيف نسير في دروبه؟
بقلم: أشرف طاهرية
لا شك أن ما تعج به مواقع التواصل الاجتماعي من نقاش ساخن عند كل حدث دولي يَهمّ الأمة الإسلامية، مثل حدث الاعتداء الصهيوني على القنصلية الإيرانية في سوريا وما تلاه من تطورات، أمرٌ محمود، ومؤشر حيوية، ودليل على تهمّم المسلمين بقضايا أمتهم بحثاً عن الفهم الصحيح للأحداث، واستخلاصا للدروس، وتمييزا لمناصري قضايا الأمة الصادقين من غيرهم المتخاذلين، لكنّ الحديثَ في شؤون الأمة جَرْحاً وتعديلاً من دون عُدّةِ نظرٍ مؤهِّلةٍ لذلك مغامرةٌ لا تليق بمن يحمل مشروعا تغييريا جادّا، فقد تجعلنا نخبط خبط عشواء، ونهدم من حيث نظن أننا نشيّد ونبني.
ليست عملية التحليل في مجال السياسة الدولية بالأمر الهين، وخاصة في زمننا الراهن الذي يعرف تسارعا كبيرا في حركية المنتظم الدولي، وتشابكا عالميا غير مسبوق للمصالح، حتى إن خبراء هذا المجال لا يكادون يجتمعون على رأي واحد، ويتحفظون كثيرا في التعليق على الأحداث الجارية، وإذا عبروا عن رأيهم لا يسمحون لأنفسهم بالمجازفة بالحديث بقطعية ووثوقية، لأنهم يدركون محدودية منظورهم أمام ما يعتمل المسرح الدولي من إرادات وتفاعلات كثيرة، إذ لا بد للتحليل الرزين من توفّر ما يكفي من المعلومات الصحيحة المفسِّرة، وفي غيابها نكون فقط إزاء افتراضات وتكهنات لا غير. ثم لا بد أيضا، من القدرة على تنظيم هاته المعلومات تنظيما منطقيا يحترم تعقيدات فضاء تبلورها، فالتحليل وِفق ثنائية الأبيض والأسود تحليل تبسيطي لا يناسب طبيعة الواقع الدولي المعقد. وعلى كل حال، فكل تحليل يبقى عرضة للتسفيه أو محلا للتنويه بعد أن ينجلي غبار الأحداث في الآتي من الأيام. وكم قرأنا من تحليلات متسرعة يوشك أن يقسم أصحابها أنها الحق المبين ليتضح في الغد أن لا شيء يجمعها بالحق سوى ادّعاء أصحابها. وكم من “تحليل” صدر عن شخصيات محترمة خانها التخصص فقالت عجبا.
كتب رجا بهلول (رئيس تحرير دورية تبيُّن) مقالًا تحت عنوان: “حول نظرية المؤامرة”، يُقدم فيه تفسيرا لمَيْل الشعوب العربية إلى تصديق نظريات المؤامرة، معتبرًا ذلك أمرا مفهومًا، لأنهم في العصر الحديث قد وقعوا ضحية مؤامرات حقيقية أكثر من غيرهم، فهم ضحية أنظمة مستبدة، تُجيد صَنعة تلفيق التهم والتآمر على المعارضين. ونبّه إلى أنه لا يجب أن نغفل عن حقيقة أنّ التآمر شيء حقيقي على مختلف صُعُد الحياة، لكنْ، علينا ألا نستسهل تقديم تفسير تآمري لكل أمر نطلب له تفسيرا، لأن من شأن ذلك أن يُفسد تفكيرنا، وأن يُبعدنا عن الحقائق، ويُعلمنا الكسل الفكري.
نعم، إنّ من أساسيات التحليل السياسي أن نفترض دوما أنّ جزءًا كبيرا من الحقيقة موجودٌ خلف الستار، وخلف المُعلن، وأنه لا يجب مطلقا الارتكان إلى ظاهر الأشياء من دون تمحيصها. قال سيناتور أمريكي سابق: “إنّ أولى ضحايا الحرب الحقيقةَ”. صدَق السيناتور الأمريكي، فهُمْ أدرى الناس بأساليب التضليل والتمويه. لكنْ، لنَحذر في الوقت نفسه أن تستهلكنا مقولات نظريات المؤامرة دون أن نتثبت التثبت اللازم، فنتيه في عوالم لا ضوابط لها إلا شكوكنا ومخاوفنا، مثل وصفِ بعض من نحسبهم من الغيورين الصادقين للصراع الإيراني/الصهيوني بالمسرحية، وصفٌ لا يُفهم مدى بُعده عن الواقع إلا بعد استرسال أصحابه في الحديث عن الخلاف السني/الشيعي بغير مناسبة، وإقحامهم إياه بشكل تعسفي في سياق لا يستدعي ذلك الإقحام، لا واقعا، ولا كياسة. تحليلُهم هذا أقرب إلى تعبيرٍ عن مخاوف منه إلى التحليل السياسي الرصين.
عند كل حدث دولي بارز تظهر الحاجة إلى بسط الأسس التي تقوم عليها النظرية المؤطرة لفهمنا -نحن المسلمين- للعالم، ولكيفية سيرنا في دروبه، والتي توفر لنا آليات الاستيعاب والتحليل لواقع دولي معقّد، وتُحدد للأمة معيار التمييز بين الحليف والعدو، سواء على المستوى الاستراتيجي أو المرحلي، وترسم خطة عمل واضحة الأهداف والوسائل ينضبط لها العاملون لنهضة الأمة الإسلامية، كل من موقعه وحسب إمكانياته.
لا يخفى على أحد اليوم أهميةُ وراهنية هذا الورش لأي مشروعِ تغييرٍ وطني محلي، فما أن يجد هذا المشروع المحلي طريقه للتبلور على أرض الواقع حتى ينتصب التحدي الدولي ماثلا أمامه، لا يُمهله، ولا يُنظره إلى وقت إنضاج رؤية هادية لفعله الخارجي.
إنه ورش صعب وشائك يحتاج إلى تضافر الجهود لمواصلة الاجتهاد، تطويرا وتفصيلا وتحيينا، في اتجاه توحيد جهود الأمة وإيقاف نزيف التشرذم، وفتح مسارات دولية للتصدي لمطامع الاستكبار العالمي، خدمةً لأهداف التحول المنشود في التأسيس لمستقبل الحرية والكرامة والعدالة للأمة العربية والإسلامية.