نصرة دليل الحدوث الأشعري في وجه الإلحاد المعاصر
محمد رضا أجبار
نصرة دليل الحدوث الأشعري في وجه الإلحاد المعاصر
بقلم: محمد رضا أجبار
قد شاع في الساحة الفكرية المعاصرة، وقيل زورا وبهتانا، أن علم الكلام قد انتهى، وأن براهين المتكلمين التي بلغت كمال العقل وكمال البنية الحجاجية، والتي حصنت دين الإسلام والمسلمين لزمن طويل، وذبت عن بيضة العقيدة قرونا، قد أصبحت من التاريخ بعد مجيء الفيزياء الحديثة.
ويستند هذا الهراء وهذا التضليل إلى دعوى إلحادية جديدة، وهي أن العلم قد استغنى عن فكرة الخالق المدبر، الخالق المدبر، وأن الكون يمكن أن يوجد من لا شيء، من لا شيء بلا سبب (1).
وهذا المقال الذي سأبسطه بين أيديكم يريد أن يبرهن على عكس ذلك تماما. إن الفيزياء المعاصرة لم تقتل دليل الحدوث الأشعري، ذلك الدليل الذي يبين تماسك العقل الأشعري وبلاغ بيانه وكمال استدلاله العقلي، بل كانت أكبر انتصار تاريخي له، وإن نظرية الانفجار العظيم ليست إلا الترجمة العلمية الحرفية لما أصّله السادة الأشاعرة قبل ألف سنة في وجه الفلاسفة القائلين بقدم العالم.
المبحث الأول: تحرير دليل الحدوث عند السادة الأشاعرة
يقوم دليل الحدوث كما قرره وحققه سادتنا، إمام الحرمين الجويني وحجة الإسلام الغزالي والإمام السنوسي، على ثلاث مقدمات ضرورية لا يتم البرهان إلا بها (2).
أولا: العالم متغير._ والعالم عندنا هو كل ما سوى الله تعالى. وتغيره مشاهد بالضرورة التي لا تدفع، فالأفلاك تتحرك بعد سكون، والنجوم تولد وتموت، والإنسان كان عدما محضا ثم وجد. فالحركة والسكون والأعراض لا يخلو عنها جسم قائم بذاته (3).
ثانيا: كل متغير حادث._ وهذه هي قلب البرهان وروحه. ومعنى الحادث أنه موجود بعد أن لم يكن. وبيان ذلك أن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان يأتيان ويذهبان ويتعاقبان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث (4). ولو كان قديما أزليا لاستحال وجود الحوادث فيه، لأن القديم ما لا أول لوجوده، وما لا أول لوجوده يستحيل عليه العدم والزوال عن صفة إلى صفة، وإلا لكان قابلا للعدم وما يقبل العدم لا يكون قديما (5).
ثالثا: كل حادث لا بد له من محدث._ وهذه مقدمة فطرية ضرورية، مركوزة في العقول، فإن العدم المحض لا يخلق شيئا لأنه لا شيء، وفاقد الشيء لا يعطيه. فإذا ثبت أن العالم كان بعد أن لم يكن، فلا بد له من موجد يخرجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود (6)، وهذا الموجد لا بد أن يكون قديما ليس بحادث، وإلا لافتقر إلى محدث آخر ولزم التسلسل الباطل (7).
والنتيجة التي لا محيد عنها: العالم حادث، وكل حادث له محدث، فالعالم له محدث قديم هو الله تعالى، جل جلاله.
المبحث الثاني: اعتراضات الفيزياء الإلحادية ونقضها
1. دعوى قدم المادة: “المادة لا تفنى ولا تستحدث”.
وهذا قانون كيميائي صحيح داخل النظام الكوني، يتحدث عن تحول المادة لا عن أصلها ومنشئها. فبقاء المادة وتحولها داخل الإناء لا يدل على قدم الإناء نفسه وقدم صانعه. وقد أبطل السادة المتكلمون هذا القول منذ القديم في ردهم المحكم على الدهرية القائلين بقدم العالم (8).
2. دعوى ستيفن هوكينغ: “الكون خلق نفسه”.
قال هوكينغ في كتابه التصميم العظيم: “بسبب وجود قانون مثل الجاذبية، يمكن للكون أن يخلق نفسه من لا شيء” (9). وهذا تناقض منطقي صريح، نبه عليه متكلمونا، فإن القانون لا يخلق، القانون يصف ويكشف. قانون الجاذبية هو وصف لكيفية عمل المادة، فكيف يكون موجودا قبل وجود المادة التي يصفها؟ وكيف يكون القانون سببا في الخلق وهو نفسه محتاج إلى محل يقوم به؟ وهو يشبه قول من يقول إن قانون كرة القدم هو الذي خلق اللاعبين والميدان (10).
3. دعوى لورنس كراوس: “كون من لا شيء”.
وهي أخطر الدعاوى وأكثرها تلبيسا، حيث قال كراوس إن ما نسميه لا شيء هو في الحقيقة فراغ كمي مليء بالحقول المتقلبة والقوانين (11). والجواب أن هذا الفراغ ليس عدما فلسفيا، بل هو شيء موجود له طاقة وقوانين تحكمه وتضبطه. وقد رد عليه الفيلسوف الفيزيائي الملحد نفسه، ديفيد ألبرت، فقال: “ما يسميه كراوس لا شيء ليس لا شيء، بل هو شيء، فيه قوانين وفيه طاقة، أما العدم الحقيقي فهو لا قوانين ولا طاقة ولا شيء إطلاقا” (12). وهذا هو نفس قول السادة الأشاعرة المحقق: العدم المحض لا يخلق شيئا ولا ينتج شيئا.
المبحث الثالث: الانفجار العظيم انتصار متأخر لدليل الحدوث
لقد قال الفلاسفة القدامى كأرسطو وابن سينا بقدم العالم وأزليته، وزعموا أن العالم قديم مع الله. ورد عليهم السادة الأشاعرة بدليل الحدوث وأثبتوا أن للعالم بداية ونهاية، وأن القول بقدمه باطل عقلا وشرعا.
وجاءت الفيزياء في القرن العشرين، بعد أربعة عشر قرنا، لتؤكد قول الأشاعرة وتخذل قول الفلاسفة. فبعد أرصاد هابل لتمدد الكون، واكتشاف إشعاع الخلفية الكونية الميكروي سنة 1965 الذي يعتبر الدليل التجريبي القاطع على الانفجار العظيم (13)، أجمع الفيزيائيون اليوم على أن للكون بداية زمانية قبل 13.8 مليار سنة، كان فيها الزمان والمكان والمادة مضغوطة في نقطة مفردة ثم توسعت بأمر الله (14).
ومعنى هذا أن العلم التجريبي انتهى إلى نفس ما انتهى إليه دليل الحدوث الأشعري: للعالم بداية، وما له بداية فهو حادث، وما هو حادث فلا بد له من محدث خارج عن الزمان والمكان، قديم قائم بذاته. ولذلك قال الفيزيائي بجامعة كامبريدج جون بولكينهورن: “إن نظرية الانفجار العظيم هي ما كان ينتظره اللاهوتيون، إنها أقرب صورة علمية لعقيدة الخلق من العدم” (15).
فالذي مات ليس دليل الحدوث، بل الذي مات هو قول الفلاسفة والدهرية والملاحدة بقدم العالم.
الخاتمة
دليل الحدوث لم يمت، بل تجددت قوته وظهر برهانه. كل ما نحتاجه اليوم هو تحريره من مصطلحات الجوهر والعرض اليونانية التي صعبت على المعاصرين، وإعادة صياغته بلغة “البداية الزمنية” و”استحالة التسلسل اللانهائي” و”ضرورة المحدث” مع الحفاظ على روحه الأشعرية.
والطالب الذي يتقن هذا الدليل، دليل السادة الأشاعرة، يستطيع أن يقف أمام أي ملحد اليوم ويقول له مطمئنا: أنت تدعي أن الكون بلا بداية، والعلم يقول له بداية. وأنت تدعي أن البداية بلا مبدئ، والعقل السليم يقول كل حادث لا بد له من محدث قديم هو الله.
الهوامش
(1) انظر: ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ولورنس كراوس، كون من لا شيء A Universe from Nothing كمثال على هذه الدعوى.
(2) انظر: عبد القاهر البغدادي، أصول الدين، ص 69.
(3) انظر: إمام الحرمين الجويني، الشامل في أصول الدين، تحقيق علي سامي النشار، ص 123-135.
(4) انظر: الجويني، الشامل، ص 124: “الدليل على حدوث العالم: أن العالم أجسام، والأجسام لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث”.
(5) انظر: أبو حامد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، طبعة دار المنهاج، ص 34-38.
(6) انظر: السنوسي، شرح أم البراهين مع حاشية الدسوقي، ص 60-65.
(7) انظر: الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 36: “كل حادث فلا بد له من محدث، والمحدث لا بد أن يكون قديما”.
(8) انظر: البغدادي، أصول الدين، ص 72-75 في رده على الدهرية، وعضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ج2 ص 210.
(9) Hawking & Mlodinow, The Grand Design, 2010, p.180: “Because there is a law such as gravity, the universe can and will create itself from nothing”
(10) انظر في نقده: John Lennox, God and the Universe – فصل الرد على هوكينغ.
(11) انظر: Lawrence Krauss, A Universe from Nothing, 2012, Ch.9
(12) David Albert, Review of Krauss, New York Times, March 23, 2012: “What Krauss calls nothing is not nothing, it is something”
(13) انظر: Penzias and Wilson, A Measurement of Excess Antenna Temperature at 4080 Mc/s, 1965 – وهي الورقة التي اكتشفت إشعاع الخلفية الكونية.
(14) انظر: Stephen Hawking, A Brief History of Time, الفصل الثالث: تمدد الكون، والفصل الثامن: أصل الكون ومصيره.
(15) انظر: John Polkinghorne, Science and Faith, p.45-62