منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأفغاني .. وعبقرية ابن حزم

0

مقدمة

الأفغاني وحده لا تفيه حقه دراسة كبيرة ومستفيضة، أو أطروحة جامعية، فكيف إذا أضيف إليه ابن حزم، وهذه الدراسة لا تسعى إلى الاستغراق والاستفاضة والاستقصاء لحياة الأفغاني وآثاره، كما لا تسعى إلى الإسهاب في إظهار وبيان عبقرية ابن حزم، بقدر ما تسعى إلى الإشارة والتذكير والإضاءة، وحسبها ـــ أي الدراسة ـــ أن تنظر إلى الأول باعتباره قارئا للثاني ومتأثرا به إلى حد الإعجاب والتقدير، إن لم نقل التماهي.

الأفغاني

درءا للشبهة وللالتباس نقدم تعريفا موجزا للأفغاني هذا الذي يتفق اسمه مع أفغاني آخر، الآخر اسمه ” جمال الدين الأفغاني”، وهذا الذي نقصده بالدراسة اسمه سعيد الأفغاني، الكاتب المؤرخ، والعالم البحاثة، عاش ما بين ( 1909 ــــ 1997م )، يقول عنه الدكتور محمد رجب البيومي: ” .. انتقل إلى رحمة الله الأستاذ الأديب العالم الحجة سعيد الأفغاني في فبراير ( سنة 1997 ) عن ثمانية وثمانين عاما قضاها في البحث المتصل في شتى علوم الثقافة الإسلامية، .. فقد ترك آثارا جيدة في محيط التاريخ الإسلامي، أكثرها ابتكار فذ لا نكران لتفرده، كما كان ناقدا علميا، يرصد ما يجد في الساحة الفكرية، ليعلن رأيه في قوة قد تكون صارمة في بعض الأحيان، وكانت مقالاته وبحوثه في هذا المجال موضع التقدير والانتقاد؛ والانتقاد لا يوجه لكتاب تقليدي، ولكن يوجه لكتاب مبتكر، وهو حينئذ علامة سبق وبروز، والكتاب الجيد هو الذي يظل موضع الأخذ والرد في حدود البحث العلمي النزيه “[1] والرصين.

ترك سعيد الأفغاني مؤلفات علمية تطبَعت بطابع الكثرة والتنوع، أغنى بها الساحة الفكرية والثقافية العربية والإسلامية والإنسانية من أبرزها: ” الإسلام والمرأة، وأساوق العرب في الجاهلية والإسلام، وعائشة ــ رضي الله عنها ــ والسياسة، وفي أصول النحو، وتاريخ النحو، ومذكرات في قواعد اللغة العربية، ونظرات في اللغة عند ابن حزم، وابن حزم الإمام المحب، والظاهرية وابن حزم “[2]، .. وغير هذا كثير يرجع إليه في المظان.

عبقرية ابن حزم ( 384 ــ 456 ه)

لا أبالغ إن قلت في تعريف موجز بأن العبقرية هي ابن حزم، وابن حزم هو العبقرية، أتي بالجديد في كل الأمور الذي تطرق إليها، كان يرفض التقليد، ويأبي أن يفكر أحد بالنيابة عنه، لا يسلم بالفكرة إلا إذا قوبلت بنظيراتها، ولا بالحجة إلا إذا سلمت من النواقص و الاعتراضات، .. فابن حزم ملأ الدنيا وشغل الناس في حياته ومماته، أثر في التاريخ، بل أصبح تاريخا توجه إليه الأنظار للدارسة بغاية الفهم لظواهر سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية وحتى اقتصادية، وأثر أيضا في السياسة والمجال، ارتبط اسمه بحضارة عريقة، حضارة الأندلس، اسم الأندلس وحده حضارة، ارتبط اسمه باسمها، وخلد ذكراه بذكراها، يقول عنه الأفغاني: ” ابن حزم من أينع الثمرات التي انشق عنها فردوسنا المفقود ( الأندلس )، فهو من أعلام الدين، والشعر، والأدب والسياسة، والتاريخ والفلسفة “[3].

الأفغاني رحمه الله لا يجد مضاضة ولا حرجا في التصريح والإفصاح عن إعجابه بابن حزم وعبقريته، فيقول: ” وجدتني مندفعا إلى دراسة الإمام ابن حزم، بدافع من القلب والعقل، وأنا بتأثيره بين الحب له والإعجاب به، وكل من قرأ تراث ابن حزم بإمعان، أكبر فيه العقل الواسع، والفكر الخصب، والغور البعيد، والعبقرية العجيبة، وليس أحد يدرس حياته إلا غمره التقديس لمجاهد رفع من شأن الحرية الفكرية، وذهب بها كل مذهب، فعاش من أجلها شريدا، ومات في سبيلها مجاهدا شهيدا، واتخذها طول حياته دينا له ينافح عنه، ويلاقي في سبيله من الأذى والعنت والتشريد ما يهيض بالجبال الرواسي، وينوء بعضه بالعصبة أولي القوة “[4].

ومما يزيد تعلق الأفغاني بابن حزم أنه كان حر الفكر قوال للحق صداع به، فيقول: ” ولو لم يمن في ابن حزم إلا أنه حر الفكر، قوال بالحق، جباه به، حتى ألب عليه الجن والانس، لكفى بذلك حافزا لمثلي على حبه وإكباره، ودراسة حياته، ونشر فضله، والمساهمة في تخليد اسمه، .. هذا وإن يكن في حياة الذين انتشلهم العلم من البؤس والضيق إلى المقامات العلى شيء من العجب، ففي حياة الذي طوف بالمقامات العلى، وبالغنى والنعيم والترف إلى الضيق والتشريد من أجل العلم والحق، العجب كله، وهذا لعمري هو الحري بالإعجاب، الحقيق بالتقديس “[5].

خاتمة

أن تتحدث عن سعيد الأفغاني وآثاره المتنوعة، فالسرعة والعجلة قد لا تفيه حقه، أما أن تضيف إليه ابن حزم فدونك العمر كله، أن تكتب في العبقرية وتبحث عن مثال حي لها، فابن حزم يكفيك عناء البحث عن المثال، فالعبقرية هي ابن حزم، وابن حزم هو العبقرية، أما أن تبحث عن عبقرية ابن حزم في كتابات الأفغاني فتجد نفسك أمام عبقريتان ودونهما خرط القتاد كما يقال، يكفيني في الأمر شرف التذكير، قد يكون هذا الأمر حافزا لغيري يوجه إليها نظره ويتمم ما حال بيني وبين الوصول إلى الغاية في الموضوع.

الملاحق

1)  الإمام ابن حزم الأندلسي ـ لمحات من سيرته وأضواء على عبقريته. ص 7 وما بعدها بتصرف، تأليف الأستاذ سعيد الأفغاني دار القلم ط 1 2013.

2) نفسه ص 29 وما بعدها بتصرف.

3) نفسه ص 40.

4) نفسه ص 45.

4) نفسه ص 46 بتصرف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.